المنتدى العسكري العربي
عزيزي الزائر / عزيزتي الزائرة

مرحبا بك في المنتدى العسكري العربي

يرجي التكرم بتسجيل الدخول اذا كنت عضو معنا او التسجيل ان لم تكن عضو وترغب في الانضمام الي اسرة المنتدى

سنتشرف بتسجيلك

شكرا

ادارة المنتدى



 
الرئيسيةس .و .جالقوانينبحـثالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 استرداد عكا: استراتيجية التهيئة والإعداد

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة

mi-17

مشرف
مشرف









مُساهمةموضوع: استرداد عكا: استراتيجية التهيئة والإعداد   الأربعاء ديسمبر 28 2016, 14:10

نودي في دمشق: الغزاة في سبيل الله إلى عكا. وقد كان أهل عكا في هذا الحين عدَوا على مَن عندهم من تُجّار المسلمين، فقتلوهم وأخذوا أموالهم، فأُبرزت المجانيق إلى ناحية الجَسورة، وخرجت العامة والمطوعة يجُرُّون في العجَل، حتى الفقهاء والمدرسون والصُّلحاء

ابن كثير في تاريخه «البداية والنهاية»

موجز من الصراع القديم 

كان النشاط الصليبي ضد المسلمين قد بدأ مع بواكير الصدام الأول في الشام في عصر الخليفة الراشد أبي بكر الصديق – رضي الله عنه-، وفي الفتوحات التي تمكن المسلمون فيها من بسط سيطرتهم على البلدان التي كان الرومان يسيطرون عليها في الشام وجنوب الأناضول ومصر وشمال أفريقيا وحتى الأندلس وجنوب فرنسا، وهي منطقة نصف دائرية تحيط بالعالم الصليبي من الجنوب، بل هي دائرة نفوذه الإستراتيجية التي استمرت لقرون متطاولة لا يُنازعه فيها منازع.

لكن بسط الإسلام سيطرته على هذه المناطق، حوّل المعركة مع العالم الغربي وكنيستيه الشرقية في القسطنطينية، والغربية في روما إلى حرب «مقدّسة» باصطلاح الغرب المسيحي، وإلى حرب «جهادية » لنشر الإسلام باصطلاح العالم الإسلامي، ومنذ ذلك العقد الثاني من التاريخ الهجري والمواجهة لا تنفك بين العالمين على مستويات عدة، أعلاها العسكري والجغرافي، وأدناها الثقافي والإعلامي.
كان دخول الإسلام بقوة في مناطق العالم الغربي ذاته في كل من صقلية وكريت ومالطا وجنوب إيطاليا وميورقة والأندلس وجنوب فرنسا، تحديًا خطيرًا لسلطة ومكانة المسيحية، ومنذ انجلاء الرومان في عصر الفتوحات الأولى، ومواجهاتهم أمام الأمويين والعباسيين والدول المستقلة فيما بعد، ثم دحرهم على يد السلاجقة في معركة ملاذكرد الشهيرة سنة 463هـ/1071م، حيث تم الاستيلاء على عمق الأراضي البيزنطية، ولأول مرة تقع هضبة الأناضول داخل النفوذ الإسلامي، مما هدّد بصورة مباشرة قلعة المسيحية الأرثوذكسية في القسطنطينية. فقد كان النداء مدويًا في العالم الغربي لمواجهة هذه التهديدات الإسلامية المتعاقبة في الشرق والغرب، فشرعت حروب الاسترداد في الأندلس في وتيرة متصاعدة حتى سقطت طُليطلة في سنة 478هـ/1085م، ثم بدأت الحملات الصليبية المنظمة على المشرق منذ العام 489هـ/1096م، وبلغت ذروتها سنة 492هـ/1099م مع احتلال بعض مناطق شمال الشام مثل الرُّها، والساحل الشامي من أنطاكية شمالاً إلى عكا ويافا جنوبًا، وفي فلسطين حتى بيت المقدس عمقًا، ولم تسلم مصر من محاولات من الهجوم عليها فضلاً عن عمق الأراضي الشامية في دمشق وغيرها.

لقد سُفكت الدماء، وانتهكت الأعراض، ووقع المسلمون تحت نير الاحتلال الصليبي مدة قرنين متواليين، أحيت فيها المقاومة الإسلامية التي بدأت مع السلاجقة وأتابكتهم من بني بوري والزنكيين بقيادة عماد الدين زنكي ونور الدين محمود، ثم الأيوبيين بقيادة صلاح الدين، وتوقف حالة الجهاد والاسترداد بعد وفاته بل النكوص على العقب، ثم إعادة إحياء الجهاد الإسلامي لاسترداد بقايا الإمارات الصليبية التي لم يتمكن صلاح الدين من استردادها في الساحل الشامي مثل أنطاكية وطرابلس الشام وبيروت وعكا وصيدا ويافا وغيرها، على يد المماليك منذ الظاهر بيبرس والمنصور قلاوون وأخيرًا مع الأشرف خليل بن قلاوون، آخر من تمكن من تطهير بلاد الشام من آخر جيب صليبي خطير وهو مملكة عكا.

بسبب رعونة الصليبيين في عكا، وهجومهم على المناطق الإسلامية القريبة منهم، ونقضهم للعهد الذي أبرموه مع المماليك من قبل، قرّر المنصور قلاوون أن يهاجم آخر وأهم الممالك الصليبية في الساحل الشامي، وهو القرار الذي طالبه فيه كبار المماليك بالتأني والتريث، نتيجة للتحصينات القوية، والإمدادات البحرية الأوربية التي كانت تنعم بها المدينة، لكن قلاوون أصرّ على قراره ذاك، وجمع عساكره بالفعل، لكن وافته المنية في معسكره خارج القاهرة في بداية ذي القعدة سنة 689هـ.

«قومون» عكا

كانت عكا قبل استردادها على يد الأشرف خليل بن قلاوون (ت 693هـ/1294م)، تحوي مزيجًا من العناصر الصليبية المختلفة الأجناس، وكانت عكا آخر معاقل اللجوء إليها، هذه العناصر كانت قد هربت من أنطاكية وطرابلس وغيرهما من المدن والحصون التي استولى عليها المسلمون، وشكل هذا المزيج «قومون عكا»، أي المدينة التي تتمتع بالحكم الذاتي والاستقلالية الذاتية، هذا القومون مثّل جميع الطوائف الدينية العسكرية في المدينة.
كانت مملكة نابولي الإيطالية قد سيطرت على هذه المدينة أثناء انتقالها من ملك صليبي إلى آخر حتى سنة 685هـ، وكان ملوكها وأصحابها من عائلة أنجو (Ango)، وبسبب وفاة صاحب عكا الصليبي، وموت خليفته، وبُعد مدينة نابولي عن المشرق الإسلامي، وبعد مفاوضات سياسية بين مملكة صقلية والطوائف العسكرية من الداوية والإسبتارية والتيوتون في عكا، أمست هذه المدينة الحصينة تابعة سياسيًا لملك صقلية آنذاك «هنري الثاني لوزجنان»، وكان دخوله هذه المدينة في شهر جمادى الأولى سنة 685هـ/1286م، وقد استُقبل ذلك الملك الثري بالترحاب والسرور، لكن سرعان ما بدأت الخلافات السياسية بين الطوائف العسكرية الصليبية تدب بينهم، بسبب من الضعف والتردد الذي اتسم به هنري الثاني.

الاستعداد الإستراتيجي للمماليك

كانت هناك محاولات سابقة من المماليك لإعادة فتح عكّا، منذ الظاهر بيبرس (ت 676هـ) ومرورًا بالمنصور قلاوون (ت 689هـ)، لكنه توفي خارج القاهرة في معسكره الذي كان يعده لاسترداد عكا، وعزم ولده وخليفته من بعده الأشرف خليل بن قلاوون (ت 693ه) على استكمال ما بدأه والده، وبعدما قضى على المناوئين له، وبدأ في تثبيت أركان دولته من خلال تعيين الثقات والأكفاء في المناصب القيادية في الدولة، شرع في التجهيز لفتح واسترداد عكا، وقد اعتمد في فتح هذه المدينة على ما يلي:

– أعلن الأشرف عن مجلس الحرب وكان لا يعقد إلا في النوازل الكبرى «فجمع العلماء والقضاة والأعيان والقراء بالقبة المنصورية، بين القصر ين من القاهرة عند قبر أبيه، في ليلة الجمعة الثامن عشر من شهر صفر، فباتوا هناك في عمل مهمّ عظيم».


– أعلن الأشرف خليل النفير العام في مصر والشام، وأمر بتجهيز الجيش والعساكر وجمعهم من المناطق المختلفة، فأسهمت كل نيابة وكل مملكة وكل ولاية بنصيبها من الجنود والأسلحة المختلفة كل بحسب ما يختصّ فيه، وقد اشترك المؤرخ والأمير الأيوبي الملك المؤيّد في هذه الحملة، وكانت رتبته العسكرية آنذاك أمير عشرة، وقد وصف في تاريخه بعض ما اشتركت به مملكة حماة الخاضعة للسيادة المملوكية ووالده الملك المظفّر بن المنصور الأيوبي (ت698هـ)، فقد أمدت هذه الإمارة الأيوبية الجيشَ المملوكي بمنجنيق كبير كان يُسمى المنصوري كان يجري على مائة عجَلَة، اضطر الجيش الحموي لتفكيكها إلى مائة قطعها لكبرها، وكان من نصيب الأمير والمؤرخ أبي الفداء مع أجناده العشرة عجلة واحدة فقط، استغرق جرّها شهرًا كاملاً، وفي هذا ما يدلل على كبر وعظم الآلات العسكرية في ذلك التاريخ، فضلاً عن كبر الحملة المملوكية ذاتها، وقد اشترك الأمير والمؤرخ المملوكي بيبرس المنصوري في نفس الحملة، وكان أميرًا على ولاية الكرك ذات الأهمية الإستراتيجية في جنوب الشام، وقد قال: »كنتُ حينذاك بالكرك، فلما بلغني أمر هذه الغزاة، ووردت عليّ مراسم السلطان بتجهيز الزردخانات والآلات، تاقت نفسي إلى الجهاد … فطالعتُ السلطان بذلك، وسألته أن أصير إلى هنالك لأساهم في ثواب الغزو وأشارك فأذن لي في الحضور … فجهّزتُ من الزردخانات المانعة، والآلات النافعة والرجال المجتهدين والرماة والحجّارين والغزاة والنجّارين، وتوجّهت مُلاقيًا للسلطان وقد وصل إلى غزة … وسرتُ في ركابه إلى عكا».
– أحكم سيطرته على الحملة والأمراء، وراقبَ كل صغيرة وكبيرة، وقام باعتقال عدد من الأمراء الذين أثاروا الشك عنده، خوفًا من غدرهم وخيانتهم. كما اعتمد على الأمراء الكبار ذوي الخبرة والكفاءة، مثل الأمير عز الدين الأفرم الذي قاد حمالات مملوكية ناجحة على مملكة النوبة، والأمير بَلَبان الطباخي، والأمير عز الدين أيبك الحموي، والأمير بدر الدين بكتاش، وغيرهم ممن خاضوا غمار الحروب الطويلة سابقًا، وهم من كبار الأمراء الصالحية الذين حنّكتهم المعارك منذ التحاقهم بخدمة الأيوبيين.

– أمدَّ الأشرف خليل حملته بكافة التجهيزات والعتاد، فقد احتوى جيشه على أسلحة امتازت بقوتها وخفّتها، وأجمع المؤرخون على أن مجانيق الحملة كانت متنوعة من الإفرنجي واللاعب والشيطاني والقرابغا، وقد اعترف عدد من المؤرخين أن عدد المنجنيقات في هذه الحملة كان الأكبر في تاريخ المواجهة الإسلامية الصليبية، فقد وصلت إلى 72 منجنيقًا، وذكر آخرون أنها كانت 92 منجنيقًا، مما يعني أن الحصار كان شديدًا، وقويًا.

وفي مقالنا القادم سنستكمل الحديث عن وسائل الاستعداد المملوكي، وسنرى الإستراتيجيات والتكتيكات العسكرية البارعة التي اعتمدها المماليك أمام الصليبيين لاسترداد هذه المدينة شديدة التحصين والقوة.





عدل سابقا من قبل mi-17 في الأربعاء ديسمبر 28 2016, 14:15 عدل 1 مرات
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

mi-17

مشرف
مشرف









مُساهمةموضوع: رد: استرداد عكا: استراتيجية التهيئة والإعداد   الأربعاء ديسمبر 28 2016, 14:14

وشرعنا في ردم الخندق الذي بين السورين بمخالي مملوءة بالتراب ممّا تيسّر من الأخشاب، فصار طريقًا سالكًا وكان رأيًا مباركًا، وسمع به السلطان فأعجبه، وركب بنفسه وحضر … وضُربت عند الصباح ولاحت تباشير الفلاح، وحصل الزحف عليهم من ذلك المكان وغيره.

الأمير والمؤرخ المملوكي «بيبرس المنصوري» أحد المشاركين في فتح عكا

كُنا قد توقفنا في مقالنا السابق «استرداد عكا: استراتيجية التهيئة والإعداد» عند موجز من تاريخ العلاقات الإسلامية الصليبية، ونبذة من طبيعة الصدام بين الجانبين، ثم عرجنا إلى الحديث عن الإمارات الصليبية في بلاد الشام، وآخر تلك الإمارات التي كانت من أخطر الجيوب الصليبية، وهي إمارة أو مملكة عكّا، ورأينا محاولات المماليك لاستعادة هذه المدينة الحصينة على البحر المتوسط. وفي هذا المقال وتاليه نستكمل الحديث عن استعدادات السلطان الأشرف خليل بن قلاوون (ت 693هـ/1293م)  وإستراتيجية وتكتيكاته العسكرية أثناء استعادة المدينة، والمقاومة الشرسة التي لاقها المماليك من فرسان الصليب.

استعدادات المماليك

التحق المهندسون والأطباء والبنائون والحجّارون وكافة الصنّاع إلى الحملة، وكانوا بمثابة القوات المعاونة.
لم ينس الأشرف خليل ما للقوة البحرية المملوكية من أهمية في هذه المعركة، فقام بتجهيز الأسطول الحربي، وعلى رأسها القطع البحرية الكبيرة التي كانت تُسمى «الشواني» حينئذ، فوصل عدد هذه القطع إلى 60 قطعة بحرية عسكرية في هذه الحملة.
لم ينس كذلك الأشرف خليل ما للجانب الإيماني من أهمية، فتصدّق بالأموال والثياب على الفقراء والقراء والمساكين، محاولاً شحذ الهمم، وجمع الكلمة، وإشراك الرأي العام والمجتمع معه، ولذلك نرى البرزالي في تاريخه قائلاً: «وعُملت ختمة بجامع دمشق ليلة الجمعة السابع عشر جمادى الأولى، وتضرّع الناس إلى الله تعالى، واجتمعت قلوبهم وجهّزهم، ودعا الخطيب يوم الجمعة، وفتحت عكّا في يوم الجمعة».
فتح الأشرف خليل الباب أمام المتطوعين والعامة والجمّالين الذين أسهموا بشكل لافت في دعم الحملة والعساكر المملوكية، قال ابن كثير: «جاء البريد إلى دمشق في مستهل ربيع الأول [سنة 690هـ] لتجهيز آلات الحصار لعكا، ونودي في دمشق: الغزاة في سبيل الله إلى عكا. وقد كان أهل عكا في هذا الحين عدوا على من عندهم من تجار المسلمين، فقتلوهم وأخذوا أموالهم، فأبرزت المجانيق إلى ناحية الجسورة، وخرجت العامة والمطوعة يجرون في العجل، حتى الفقهاء والمدرسون والصلحاء، وتولى سياقتها الأمير علم الدين الدواداري، وخرجت العساكر بين يدي نائب الشام، وخرج هو في آخرهم، ولحقه صاحب حماة الملك المظفر، وخرج الناس من كل صوب، واتصل بهم عسكر طرابلس، وركب الأشرف من الديار المصرية بعساكره قاصدا عكا، فتوافت الجيوش هنالك، فنازلها يوم الخميس رابع ربيع الآخر، ونصبت عليها المجانيق من كل ناحية يمكن نصبها عليها، واجتهدوا غاية الاجتهاد في محاربتها والتضييق على أهلها».
وصل عدد الجيش المملوكي إلى 160 ألف مقاتل و60 ألف جندي مترجّل «راجل»، وهو عدد ضخم، كان قوامه بجانب الجيش المملوكي النظامي، عناصر من القبائل العربية والأكراد والتركمان والجركس، وقد ساهم طول الفترة الزمنية منذ نقض الصليبيين في عكا للهدنة واستعداد المنصور قلاوون لها منذ شوال سنة 689هـ وحتى بداية الانطلاق والحصار في ربيع الأول سنة 690هـ، ساهم في تجميع كل هذا العدد الضخم من الرجال والآلات والعتاد.

أمام أسوار عكا


تحركت القوات المملوكية وفق الخطة والاستعدادات التي تمت على مدار أشهر متوالية، واشتركت في هذه الحملة العسكرية المكبّرة كل المدن والولايات المملوكية في مصر وبلاد الشام، وفتح الطريق أمام المتطوعين من العامة ورجال الدين والمتصوفة وغيرهم، لقد أمست حملة استرداد عكا مشروعًا إسلاميًا ومملوكيًا، اختزل كل ما عاناه المسلمون على مدار قرنين من الضيم والمذلة والإرهاق الصليبي الذي عانى منه المسلمون في المدن التي صارت صليبية في بلاد الشام، فضلاً عن غيرهم من المناطق القريبة، ولم يتورع الصليبيون عن استخدام كل الأساليب الإرهابية من التقتيل والسرقة والنهب والأسر، ولم يجد المسلمون أمام هذا التاريخ الطويل من الإجرام إلا التوحد على استخلاص عكا – آخر قلاعهم الحصينة – وإذاقة هؤلاء المجرمين كل صنوف الألم التي تحملوها هم وأجدادهم مدة قرنين متواليين!

في أوائل ربيع الآخر سنة 690هـ حاصرت القوات الإسلامية المدينة من جهات البرّ، فكانوا في شرق المدينة والمدينة وظهرها البحر في مقابلهم جهة الغرب، وقُسّم الجيش المملوكي كعادته إلى ثلاثة أقسام رئيسة:

في الميمنة الفرقة الحموية بقيادة الملك المظفر بن المنصور ملك حماة، وكانوا يواجهون القوات البحرية الصليبية في البحر فضلاً عن قوات البرية على الأسوار والأبراج، وقد قاتلت هذه الفرقة طيلة مدة الحصار، وواجهت كذلك دفاعات شرسة، بل وهجوم صليبي مباغت في إحدى الليالي من القوات الداوية المقابلة، واستطاعت أن تفشله وتأسر عدد من المهاجمين.
الميسرة بقيادة الأمير المملوكي المخضرم «بدر الدين بكتاش» رابطت في الجنوب الغربي لخليج عكّا.
بقية العساكر كانت تنتشر في الوسط بين الميمنة والميسرة. ونصب الأشرف دهليزه أي خيمته العسكرية ومركز القيادة قبالة البرج البابوي بين الوسط وميسرة المسلمين بالقرب من البحر المتوسط.
اعتمدت الخطة المملوكية في حصار المدن واقتحامها على استخدام آلات نقب الأسوار والأبراج الثقيلة مثل المنجنيقات والعرّادات، واعتمدت كذلك على إنهاك العدو من خلال الاشتباك غير المباشر بواسطة الأسهم والنّشاب، وصارت المنجنيقات تقذف يوميًا الأحجار أو القوارير الضخمة المملوءة بالنفط على أسوار المدينة، وعمد المهندسون والنقّابون والحجّارون إلى البحث عن الثغرات في الأسوار.

إن لنا أن نتخيل 92 منجنيقًا كبيرا وصغيرًا ودورها في الثقب والنقب والسحق والهدم الذي أحدثته لمدة 44 يومًا هي مدة الحصار، لقد هدمت أجزاءً واسعة من الأسوار والأبراج والمنازل والحصون، وأسقطت عشرات القتلى والجرحي، وقد صدق أحد الشعراء المسلمين في وصف المنجنيق حين قال:

للمنجنيق على الحصون وقائع *** فيها عجائبٌ للذي يتفهّمُ
يومي إليها بالركوع مُخادعًا*** فتخرّ ساجدة إليه وتُسلِّمُ
المماليك يدكّون أسوار العدو!


أيقن الصليبيون أن الحصار المملوكي على عكا شديد، وأن القوات الإسلامية تفوقهم عددًا وعتادًا ونشاطًا وبأسًا، ولم يجدوا بداً إلا من محاولة أن يتفاوضوا مع السلطان الأشرف خليل، فأرسلوا رسلهم وسفراءهم يوم 16 جمادى الأولى 690هـ/16 مايو (أيار) 1291م قبل الهجوم الإسلامي الكاسح بيوم واحد، فطالبوا المماليك بالرحيل عن المدينة شريطة أن يدفعوا -كما يذكر بدر الدين العيني -: «كل سنة مالاً يحملونه إليه مع هدايا وتحف كما كانت في الأول، فلما جاء رسلهم إلى السلطان جمع الأمراء فشاورهم فيه، فقال جميعهم على لسان واحد: إن هذا حِصن كبير عندهم، ولم يبقَ في بلاد الساحل من أهل الكفر غير أهله، 
وكان عزم الشهيد والد الإشراف على فتحه، والسلطان قد عزم في أول دولته على فتحه على ما كان عليه عزم الشهيد [المنصور قلاوون]، وأنه قد أُصيب من المسلمين جماعة، وقُتلت جماعة، وما بقي للصلح فائدة، فإنما قد أشرفنا على فتحه، وهم في ذلك، وإذا بصياح عظيم من السوقة والحرافيش والغلمان والجمّالين: يا مولانا السلطان بتُربة الشهيد لا نصطلح مع هؤلاء الملاعين. ثم قال السلطان للرسل: لا صلح عندنا إلا أن تُسلّموا الحصن بالأمان، فذهبت الرُّسل».

ونتيجة لهذا الحصار القوي، ونجاح فرقة المهندسين والمنقّبين والحجّارين في ثقب الأسور، ونجاح بعض الفرق العسكرية الخاصة في ردم الخندق، تم الاتفاق على الهجوم الكاسح المباشر يوم الجمعة الموافق 17 جمادى الآخرة سنة 690هـ، فاستطاعت الفرق العسكرية المملوكية أن تهزم المدافعين الصليبيين وتقهرهم من الأسوار قهرًا، بل وقطعت أوصال تجمعاتهم بحيث صاروا متفرقين عن بعضهم، ثم حوصر أكثرهم في الأبراج الكبيرة على الأسوار، واستسلم ما يقرب من 10 آلاف مقاتل صليبي وطلبوا الأمان، لكن السلطان وزّعهم على كبار الأمراء وأمر بقتلهم، وهرب من استطاع الهرب من الجنود والعامة إلى المراكب في البحر، لكن الهروب لم يكن منظّمًا مما جعلهم فريسة سهلة للقوات الإسلامية.

شاهد عيان من أرض المعركة

من حسن حظّنا أن عددًا من المؤرخين الكبار كانوا شاهدين على تلك الأحداث، ومشاركين فيها، ومنهم الأمير المملوكي والمؤرخ «بيبرس المنصوري» الذي يصف الزحف المملوكي على المدينة قائلاً: «وعلت الأصوات، وزحفت الأبطال والكُماة، وقاتلوا الإفرنج قتالاً شديد الكفاح، وعدلوا عن الرماح إلى الصفاح، وتكاثروا على الأسوار، فتسوّروها وحملوا السناجق (الأعلام المملوكية) ورفعوها، وذعروا القوم ذعرًا شديدًا، وأخذتهم السيوف أخذًا مبينًا، وأثخن المسلمون فيهم إثخانًا عنيدًا، وقتلوا منهم عديدًا، وسبوا نسوانهم وشبابهم، ونهبوا أموالهم ونهبوا أموالهم وأعيانهم، وخرّبوا أوطانهم ومنازلهم، وعصت الأبراج الكبار وهي الداوية والأمن والإسبتار، هيهات، وقد شملهم الصغار، وحاق بهم البوار، وعدموا النصر والأنصار، لكن دعاهم إلى ذلك الذعر الشامل، وخيفة الموت العاجل، ولم يكن لهم سبيل إلى الفرار، ولا وجه للقرار، فغلّقوا أبواب البروج، وتربّصوا عن الخروج، ثم إنهم استأمنوا، فأُخذوا وأُخرجوا وفرّقوا على الأمراء فقُتلوا، وكان هذا الفتح العظيم في يوم الجمعة السابع عشر من جمادى الآخرة».

وقال ابن كثير: «ودُقّت الكوسات [صنوج النحاس الموسيقية] جملة واحدة عند طلوع الشمس، وطلع المسلمون على الأسوار مع طلوع الشمس، ونُصبت السناجق الإسلامية فوق أسوار البلد، فولت الفرنج عند ذلك الأدبار، وركبوا هاربين في مراكب التجار، وقُتل منهم عدد لا يعلمهم إلا الله تعالى، وغنموا من الأمتعة والرقيق والبضائع شيئا كثيرا جدا».

وبهذا الانتصار العظيم، تم طرد كل الصليبيين من الشام من بعد احتلالهم لكثير من سواحلها وحصونها مدة تقارب القرنين، ولم يعودوا مرة أخرى إلا في الهجمة الاحتلالية الحديثة على العالم الإسلامي بدءًا من الحملة الفرنسية بقيادة نابليون ثم باحتلال البلدان العربية في القرن التاسع عشر والعشرين، ولم يرحلوا هذه المرة إلا وتركوا كيانات وظيفية أشد خطورة وتبعية لهم، مع تقسيم وشرذمة العالم العربي والإسلامي بحدود وهمية مصطنعة!




مصدر
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 

استرداد عكا: استراتيجية التهيئة والإعداد

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
المنتدى العسكري العربي :: الأقســـام العسكريـــة :: التاريخ العسكري - Military History :: الشرق الأوسط-