المنتدى العسكري العربي
عزيزي الزائر / عزيزتي الزائرة

مرحبا بك في المنتدى العسكري العربي

يرجي التكرم بتسجيل الدخول اذا كنت عضو معنا او التسجيل ان لم تكن عضو وترغب في الانضمام الي اسرة المنتدى

سنتشرف بتسجيلك

شكرا

ادارة المنتدى



 
الرئيسيةس .و .جالقوانينبحـثالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 مذكرات العميد الركن نجيب الصالحي ......ما حدث في العراق بعد الانسحاب من الكويت .. وخفايا الأيام الدامية

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة

mi-17

مشرف
مشرف

avatar








مُساهمةموضوع: مذكرات العميد الركن نجيب الصالحي ......ما حدث في العراق بعد الانسحاب من الكويت .. وخفايا الأيام الدامية    الأحد يونيو 19 2016, 22:34

الحلقه 1 

البداية الساخنة ..!

رن جرس هاتف منزلي في بغداد حوالي الساعة الرابعة فجر الثاني من آب 1990، وكان صوت المقدم زكي يحيى مقدم اللواء المدرع / 16 يأتيني عبر الهاتف ويبلغني أمر قيادة الفيلق الثالث بوجوب قطع الإجازة والالتحاق فوراً، حيث كنت اشغل منصب آمر اللواء، لحظتــها لم يتسن لي أن أعرف ما حدث بالضبط، ولكن بعد بضع ساعات كانت نشرات الأخبار الصباحية تحمل نبأ احتلال العراق لدولة الكويت!
... يا للمفاجأة ..!
هذا ما رددته مع نفسي بصوت خفيض، لكن ما العمل في تلك اللحظة وما الذي أفعله؟ يجب أن أحزم أمري وأتوجه نحو البصرة حيث يكون عملي، وهذا ما تقتضيه الأوامر والمقررات العسكرية في مثل تلك الأمور.
وصلت ظهيرة ذلك اليوم مقر اللواء، وقتها كانت الأوامر قد صدرت بالتحرك نحو الحدود.
في ظهيرة اليوم التالي دخل اللواء المدرع / 16 وهو أحد تشكيلات الفرقة المدرعة السادسة الأراضي الكويتية، وكان تسلسله الثالث بعد اللواء المدرع /30 ولواء المشاة الآلي /25، وبذلك تكون الفرقة أول تشكيل يدخل الكويت بعد قوات الحرس الجمهوري، ثم وضعت الفرقة بكاملها بأمرة تلك القوات.
في ليلة الخامس من آب صدر أمر بحركة اللواء من مقره في الروضتين (مزارع القشعانية) لاحتلال معسكر درع الجزيرة الكويتي الذي يضم اللواء المدرع / 35 الكائن شمال طريق الجهراء باتجاه السالمي 20 كم على أن يتم ذلك مع الضياء الأول ليوم 6 آب 1990 وتحقيق المهام الاتية:
أ- نشر وحدات اللواء المدرع / 16 أمام معسكر درع الجزيرة (10كم) شرق وغرب الطريق العام وتأمين خطوط دفاعية متعاقبة.
ب- السيطرة على معسكر درع الجزيرة ومنع الحركة فيه وعدم تسليم أية عجلة أو مادة إلى الكويتيين.
ج- وضع سيطرة عسكرية من موارد اللواء بإشراف ضابط الأمن على الطريق العام (طريق الجهراء - السالمي) قريبة من مقر اللواء مهمتها منع السيارات والكويتيين من دخول الحدود السعودية.

التحرك 

شرعنا بالحركة ليلا وعند الضياء الأول وصلنا إلى مدينة الجهراء، إذ سبقني إليها عدد من ضباط مقر اللواء وحسب خطة التنقل، شاهدت عجلات تحترق في أحد معارض السيارات هناك.. استفسرت عن تلك الحرائق وعن سبب عدم منع القائمين بها مشيراً إلى مكان المعرض الذي يبعد عنهم مسافة 500م، فكان جوابهم، هؤلاء ينفذون أوامر "قصي" ومن الأفضل أن لا تتدخل سيدي. عندئذ أحسست بأن للاحتلال مخلبا سريا سيظهر فيما بعد ويمزق الواجهات !
تم احتلال المعسكر بالساعة السابعة والنصف صباحاً، حينها جاء من يخبرني بأن هناك شابين كويتيين يطلبان السماح باسترداد سيارتيهما المتروكتين عند أحد مداخل المعسكر . قابلت هذين الشخصين عند الباب الرئيس للمعسكر، حيث توجد دائرة استعلامات حديثة، قال لي أحدهما وهو شاب في العشرين من عمره وكان يرافقه ابن عمه وهو بنفس عمره تقريبا. جئنا إلى هنا نلتمس الموافقة على سحب تلك العجلة، وأشار بيده نحو عجلة حديثة قائلا، إنها عجلة ابن عمي، وهو ضابط صف في هذا اللواء وقد وقع أسيراً في أيدي القوات العراقية (قوات الحرس الجمهوري) التي دخلت إلى هنا يومي 2 و3 آب.. التفتُ إلى المقدم زكي وسألته. إن كان قد سمع كلاما مثل هذا؟ فقال، نعم، سمعت بأن ضمن منتسبي اللواء /35 ، شهداء وأسرى بينما هرب الباقون إلى داخل الكويت ووصل البعض منهم إلى السعودية. حينها أخذت الأسئلة تلفني وتدور إذ تساءلت مع نفسي (هل جئنا محررين كما يقول الإعلام الرسمي لإعادة الفرع إلى الأصل ! أم منفذين اسلوبا جديدا لتحقيق الوحدة العربية، هذا الحلم الكبير الذي لا يزال يراود خيالنا، أم سالكين طريقا تؤدي إلى تحرير فلسطين مثلما يهمس الإعلام العراقي هنا وهناك؟) لقد أيقنت بأن هذه المفاهيم والآمال كانت تتنافى وتتقاطع مع ما يحـــدث من ســـــلوك يتمثــل في السلب والتخريب وحرق السيارات، سبقه قتل وأسر أشقاء لنا... كيف نتعامل مع الكويتيين كأسرى حرب ؟ كانت لوعة الأسئلة تتحسسني وتدخلني بمأزق لا ينتهي، تأملت الموقف، ثم قلت لهم: تفضلوا خذوا سيارة ابن عمكم.. ربما يعود إليكم قريبا.. لا تقولوا عنه إنه أسير.. ليس بين العرب آسر ومأسور !
بعد ذلك جاءت امرأة محجبة مع ولديها الصبيين لاستلام سيارة المرسيدس التي تركها زوجها بعد أن أسره الحرس الجمهوري، و أراد الصبيان تشغيل العجلة في بادئ الأمر، لكنهما لم يتمكنا من ذلك، ويبدو أنها قد تعرضت إلى محاولة سرقة بعض أجزائها الكهربائية، فأصدرت أمراً إلى مفرزة التصليح في مقر اللواء لتأمين سحبها وإيصالها إلى المكان الذي ترغب فيه تلك العائلة الكويتية ، ولكن أحد الصبيين تمكن من تشغيلها فيما بعد وسحبها إلى داخل المدينة، وبعد ذلك همست في أذن مقدم اللواء بتبليغ جنود الحرس بتسليم السيارات إلى ذويها دون إشعارنا!

الذاكرة … تتساءل

ذات ليلة، بينما كنت أتأمل طبيعة ما يجري على أرض الكويت وفي زحمة الأفكار، عادت بي الذاكرة إلى شتاء عام 1980 أثناء الحرب العراقية الإيرانية حين كنت آمر سرية في كتيبة دبابات 1 حزيران المنفتحة في موضعها الدفاعي داخل الأراضي الإيرانية ضمن قاطع عمليات ديزفول، قرب "مرقد الإمام زاده عباس" وفي طقس شتائي ممطر، ألقى جنودنا القبض على شخص مدني جاء من جهة إيران ودخل موضعنا الدفاعي وقد قيده الجنود وعصبوا عينيه وجاؤوا به إلى مقري المتواضع الذي هو عبارة عن حفرة 2×3م تحتوي على سرير نوم وعدد من صناديق العتاد الكبيرة الفارغة نستخدمها مقاعد للجلوس.
كان الرجل في الأربعين من عمره يرتدي دشداشة سوداء حافي القدمين تتمثل فيه كل علامات البؤس والتعب .. ويبدو مـن هيئته انه من عربستان
ودار بيننا الحوار الاتي:
من أين أتيت ؟
- جئت من قرية (زاده) القريبة من ديزفول وأشار بيده نحو القرية.
من أرسلك إلينا، ولماذا دخلت الموضع الدفاعي ؟
- لم يرسلني أحد وإنما فقدت "بقرة" تعود لي وأنا أبحث عنها منذ الصباح وهي مصدر رزقي الوحيد ومعيشتي الذي لم يبق عندي غيرها !
- أنت تتكلم اللغة العربية وبلهجة عراقية جنوبية ! هل أنت عربي، ومن أي عشيرة أنت ؟
- أنا عربي ومسلم من قبيلة الخرسان.
- نعم، الخرسان قبيلة عربية تسكن في القسم الجنوبي الشرقي من العراق في محافظة العمارة ويسكن قسم من أبنائها في إقليم عربستان وفي ديزفول والخفاجية والأهواز، ثم أومأت إلى الحرس أن يفكوا وثاقه ويرفعوا عن عينيه العصابة التي هي عبارة عن "اليشماغ" الذي كان يلف به رأسه قبل القبض عليه. بعد ذلك، دعوته للجلوس على صندوق كان أمامي وأشرت إلى الجندي المراسل "ايشو" أن يعمل لنا شايا.
سنحت فرصة جيدة للتحدث مع هذا العربستاني المبتلى الذي يعيش فوق بحيرة من النفط، الذهب الأسود، مصدر الخير والشقاء على حد سواء لشعوب هذه البقعة من العالم.
- أريدك أن تحدثني بصراحة عن أوضاعكم وماذا جرى لكم خلال الحرب؟
وقدمت له سيجارة وبعد أن احتسى الشاي شعر باطمئنان وأخذ يتحدث:
- نحن العرب هنا، وهو يشير نحو ديزفول، في ورطة، هذه الحرب دمرتنا نحن بالذات وليس الفرس الذين يعيشون في مراكز المدن البعيدة، نحن على الحدود مباشرة، تهدمت بيوتنا ونهب حلالنا، وأعراضنا مهددة أن تهتك في كل لحظة ! نحن مهددون بذلك من كلا الجانبين، الإيراني والعراقي على حد سواء ! الإيرانيون يقولون عنا، أنتم عرب وتعملون جواسيس لصدام، وأنتم "مشيراً بيده نحوي" تقولون عنا "أنتم جواسيس لإيران، وأنتم خمينيون" هل تمنحوننا الجنسية العراقية لو طالبنا بها لكي نرحل إلى العراق حيث تتواجد عشيرتنا وأهلنا ويحسم الموضوع ؟ ولكن ألم تعتبروا أقاربنا هناك "تبعية إيرانية" وقد تم تسفيرهم إلى إيران وهم العرب والعراقيون الأصلاء !
لحظتها رن جرس الهاتف ليقول لي وكيل آمر الكتيبة، الرائد عبد الخالق العاني• يا نقيب نجيب، لقد اتصل بنا توا المقدم الركن زبير جاسم العاني ضابط استخبارات اللواء طالباً إرسال هذا الإيراني الذي دخل مواضع الكتيبة إلى مقر اللواء بعد تفتيشه جيدا وربط يديه وعصب عينيه لغرض تسليمه إلى هيئة الاستنطاق للتحقيق معه في شعبة استخبارات الفرقة المدرعة العاشرة.
اتصلت بضابط استخبارات اللواء لوجود معرفة شخصية بيننا وأوضحتُ له وضع هذا العربستاني البائس وظروف إلقاء القبض عليه وإنه إنسان بريء.. الخ ولكن ضابط استخبارات اللواء قال:
- صحيح، ولكن مقر الفرقة، علم بالموضوع ولا أستطيع التدخل في إطلاق سراحه، غير أني سأشرح الموقف لضابط استخبارات الفرقة وهو متفهم لهذه الأمور لعله يطلق سراحه.
بعد هذه المكالمة الهاتفية، وصل "العربستاني" إلى مقر الفرقة للمثول أمام هيئة الاستنطاق، ولا أعرف بعد ذلك مصيره وما حل به، وفيما إذا كان قد عومل على أساس انتمائه القومي العربي ! أم على أساس سكنه الجغرافي.. على أي حال، فإني أشك بمعاملته على أساس قومي رغم الشعارات القومية التي كان النظام يروجها حينها مدعيا تحرير القطر العربي السليب عربستان !
لقد تعودنا أن نقرأ الأيديولوجية القومية في الكتب، ونسمع رنين العروبة في الإذاعات، ونتحدث عنها في الاجتماعات، ولكن، نراها على ارض الواقع مذبوحة متدحرجة أمام مفاهيم منافقة في اغلب الأحيان!

الموت عطشا .. في المناقيش

كانت المئات من السيارات الكويتية التي ستنقل العوائل متوقفة تنتظر السماح لها بالمرور نحو الحدود السعودية ولكن الأوامر التي استلمها ضابط الأمن من مرجعه الأمني كانت واضحة وفيها تشديد على وجوب الإلتزام بالتنفيذ الدقيق ومنع وصول الكويتيين الى المملكة العربية السعودية، وقد زرت السيطرة العسكرية وقلت لضابط الأمن بحضور عدد من الضباط والجنود: إسمع يا ملازم أول فلاح، لا أريد أن أرى عجلة واحدة هنا .. لا أسمح بتكدس العجلات المدنية الكويتية عند مدخل اللواء أقصد مكان السيطرة، وبذكاء فطري، فهم "فلاح" ما أبغي من وراء ذلك وفتح حاجز الطريق أمام طابور السيارات المتوقفة وانطلقت جميعها بسرعة وإستمرت العملية على هذا المنوال طوال الأيام العشرة التالية.
ثمة حقيقة ينبغي التأكيد عليها، هي أن الضباط والجنود العراقيين قد تملكهم الإحساس والرغبة في إبداء ما أمكن من مساعدة لأشقائنا الكويتيين، بل كان ذلك هاجسا مشتركا يجمعون عليه، وكنت عندما ألتقي آمري التشكيلات وضباط الركن في مقر الفرقة، نتبادل الأحاسيس ذاتها، وحتى في المؤتمرات الموسعة في الفيلق كان آمرو التشكيلات يحدثونني أحيانا بقصص مأساوية حدثت لعوائل كويتية عندما كانت تحاول الهرب إلى السعودية عبر الطرق الصحراوية.. وذات مرة شاهدت أحد آمري التشكيلات مكتئبا حزينا وقد ظننت أنه تلقى خبرا محزناً يخص عائلته في العراق ولكنه أخبرني أنه وجد عائلة كويتية "ميتة" بتأثير العطش داخل السيارة حين ضلت الطريق في الصحراء لدى محاولتها الهرب باتجاه الحدود سالكةً طريقا ترابياً ضمن قاطع لوائه في منطقة المناقيش. كان الجميع (الضباط والمراتب) ومن مختلف الرتب والمستويات يحمّلون النظام في العراق مسؤولية هذه الجرائم التي يرفضونها ويدينون مرتكبيها.
لقد تعاطف الضباط والجنود العراقيون مع شعب الكويت ولم ينفذوا إلا جزءاً يسيراً من الأوامر المشددة التي صدرت إليهم في حينها وبصورة خاصة ما كان يتعلق بمنع دخول الكويتيين إلى المملكة العربية السعودية.
كان ما حدث من إساءات عدوانية في المدن الكويتية قد نفذ من قبل أزلام النظام (العصابة الحاكمة وأجهزة المخابرات والأمن) ولم يشترك فيها الجيش الذي انحصرت مهمته في الصحراء على الحدود ولم يدخل المدن الكويتية أصلا، ولكن هذا لا ينفي وقوع بعض الحوادث ذات الطابع الفردي التي لا تنسجم مع التأريخ العريق للجيش العراقي وقيمه الأصيلة، ولذا أصبحت تلك التصرفات الفردية عرضة للنقد والإدانة من قبل جميع الضباط والجنود.

لصوصية معلنة .. ولاء زائــف!

قررت أن أجعل مقر اللواء الذي بأمرتي في مدخل المعسكر مستغلا المنشأة الخاصة بدائرة الاستعلامات، ولم اوافق حينها على المقترحات التي عرضت عليَّ "باشغال المقر والدائرة الخاصة بآمر اللواء الكويتي المدرع/ 35" وقررت عدم الذهاب إليه لاعتبارات شخصية "لأني لا أرغب أن أمثل دور المحتل المغتصب لمقر آمر لواء كويتي شقيق، علمت أنه قاتل دفاعا عن مقره وقيل أنه وقع في الأسر، كما أن متطلبات السيطرة على تشكيلي الموزع في الصحراء والمحافظة على موجودات المعسكر من أسلحة ومواد جعلتني أفضل الإستقرار المؤقت في مقر متواضع كالذي أنا فيه.
في هذا المكان ، زارني العديد من القادة وأعضاء في القيادة العامة للقوات المسلحة، وذات يوم جاء لزيارتنا الفريق الركن إياد فتيح الراوي، قائد قوات الحرس الجمهوري، وبرفقته عدد من ضباط الركن ومجموعة حماية كبيرة وعند مدخل المعسكر قال لي:
- عقيد ركن نجيب، أريد أن تأخذنا الى مقر آمر اللواء في المعسكر (يقصد آمر اللواء الكويتي) حيث يقولون عنه إنه قصر فاره وفيه تسهيلات ومنشآت كثيرة .. الخ.
كان هذا المقر يقع في مركز المعسكر ولكني لم أشاهده من قبل، لذا لم أستطع أن أصطحب قائد الحرس الجمهوري دون دليل، فطلبت من مقدم اللواء أن يدلنا على ذلك إلا أنه اعتذر قائلا:
- سيدي، أنا أيضا لا أجيد الوصول إليه، ولكن ملازم مشتاق يعرف الطريق وبإمكانه أن يدلنا ماشياً أمامنا.. حينها انتشرت حماية القائد أمامنا وخلفنا وعلى الأجنحة وهم من العناصر المعروفة بسلوكها غير المنضبط إبتداء من طريقة حلاقة رؤوسهم غير المألوفة عند العسكريين الملتزمين وقيافتهم الزيتونية إلى الحذاء البني الذي يحتذونه وهو خاص بالضباط، كما أنهم لا يؤدون التحية العسكرية لأنهم في الحقيقة نمط خاص وجدوا لإرهاب الضباط وإستفزازهم، كان مقر اللواء يبعد حوالي (800)م وقد رغب الفريق أياد أن نقطعها سيراً على الأقدام.
وجدنا المقر عبارة عن بناية حديثة، تتكون من طابقين وملجأ أرضي أُلحقت بها حديقة مناسبة وكانت سيارة مدنية من نوع "شوفرليت كابرس" سوداء اللون موديل 1990 تقف عند مدخل البناية وعليها آثار "دماء" وكان زجاج بوابتها اليمنى مهشماً، ومما لا شك فيه أن تلك السيارة كانت تحكي حادثة لا أعرف تفاصيلها، لكن من السهل الاستدلال عليها !
كانت نظرات أفراد الحماية تعكس إعجابهم المتناهي بالسيارة بنحو لافت للنظر، بينما كان الفريق أياد يبحث عن غرفة العمليات * وقد لاحظت أن المرافقين وجنود حمايته كانوا يبحثون عن غرفة آمر اللواء..!؟
كانت غرفة العمليات في الملجأ الأرضي نموذجية من جميع النواحي التي يجب توفرها في مثل هذه الغرفة، كالشروط الأمنية، السعة، المحتويات، والخرائط، وقد كانت خريطة الإستخبارات مؤشــر عليـها مواقع إنفتاح القوات العراقية لغاية 1 آب 90، وعند وصولنا كانت الباب مقفلة، أمر الفريق أياد مرافقيه بفتحها، فهجموا على باب الغرفة مستخدمين كل الوسائل حتى تم فتحها ثم توزعوا على الغرف الأخرى فكسروها بعنف وحطموا الزجاج والألمنيوم والأقفال والمواد الزجاجية والخزفية واستولوا على الأشياء الصغيرة الثمينة التي يسهل حملها ومن ضمنها نماذج دروع برونزية صغيرة، هدايا، قرطاسية وكريستالات..!
أثار هذا السلوك عدم الارتياح في نفسي واستغربت من موقف الفريق أياد الراوي الذي لم يحرك ساكنا تجاه ما قام به هؤلاء، إذ مهما يكون المرء متورطا في خدمة النظام والخضوع له، فإن الأمر لا يمكن أن يصل إلى هذا المستوى من إبداء الرضا بالأذى والتصرف اللاأخلاقي . كنت أعرف هذا الرجل منذ عام 1980 حينما كان ضابط ركن في مقر الفرقة المدرعة العاشرة وأنا آمر سرية في كتيبة دبابات 1 حزيران وقد زارني في سريتي مرات عدة عندما كنت مكلفا بواجب خاص في "جم صريم" و "موسيان" وهما قريتان إيرانيتان على الحدود في قاطع محافظة ميسان ودهلران، وكذلك عملت بإمرته في الحرس الجمهوري أربع سنوات، عرفته إنسانا هادئ الطبع، عفيف اليد، متواضعاً وأخلاقه طيبة، وكنت أتوقع منه أن يرفض أعمال التخريب والسرقة والإستهتار وقلة الضبط العسكري وهي شيمة أساسية لدى جميع الضباط العراقيين الذين تخرجوا في مؤسسات عسكرية عريقة وخدموا في ظروف وأجواء سليمة، فتمثلت فيهم تلك القيم.
لقد أدهشتني إبتسامته التي كانت تنم عن الرضا وهو يراقبهم، ولما علمت أن هذا السلوك والتصرف هو ما تريده القيادة العراقية من الضباط، زالت دهشتي وقد التقيت العديد من الضباط في الحرس الجمهوري، زملاء الأمس، وكنا كلما التقينا، كان الحوار يدور حول اوضاعنا الراهنة، وقد ذكرت لهم ما أثار حفيظتي من موقف الفريق إياد، فقالوا لي، (هذه سياسة يا نجيب، وإن جماعة الحماية والمرافقين الذين تتحدث عنهم أغلبهم مزروعون من قبل الأمن الخاص وأنهم يخبرون مرجعهم بكل صغيرة وكبيرة عن سلوك القائد وهيئة ركنه وإن المطلوب عموما أن تجري الأُمور على هذا النحو. جميع القادة والمسؤولين مطلوب منهم أن يتصرفوا في الكويت بهذا العنف والهمجية من أجل إهانة وإذلال الكويتيين وتخريب بلدهم لأن ذلك فقط يدلل على مدى الولاء "للقائد الرمز"* والتفاعل الحي مع الأحداث، فلو تصرف أياد خلاف ذلك ومنع مرافقيه وأفراد الحماية عن مثل هذا التصرف، لرفعوا تقاريرهم ضده وعندئذ يعتبر عنصرا غير متحمسٍ وربما متعاطفا مع الكويتيين وسيكون مصيره مثل مصير المتعاطفين مع المسفرين العراقيين من "التبعية الإيرانية" عام 1980، ألا تتذكر ذلك ؟..)
إن استمرار أياد على هذا السلوك، يشاركه في ذلك الكثيرون ممن روضهم النظام، هو السبب في احتفاظهم بمواقعهم ومناصبهم ولذلك لم يكن غريباً أن يشارك إياد الراوي بعنف في قمع حركة شعبنا والقضاء على نتائج هزيمة صدام، فهو قائد الحرس الجمهوري الذي كان له دوره البارز في التصدي لإنتفاضة آذار 91 حيث كوفئ بتعيينه رئيسا لأركان الجيش.
وبسرعة هائلة انتشر خبر ما فعلته حماية قائد الحرس الجمهوري في مقر آمر اللواء المدرع الكويتي وبدأ الهمس يسري بين الضباط والجنود ، ونتيجة لذلك بدأ التزامهم بتنفيذ الأوامر بالمحافظة على المواد والأسلحة والممتلكات يتضاءل لأن ما شاهدوه بأعينهم يتناقض مع الأمر الذي تبلغوا به من أن حكم الإعدام سينفذ بالسارق والمعتدي... الخ.
وفي ظل هذه الأوضاع ومداخلاتها السلبية، توقعت حدوث المزيد من الأفعال غير المنضبطة التي من الممكن أن تسيء إلى سمعة اللواء وتبعده عن مهامه العسكرية، لذا كان لزاماً عليّ أن أتقدم باقتراح لقائد الفرقة المدرعة السادسة طالباً منه تبديل واجب اللواء وقد تحقق ذلك بعد بضعة أيام حيث تم فك ارتباط الفرقة من الحرس الجمهوري إلى قيادة الفيلق الرابع ونقل اللواء المدرع/16 إلى حيث الرمال والصحارى في "جال اللياح" و "الأبرق الحباري" * وحتى تسلمي منصب رئيس أركان الفرقة المدرعة السادسة في 5/1/1991.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* المؤلف في سطور: مواليد بغداد 1952. بكالوريوس وماجستير علوم عسكرية من الكلية العسكرية العراقية الدورة (50) لسنة 74 ، كلية الأركان العراقية الدورة (50) لسنة 85. دبلوم قيادة / الأكاديمية العسكرية السوفياتية. بكالوريوس علم الاجتماع - جامعة بغداد. دبلوم جامعة البكر للدراسات العسكرية العليا. آمر كتيبة دبابات في الحرس الجمهوري. آمر لواء مدرع / آمر لواء آلي رئيس أركان الفرقة المدرعة السادسة في حرب الخليج. ضابط ركن في مقر الفيلق الرابع. مدرس في كلية القيادة. ضابط ركن في رئاسة أركان الجيش. رئيس اركان الفرقة الآلية الأولى. أعلن معارضته للنظام العراقي الحاكم في تشرين الثاني 1995.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

mi-17

مشرف
مشرف

avatar








مُساهمةموضوع: رد: مذكرات العميد الركن نجيب الصالحي ......ما حدث في العراق بعد الانسحاب من الكويت .. وخفايا الأيام الدامية    الإثنين يونيو 20 2016, 00:02

الحلقه 2 

سلوك منحرف ... وضحايا

أثناء وجود القوات العراقية حيث تبسط سيطرتها على أرض الكويت وقبل نشوب الحرب فعليا، كانت تصرفات الزمرة المقربة من النظام مشينة إلى حد بعيد، إذ كانوا يستولون عنوة على المحال والأسواق التجارية ومعارض السيارات والتحف الفنية وينقلونها إلى بغداد. كان عدي وقصي "ولدا صدام" ووطبان وسبعاوي "أخوا صدام" وحسين كامل "زوج ابنته" وعلي حسن المجيد "ابن عمه" وآخرون غيرهم من المجموعة ذاتها، قد نفذوا أكبر عملية سرقة منظمة في التاريخ الحديث وهي سرقة دولة بكاملها ونقلوا ما استولوا عليه بواسطة الشاحنات إلى المخازن السرية والمزارع والدوائر الخاصة والقصور الفارهة، وعندما بدأت وسائل الإعلام العالمي تتحدث عن سرقات الكويت، تحرك النظام على عادته ليدفع ببعض الأبرياء إلى الإعدام حيث اعدم وبشكل مقصود مجموعة من الضباط والجنود منهم "عبد الكاظم وعبد الحسين" بعد اتهامهم بالسرقة وقد علقت جثثهم على الأعمدة وسط مدينة الكويت، في حين كان أفراد من عائلة النظام ومن يمت إليهم بقرابة أو مصلحة لا يكتفون بالسرقات بل يمارسون شتى أنواع الابتزاز والاحتيال ضد الأبرياء الذين بقوا في الكويت ولم يتركوا مدينتهم. إن ما أشيع حول تورط الضباط العراقيين في سرقات الكويت قد بولغ فيه كثيرا، فما عدا البعض القليل من المعروفين باللصوصية في قيادات الحرس الجمهوري ومن العناصر المقربة من النظام حصرا والذين كانت مقراتهم في داخل الكويت والمدن الأخرى ، فإن الغالبية من مقرات وتشكيلات القوات العراقية فتحت في الصحراء على الحدود الدولية ولم تشارك في عمليات السرقة والنهب.
كان القادة والآمرون مهتمين بجنودهم وبتدبير مستلزمات أمن المواضع الدفاعية واستحكاماتها ومعالجة المشاكل الإدارية ورفع درجة الاستعداد القتالي. وكانت عجلات هؤلاء القادة والآمرين تفتش من قبل السيطرات العسكرية التي انتشرت فيها عناصر من جهاز الأمن الخاص، أما الجنود فلم توفر لهم واسطة نقل أصلا.. فكيف إذن يسرقون ‍!؟

نشوب الحرب

كان واضحا أن حجم التحالف الدولي ضد العراق والقدرات القتالية التي ظهرت أمامنا لا يوازيها ما نملك من قوة وأسلحة، أما الحافز المعنوي فقد كان في أدنى مستوياته، لأن المسألة لم تكن تكمن في الدفاع عن مصلحة الشعب والوطن وإنما لإرضاء نزوة حاكم منفرد مستبد.
كان القادة والآمرون والجنود يتساءلون .. هل ستنشب الحرب فعلاً؟ وهل بمقدورنا الانتصار على هذه القوات المحتشدة أمامنا ؟ ومع ذلك كان علينا أن نستعد لها ونهيئ مستلزمات الحرب من إستحكامات وإستعداد قتالي لنحافظ على أرواح الرجال الذين تحملنا شرف قيادتهم في ظروف قاسية مليئة باليأس، ولقد بذل القادة والآمرون والضبـــــاط والجنود كل ما في وسعهم من جهد وتضحية من أجل الخروج من الـحرب المفروضة عليهم بأقل التضحيات.
كنا نراقب الجهود السياسية الكبيرة التي كانت تبذلها مختلف الجهات الدولية من حكومات ومنظمات وشخصيات للحيلولة دون وقوع الكارثة وكنا نتمنى النجاح لتلك الجهود إلا أنها ضاعت هباءً وأصبحنا والحرب قاب قوسين، فقد غاب صوت المنطق وحلت محله قعقعة السلاح.

الهجوم الجوي

بعد انتهاء مدة الإنذار التي منحها مجلس الأمن الدولي للعراق بالانسحاب من الكويت، شرعت قوات التحالف بالهجوم الجوي ليلة 16/17 كانون الثاني 1991، وكانت ستراتيجيتهم مبنية على إلحاق أكبر الخسائر بقواتنا الجوية والبحرية والبرية بواسطة سلاحهم الجوي والصواريخ والمدافع البحرية الثقيلة في صفحة تمهيدية تؤمن تجريد تشكيلاتنا البرية الأمامية وفي العمق بالشكل الذي يؤدي إلى فقدانها القدرة على القتال والصمود في مواقعها.
لذا كانت عمليات القصف متواصلة بكثافة ليلاً ونهاراً ومدعمة بحرب نفسية مؤثرة، ولم تكن الخسائر التي لحقت بنا ونحن في مواقعنا تشغلنا عن الدمار الذي يتعرض له وطننا ولم تغب عن أعيننا صورة منشآتنا ومؤسساتنا داخل الوطن وهي تدمر، فكـل ما بنيناه في سنين من أجل حاضر ومستقبل الأجيال العراقية يضيع الآن في لحظة غضب غير مشروع.
ومن الطبيعي، لم نكن نعلم إلى أي مدى ستستمر عمليات القصف الجوي، كما لم نكن نعرف متى سيبدأ الهجوم البري وكنا نأمل في التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار والانسحاب من الكويت من دون الدخول في معارك برية ضارية لا أمل في الفوز بها.
وقد ازداد الأمل في التوصل إلى اتفاق سياسي يوقف نشوب الحرب البرية على أثر المبادرة السوفيتية في منتصف شباط "91" وكنا نتوقع أن تستفيد القيادة العراقية من هذه الفرصة وتتحرك بسرعة لاستثمارها قبل أن يقرر الحلفاء شن هجومهم البري. في تلك الأيام القاسية وبينما كان يحدونا أمل بإنهاء المأساة، وصلت رسالة من صدام حسين معنونة بالإسم إلى كل البعثيين في القوات المسلحة ممن هم بدرجة عضو فما فوق، تحدث فيها في مقدمة طويلة عن التاريخ العربي والإسلامي والتجارب الماضية مؤكدا على الصمود والمعنويات كما تضمنت، الرسالة العبارة التالية... (أشار عليّ معاون رئيس أركان الجيش للعمليات الفريق سلطان، بان خسائرنا حتى الآن لا تعادل خسائر معركة فيلق في معارك القادسية). وفي ذلك إشارة واضحة إلى عدم وجود ما يدعوه إلى التنازل أو قبول شروط التحالف بالانسحاب، لأن الخسائر لا تزال قليلة ولا يوجد ما يحول دون استمرار القوات المسلحة في تنفيذ واجباتها الدفاعية أو التعرضية مستنداً بذلك على مشورة فنية عسكرية من شخص مسؤول وهو معاون العمليات وقد عرّفه بوضوح من حيث رتبته واسمه ومنصبه حتى يحمّله مسؤولية الاستشارة في أقل تقدير وحينها تأكد لنا وللذين استلموا الرسالة بأن الحرب البرية واقعة لا محالة وعلينا مواجهة قدرنا هذه المرة أيضا.!
القصف الجوي يتواصل .. الطائرات تملأ السماء بأزيزها.. القنابل تتساقط مثل زخات المطر على مواقعنا .. صواريخ الكروز توجه بعناية إلى الأهداف المختارة .. البارجتان الحربيتان "ميسوري" و "ويسكونين"  تقصفان مواضعنا الدفاعية على السواحل الكويتية بمدافع بحرية ضخمة عيار (406) ملم، فيدوي صوت انفجارها في كل أنحاء الكويت .. المعنويات في أسوأ أحوالها .. مغادرة الجنود لمواقعهم القتالية متواصلة منذ بداية القصف الجوي وقد وصلت نسبة المتسربين إلى (60%) .. جثث الشهداء مرمية على الأرض في كل مكان .. جرحى مهملون .. الجميع يستمع بتلهف إلى الراديو بحثا عن خبر في هذه المحطة أو تلك .. ظلام دامس يخيم وبرد صحراوي قارس .. الدخان الأسود الناجم عن تدمير آبار النفط الكويتية يحيل النهار إلى ليل والحرائق تعلو في السماء ليمتزج الدخان بالمطر والضباب والهواء وتظهر آثاره بوضوح على وجوه المقاتلين.
الضباط والمراتب يتذمرون ويكيلون الشتائم والسباب إلى النظام السياسي الذي دفع بالقوات المسلحة العراقية إلى هذه الكارثة تارة همساً وتارة بصوت مرتفع.. كان كل اثنين من الضباط يتبادلان الأحاديث المليئة بالألم والحسرة على وطنهم الذي دمرته عصابة مجرمة تربعت على كرسي الحكم فيه من خلال عملية سطو في وضح النهار !
انفلتت الألسن بعد أن انزاح حجاب الخوف عن مكامن الكلمات، وفقد النظام هيبته ولم يعد هناك من يدعو الله لحفظه سواء في شكل صورة أو إطلاق شعار!

مروان والضفدعة المتشظية !

بينما كنت منشغلاً بمتابعة تطورات الوضع العسكري وحركة تشكيلات الفرقة وصنوفها، أخبرني أحد الضباط من أن معلومات كان قد سمعها، تشير إلى ظهور بوادر التعب والهستيريا على صديقي (مروان) وهو بنفس رتبتي العسكرية ويشغل منصب آمر تشكيل في قاطع الفيلق الرابع واعتكافه في ملجئه الخاص ونقده اللاذع للقيادتين العسكرية والسياسية وسخريته من النظام بشكل علني، وأضاف قائلاً ( هذه الأمور خطرة جدا، إذ أن في مقرات الفرق والتشكيلات توجد عناصر من المخابرات والأمن علاوة على العناصر السرية والعلنية للأمن العسكري وأخشى أن تصل هذه المعلومات مسامع أي منهم فتكون عواقبها وخيمة عليه). لم أجد أمامي سوى تأمين اتصال تلفوني (بمروان) عبر شبكة بدالة الفيلق، وبعد سلسلة من المحاولات قام نائب ضابط "علي" عامل البدالة الذي أعرفه منذ أن كان جنديا مخابرا في بدالة لواء المشاة الآلي / 24 في بداية الحرب مع إيران بتأمين مكالمة سريعة مع (مروان)..

قلت: ما بك .. يا أبا الحكم ؟ هل أنت زعلان من طائرات "البي "52"  و"أي"10"؟ قال : أنا لست زعلاناً من (الحدايد)، أنت تعرفني جيدا، ولكن هل تذكر قصة البقرة والضفدعة التي قرأناها في مرحلة الدراسة الإبتدائية ؟ عندها أيقنت أن لدى صاحبي أحاديث مشوقة وخطرة في الوقت نفسه ولابد لي من زيارته سريعا. قلت : "سأزورك هذه الليلة، صف لي المكان والطريق المؤدي إليك وأقرب نقطة دالة".
وصلت إلى مقره الساعة السابعة مساءً .. وأدخلني فورا إلى غرفته الصغيرة تحت الأرض، قلت مازحاً: هذه الغرفة لا تليق بآمر تشكيل! لا تلفزيون، لا فيديو ولا أثاث ! قال، "هل نظرت إلى شكلي أولا ؟ لم أغسل وجهي منذ ثلاثة أيام متتالية، قلت، "ولماذا هذا الكسل ؟ الدنيا لا تزال بخير! قاطعني قائلاً : "لن نرى الخير أبدا" كان دخولنا الكويت جريمة لا تغتفر، مثلنا كمثل الضفدعة التي نفخت نفسها لتصبح بحجم البقرة فانفجرت !
قلت له ضاحكاً، هذا يعني أننا الآن ضفدعة متشظية ! قال، نعم، نحن كذلك، وإلا كيف نقبل بحاكم مجنون! لا أمل في النجاح .. لا أمل في الحياة.. والموت قادم لا محالة. كان الجو غائماً والقنابل تتساقط بكثافة من طائــرات الحلفاء. قلت له بشيء من التأفف مازحاً: هيئ لواءك لتحتل به المطلاع وعند ذلك نعلن العصيان في الكويت ! ضحك قائلاً: أي لواء تتحدث عنه ؟ الموجودون في الموضع الآن لا يزيدون عن مئة شخص فقط من الضباط والجنود .. لقد هرب الآخرون من شدة القصف وضعف المعنويات ! تساءلت: إلى أين هربوا ؟ قال: إلى أهلهم!
وعندما هممت بالخروج والعودة إلى مقر الفرقة، قلت له: عزيزي أبا الحكم، كلامك صحيح، وتوجساتك في محلها وكلنا ننظر إلى المستقبل بتفاؤل وحكمة حتى نجتاز هذا النفق المظلم، حاول أن تدير شؤونك بما يتلاءم وملامح التغيير المقبل. قال: هذه المرة لا خوف علينا، نموت في هذه الحرب أو يسقط صدام!
غير أن صدام لم يسقط حتى الآن ولم نمت في تلك الحرب، ولكن أين مروان ؟!

الخيـار الوحيد

في هذه الأثناء، حيث الجو العاصف الذي يملأ الصحراء بأزيز الطائرات وأصوات الانفجارات وحين يخيم الرعب وينتشر الدخان .. تأتينا التوجيهات والأوامر قائلةً: (عليكم بالحذر من ألاعيب المخابرات الأجنبية وخدعهم الإعلامية)، ربما يبثون فيلما لصدام "صورة وصوت" يأمر الجيش بالانسحاب وطلبوا منا أن لا نصدق ولا ننفذ ! ومع كل هذا، استلم الجميع خبر الانسحاب دون أي إحساس بالمفاجأة، وعندما تلقيت مكالمة هاتفية في الملجأ الخاص بي الساعة الثانية من ليلة 25/26 شباط، كنت أتوقع أن هناك شيئا ما سيحدث، حين قال لي قائد الفرقة العميد الركن، رعد عبد الرحيم العاني، أرجو أن تحضـر إلى مقري، علينا أن نتحدث في أمر هام وصلني توا. كنت أتوقع قرار الانسحاب الخطير الذي أصبح خيارنا الوحيد وكان مقره يبعد عن مقري أربعة كيلو مترات ويربطنا طريق غير معبد تتخلله حفر وبرك مائية، وكان الظلامُ دامساً، قلت له : هل من أمور تمهيدية اجريها قبل اللقاء؟ قال: نعم، سننسحب من الكويت!

هذه العبارة كافية لبيان ما مطلوب عمله، وعلى الفور حددت الساعة الرابعة صباحاً، موعداً لعقد مؤتمر يحضره مدير الإدارة وضباط الأركان العامة وآمرو الصنوف وضابط ركن من مقر كل تشكيل وقد أخبرت ضابط الركن الثالث حركات (المقدم الركن صعب فيحان الدليمي) بوقت ومكان المؤتمر والغاية منه، اتصلت بآمري التشكيلات ( اللواء المدرع / 30 واللواء المدرع / 16 ولواء المشاة الآلي/ 25) لإرسال ممثليهم من ضباط الركن لحضور المؤتمر الذي سيعقد في مقري، لكنني لم أُشر إلى أمر الانسحاب مراعاة للعامل الأمني. اعتذر العقيد الركن جليل خلف آمر اللواء المدرع / 16 وكذلك العقيد الركن عبد الكريم أحمد القيسي آمر اللواء المدرع / 30 عن إرسال ضابط الركن بسبب صعوبة الموقف حيث كان القصف الجوي على أشده، إضافة إلى رداءة الأحوال الجوية وبعد التشكيلين عن مقر الفرقة. قلت لهما : "أنا أقدر صعوبة موقفكما جيداً ولكن هناك تفاصيل مهمة يجب أن تعرفاها، وأضفت قائلاً بلهجة مغايرة: "إن شاء الله هذه آخر مرة" ففهما قصدي، عندها قال لي العقيد الركن جليل إن هناك أخبارا في الإذاعات العالمية تتحدث عن قرار عراقي بالانسحاب من الكويت، فقلت له، "إذن أرسل لنا ضابط الركن بسرعة" فضحك وانتهت المكالمة.
ركبت سيارتي اللاندكروز التي يقودها نائب الضابط الآلي سعيد الجحيشي ويرافقني جندي الحماية محمود المجمّعي وانطلقت باتجاه قاعدة (علي السالم الجوية) حيث مقر قائد الفرقة. دخلت عليه وكان مبتسماً وبادرني قائلاً، "عقيد ركن نجيب، لقد صدر لنا أمر الانسحاب إلى البصرة والمطلوب تنفيذه مساء غد وفي هذه الليلة ينسحب الفيلق الثالث".
وضعنا خطة للانسحاب وأمام أعيننا أهم مبدأ في صفحة الانسحاب وهو القيادة والسيطرة. اتصلت بضابط الحركات في الفيلق العميد الركن طه العجيلي، وسألته، أين سيكون مكاننا في البصرة؟ قال، المهم أن نصل إلى البصرة (والله يدبرها)• قلت، هذا غير كاف، ستكون هناك فوضى ما لم تحدد المسؤوليات والأماكن الآن. قال، انتظر، وبعد عشر دقائق اتصل بنا قائلا، سيكون قاطع الفرقة المدرعة السادسة غرب جبل سنام.
كان انسحابنا باتجاه الحدود العراقية عبر طريق الرميلة ومن هناك نندفع جنوبا لنتخذ موقعا دفاعيا غرب جبل "سنام" القريب من الحدود العراقية الكويتية.
باشر قائد الفرقة بإبلاغ آمري التشكيلات تلفونيا وبكلمات مختصرة عن الانسحاب على أن أتولى إعطاء التفاصيل الكاملة إلى الجميع خلال اللقاء المقرر عقده الساعة الرابعة صباحاً بعد عودتي إلى مقري، كانت الأفكار تتزاحم في رأسي، القصف الجوي مستمر وشديد، الفرقة ستخرج من مواضعها غدا وربما سنتكبد خسائر جسيمة وسنكون بالعراء تحت رحمة طيران التحالف، كنت أخشى وقوع التضحيات البشرية التي لم تكن قد جاوزت حتى تلك اللحظة الـ"5%" وأن وصلت نسبة المتسربين الذين تركوا الموضع الدفاعي والمنطقة الإدارية إلى 60% !
كنا في البداية نخشى إبلاغ مقر الفيلق بالنسب العالية من المتسربين قبل أن ننسق مع بقية الفرق العاملة في الفيلق لنجعل النسب متقاربة لكي لا يكون هناك كبش فداء من بين القادة والآمرين!
لقد أتيحت فرص عديدة للنظام العراقي كي ينسحب ويحتفظ بماء وجهه قبل شروع دول التحالف بالهجوم الجوي وقبل الشروع بالهجوم البري لكنه لم يفعل ذلك، ونتيجة لإضاعته تلك الفرص سننسحب ونحن في تماس مع قوات تمتلك قابلية حركة عالية ومسندة بقوة جوية فعالة.
وقد علم كل من السائق نائب ضابط سعيد وجندي الحماية محمود بالانسحاب دون أن أخبرهما به، حيث أمضيا قرابة الساعة مع حماية قائد الفرقة ومن المؤكد أنهما فرحا بهذا القرار وبدأت تجول في خاطريهما أُمور كالتي جالت في خاطري، لذلك لم أفاجأ عندما علمت وبعد مسيرة 15 دقيقة بأننا فقدنا الاتجاه الصحيح الذي يؤدي إلى مقري!
ليل ذو ظلام معتم ... مزيج من قطرات المطر والهواء البارد الرطب الممزوج بالدخان الأسود المنبعث من آبار النفط التي اشتعلت فيها النيران.. أصوات انفجارات القنابل الثقيلة المنطلقة من البوارج الحربية.. طائرات لا يهدأ أزيزها، وفي مقري من ينتظر على أحر من الجمر لاستلام أمر الانسحاب ، ومع ذلك لم أستطع استخدام ضياء العجلة الأمامي للتعرف على الطريق. الساعة الآن الرابعة صباحا وقد حان وقت المؤتمر مع مدير الإدارة وضباط الركن وآمري الصنوف .. شعرت أن العجلة تسير وسط قطعات ومواضع لم تكن معروفة لي، جازفت بفتح الضياء، تصاعدت أصوات الإستنكار من كل الإتجاهات "اطفئ.. اطفئ اللايت" ولكني عرفت الطريق الذي يوصلني إلى حيث أريد.
وصلت الساعة الرابعة والنصف صباحا.. نهض الجميع عندما دخلت إلى المكان ليهنئوني بالسلامة، فشكرتهم مبديا أسفي للتأخير وطلبت شايا ساخنا وقلت لهم، "إن شاء الله الأُمور الصعبة انتهت ونحمده على سلامة الجميع، لم يبق أمامنا غير الانسحاب مساء هذا اليوم".
بدأت أحدثهم بالتفصيل عن التوقيت، القيادة والسيطرة، الطرق، المعنويات، الأُمور الإدارية، الإنقاذ والإخلاء وتدابير الحماية في التنقل، وطلبت منهم وبصيغة الأمر العسكري الحازم تدمير كافة الأسلحة والمعدات وعجلات القتال المدرعة والمدفعية والآليات والأجهزة والعتاد التي لا يستطيعون إيصالها إلى البصرة (حتى لا يقال بأن العراقيين تركوا أسلحتهم ومعداتهم في الكويت وهي صالحة للاستعمال) . كان الجميع فرحين وهم يخرجون من الاجتماع وحسب تسلسل قدمهم العسكري وهم يرددون مع بعضهم.. (لعد.. صدام يكَول ما أنسحب.. ليش ما انسحب من الأول..!؟).
تأملت الموقف جيدا، كان حشد من الأسئلة يدور في ذهني .. كيف سنسحب هذه الأسلحة والآليات العاطلة؟ لم تبق لدينا عجلات صالحة؟ للعمل، مئات الأطنان من الأعتدة تحت الأرض، الدبابات والناقلات المختلفة حتى الصالحة منها، ليست بالكفاءة الفنية التي تؤمن سيرها لمسافة 200كم دون وقفات طويلة للتزود بالوقود، وكيف نعالج طائرات التحالف هذه المرة ؟ المدفعية الثقيلة بحاجة إلى عجلات لسحبها، والمدفعية ذاتية الحركة بحاجة إلى ساحبات لحملها، لكن ما العمل وما هو الخيار !
في غمرة هذا الواقع وملابساته، هل يمكننا توقع حجم الإهانة التي تعرض لها الشرف العسكري العراقي ؟ رغم أننا لم نكن نعلم "بحجم القيود التي ستكبل حريتنا كدولة وشعب" بعد الهزيمة العسكرية المرة وكنا نتساءل أيضا، كيف سيبررها صدام هذه المرة ؟ ماذا سيقول للشعب؟ كيف سيواجه العالم .. ؟
كان الجنود في هذا الوقت! يتحدثون مع بعضهم حول التسريح من الخدمة العسكرية. *

بعيدا ... عن طريق الموت

مع الضياء الأول ليوم 26 شباط 91 ، أصبح كافة منتسبي الفرقة المدرعة السادسة ضباطاً ومراتب على علم بالموقف الجديد وهو الانسحاب إلى الأراضي العراقية. كان طريق الانسحاب موازيا للطريق العام (الجهراء.. العبدلي .. صفوان)، ويبعد عنه مسافة 20كم، وهو عبارة عن طريق ترابي نفذه الجهد الهندسي العراقي بعد دخول الكويت، ويبلغ طوله "100"كم تقريبا يمر بعقد وانحناءات ويعبر قناطر وقنوات بالقرب من منطقة الرميلة وكان أكثر أمناً من الطريق العام "طريق المطلاع"، الذي أطلق عليه لاحقا إسم "طريق الموت"• نتيجة ازدحام السابلة العسكرية التي أصبحت هدفاً دسماً لطيران التحالف.

على الرغم من الأوامر والتوجيهات الواضحة والمواعيد المحددة وضرورة الإلتزام بها، كانت هناك رغبة جامحة لدى الجميع للإسراع بترك المواضع وتنفيذ الانسحاب فورا، ففي العاشرة صباحا، سألت عن ضباط في الصنوف والخدمات الإدارية وبعض العاملين في مقر الفرقة فلم أجدهم.. انسحبوا من دون إذن! بينما كان المفروض أن يبقوا حتى الساعة الخامسة عصراً في الأقل، ولكن شعوراً بالخوف من الحاضر ومن المستقبل المجهول، انتابهم، ربما من القصف الجوي، أو من الإنزال المعادي المحتمل على المقرات الميدانية أو حتى من انقطاع الطرق أو غير ذلك من أمور جعلهم يتصرفون بهذه الصورة، فنحن لم ننسحب بموجب اتفاق لوقف إطلاق النار، بل كان انسحابنا من جانب واحد وبضغط من قوات التحالف المتفوقة وإشاعات مربكة كثيرة!
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

mi-17

مشرف
مشرف

avatar








مُساهمةموضوع: رد: مذكرات العميد الركن نجيب الصالحي ......ما حدث في العراق بعد الانسحاب من الكويت .. وخفايا الأيام الدامية    الإثنين يونيو 20 2016, 13:14

الحلقه 3 

كانت توقيتات انسحاب التشكيلات كالآتي: اللواء المدرع / 16 في الساعة الخامسة عصراً، اللواء المدرع / 30 في الساعة السابعة مساءً، لواء المشاة الآلي/25 في الساعة الثامنة مساءً، وتنسحب الصنوف الساندة مع تشكيلاتها، أما المواد غير الضرورية للقتال فيباشر بإخلائها فوراً.

واللافت للنظر أن كثيراً من الوحدات العسكرية لم تستخدم العجلات القليلة المخصصة لنقلها بل ذهبت سيراً على الأقدام رغم أن المسافة إلى خط الحدود لا تقل عن 80كم، كانوا ينشدون الأمان لأن العجلات أصبحت أهدافاً سهلة للطائرات المغيرة وقد أصدرت أمرا بأن لا يتركوا شهيدا أو جريحا في أرض المعركة وكررت هذه العبارة مرات عديدة في المؤتمر. (في الحرب مع إيران، كنا نقدم شهداء وجرحى إضافيين من أجل إنقاذ جريح أو إخلاء شهيد من أرض المعركة ولكن هذا الاهتمام المعنوي بدأ يتلاشى تدريجيا، ففي البداية كنا نحزن لاستشهاد مقاتل عدة أيام وفي أحيان كثيرة كان رفاقه يمتنعون عن تناول الطعام وكان ذلك يتطلب تدخلنا لرفع معنوياتهم وإعادتهم إلى وضعهم الطبيعي وواجباتهم الإعتيادية، وبعد سبع سنوات من سير تلك الحرب، شاهدت في معركة "الحصاد الأكبر" عام 1987 جنوداً يتناولون طعامهم على بعد متر واحد من شهيد لم يجف دمه النازف بعد)، وفي الكويت، إختلفت الأُمور على نحو أسوأ حيث لم يعد هناك أي دافع للتضحية، فلقد تلاشت هذه القيم مع تلاشي قيمة الإنسان العراقي عموما بنظر حكومته. فالجندي صار يترك الموضع وينسحب باتجاه الحدود دون رادع ولم يعد يهتم بالقيم العسكرية بخلاف آمر السرية وآمر الوحدة واللواء وضابط الركن الذي لا يملك غير البقاء في موضعه منتظراً الأمر الرسمي بالانسحاب أو الموت وهذا ما تقتضيه التقاليد العسكرية، حيث أن الضابط لا يمكنه أن يتصرف حيال الأحداث مثلما يتصرف الجندي البسيط.
كان الوضع النفسي العام يوحي بالانهيار وربما يهدد بفقدان السيطرة لأن الجميع متهيئون للانسحاب. في ذلـك الحين، قمت باتصالات هاتفية مع الفيلق مستفسراً عن ضباط الركن عسى أن أحصل على معلومات إضافية عن الموقف فلم أجد أحداً رغم أن الساعة لم تجـاوز العاشرة صباحا. المعلومات غير الرسمية  تشير إلى إكمال الفيلق الثالث انسحابه وكذلك قيادة عمليات الخليج في مدينة الكويت. قلت في نفسي، إن مبررات بقائنا حتى الثامنة مساء قـــد انتفت ولاسيما أن الفرق الأمامية وهي مشاة (20 و 30 و 16 و 21 ) كانت قد أخلت مواقعها ليلا وذهب جنودها سيراً على الأقدام باتجاه الحدود وكانت أعدادهم قليلة نسبياً، فهذه الفرق ناقصة الملاك أصلا، علاوة على أعداد المتسربين والهاربين الذين لا تقل نسبتهم عن 60%، وقد وقع آلاف منهم في الأسر يومي 24 و 25 شباط ، وأما الباقون فكانوا لا يزيدون على بضع مئات، انسحبوا ليلا ضمن مجموعات تضم عناصر من مختلف الفيالق والصنوف وانتشروا في الصحراء، على الطرق المؤدية إلى العراق.
من المسؤول عن هذا الإنهيار؟ هل هو الجندي في الموضع الأمامي أم القائد العسكري الميداني، أم السياسي الذي منح نفسه رتبه عسكرية وزج بالجيش في معركة كانت خاسرة في الأساس ؟ وما الذي يجب أن يترتب عليه من جراء ذلك كله؟

التوقيت الحرج !

في خضم هذه الأوضاع وتطوراتها السريعة كان لا بد أن أتحدث مجدداً مع قائد الفرقة حول توقيتات الانسحاب خشية قيام قوات الحلفاء بتعقب قطعاتنا وتكبيدها خسائر جسيمة. وفي ضوء ما حصلنا عليه من معلومات، قال لي: "كلامك صحيح، ولكن المراجع العليا طلبت عدم إخلاء الموضع قبل الساعة الثامنة مساءً، والتوقيت مهم في الانسحاب. قلت، صحيح ولكن توقيت المراجع بني على أساس بقاء الفيلق الثالث وقطعات أخرى حتى الساعة السابعة مساءً من هذا اليوم الأمر الذي لم يحدث. كل المواضع أصبحت خالية حتى مدينة الكويت نفسها عدا الفيلق الثاني في الروضتين والعبدلي، وإذا كان لا بد من أن نلتزم بالتوقيت النهائي علينا أن نسرع في سحب التشكيلات الأمامية مع الاحتفاظ بلواء المشاة الآلي / 25 حتى اللحظة الأخيرة، فوافق على ذلك من حيث المبدأ وأجرى تعديلا على توقيتات الانسحاب".
طلبت من العقيد الركن "جليل خلف" آمر اللواء المدرع / 16 الشروع بالانسحاب في الساعة الثانية بعد الظهر مع التأكيد على استخدام أسلوب التسرب (تقسيم اللواء إلى سرايا فتنسحب بالتعاقب، ونحدد فاصلة زمنية مناسبة بين حركة سرية وأخرى) إذ كان وضع اللواء صعبا، فالكفاءة الفنية للدبابات متدنية وهي من الموديلات القديمة تي "55 صينية"، رومانية، روسية، بولونية، وعند المباشرة بالانسحاب تعرضت كتيبتا، "المهلب وحذيفة" لغارات جوية عنيفة ما أدى إلى استشهاد وفقدان وجرح عدد من الضباط والجنود.
واصل أفراد مقر اللواء وكتيبة دبابات الرافدين والفوج الرابع الآلي انسحابهم السريع دون توقف، وفي الساعة الرابعة عصراً تعرض مقر الفرقة لغارة جوية جرح فيها ثلاثة جنود. ففي الأيام التي سبقت الانسحاب، كان المقر هادئا ولكن الحركة تزايدت فيه يوم الانسحاب، إجتماعات وحركة واسعة للضباط والعجلات، كما مرت وحدات اللواء المدرع / 16 بالقرب منه مما شجعت القوة الجوية لدول التحالف لإعادة النظر في موقفها من المقر. ‍
في الساعة الخامسة مساءً شرع اللواء المدرع / 30 بالانسحاب وكنا خلال النهار نتساءل "قائد الفرقة وأنا وهيئة الركن، عن القوات البرية للحلفاء والطرق الممكن أن تسلكها باتجاهنا وتوصلنا إلى أنها بلا فاعلية حيث أنها متوقفة في أماكنها في مواضع الفرق الأمامية حسب المعلومات المتيسرة لدينا. تجدر الإشارة هنا إلى أن الجنرال "شوارتزكوف"،قائد جيوش التحالف، توقف عند هذه النقطة، وفي مذكراته انتقد قائد القوات المصرية المهاجمة لقاطعنا واصفا إياه بأنه كلاسيكي وأنه يخشى كثيراً هجوماً عراقياً متوقعاً!
في الساعة الخامسة والنصف مساءً وبينما كنت أتابع انسحاب وحدات اللواء المدرع / 30 الذي يضم كتائب دبابات المثنى، طارق، شرحبيل، الفوج الخامس الآلي، دخل إلى مقري قائد الفرقة فقلت له، إن نصف اللواء المدرع /30، قد ترك مواضعه منسحباً بسلام وقد سبقه اللواء المدرع / 16 وانسحبت الصنوف الأُخرى والخدمات والقسم الأكبر من هيئة الركن في مقر الفرقة في وقت مبكر وحسب التوجيهات، وبعد استراحة قصيرة قلت له: سيدي.. تقاليد الانسحاب تقول: القائد مع القسم الأكبر.. وها هو القسم الأكبر من الفرقة قد انسحب وسأشرف بنفسي على إتمام عملية انسحاب الباقين، قال: طيب، أشكرك وصافحني مودعا، وقبل خروجه ذكرني بضرورة عدم سحب اللواء الآلي "25" قبل التوقيت المحدد، قائلاً : "إن الأوامر تنص على ذلك"، ويبدو أنه أحس برغبتي بسحب اللواء مبكراً. وفي الساعة الخامسة وخمس وأربعين دقيقة، دخل مقري "العقيد الركن عبد الكريم أحمد"، مسرعاً وفور نزوله من العجلة صاح (بصوت عال) متسائلاً، أين رئيس الأركان؟ وأضاف قائلاً : (كتيبة دبابات شرحبيل أصبحت في خط التماس مع قوات الحلفاء  ودروعهم تتقدم باتجاه مقر الفرقة،).. وركب عجلته ملتحقا بتشكيله مسرعاً.

قذائف .. تتساقط

في هذه الأثناء، بدأت قذائف مدفعية ثقيلة تتساقط على مقر الفرقة بمعدل اثنتين إلى ثلاث قنابل في الدقيقة الواحدة، وهذا مؤشر على بدء التقدم الفعلي نحو مقرنا. اتصلت فوراً بآمر لواء المشاة الآلي / 25 لأبلغه المباشرة بالانسحاب فوراً، ولكن الجندي المخابر في بدالة اللواء أخبرني بأن آمر اللواء قد رفع سلك التلفون ويبعد عنه مسيرة 15 دقيقة فأمرته بالذهاب فورا. سألت "المقدم ركن حمد الخفاجي" ضابط الركن الثالث استخبارات الفرقة، عن موقف مقر الفرقة وجاهزيته للحركة، وبعد خمس دقائق أخبرني بأن كل شيء جاهز، فقلت له : اسحبهم واترك لي الجندي المخابر "عامل البدالة" وضباط الإرتباط، وحينما اتصل بي "العقيد الركن محمد علي الجميلي "آمر لواء المشاة الآلي /25"، اعتذر عن رفع سلك التليفون في وقت مبكر، وسألته إن كان جاهزاً للانسحاب... قال ضاحكاً: كيف لا ، أنا جاهز للانسحاب منذ البارحة!! قلت له: إن قوات الحلفاء في تماس مع الوحدات الأخيرة للواء الثلاثين، انسحب فورا وتحاشَ التماس معهم.. نسّق استخدام الطريق مع "عقيد ركن عبد الكريم" لأن السابلة مزدحمة.

عين على الحدود

هل يمكنني أن أتساءل، بأننا قد أشرفنا على النهاية؟ حيث كل شيء أمسى جاهزاً للرحيل عن الكويت الآن! التشكيلات الرئيسة في حالة انسحاب وكذلك الصنوف والخدمات وهيئة الركن. لم يبق في مقر الفرقة سوى "أربعة ضباط" ارتباط يقودهم النقيب " فؤاد محمد أمين" وجندي مخابر ونائب ضابط "هادي" سائق عجلة اللاندكروز "وصادق" الجندي الانضباط والمراسل "حسن" وأنا. قلت للنقيب فؤاد مازحاً: من بقي في الموضع فهو "صامد" حتى النهاية! فتلفت يميناً وشمالاً وابتسم قائلاً: لم يبق أحد سيدي، وإنما نحن فقط‍‍! قلت: خذ جماعتك وانسحب وانتظرني قرب جبل سنام. انطلق فؤاد فرحاً ولكنه سرعان ما عاد ليخبرني بأن عجلة ضباط الارتباط عاطلة، فأومأت إلى نائب ضابط هادي طالبا منه أن يسحبها إذ لا بد من تشغيلها بسرعة، وعاد فؤاد مسرعا وهو يردد: العجلة‍ اشتغلت سيدي ‍!
كان القصف يشتد على مقر الفرقة بنيران المدفعية ويزداد كلما تقدم الوقت، حينها حملتنا العجلة اللاندكروز مشرعين بالسير في أعقاب قطعاتنا المنسحبة باتجاه منطقة الرميلة العراقية وقد بذلت أقصى ما يمكن من جهد للسيطرة على الانسحاب، وعلى انفعالات الضباط والجنود وكان أملي أن نصل أرضنا وندخل حدودنا الإقليمية دون تضحيات إضافية، وفي الوقت الذي كنت أرغب فيه مشاهدة قوات التحالف التي سمعنا وقرأنا عنها الكثير خلال الأشهر الماضية، كنت أحذر من التماس معها بعد أن بدأنا بالانسحاب والعودة إلى حدودنا.

بانوراما الكارثة

كانت صور التذمر والسخط والنقمة تشمل كل الأفراد والجنود بملابسهم الرثة وأحذيتهم المتهرئة وهم يجرون أقداما تحمل أجساما منهكة وفي عيونهم حزن عميق وأمل ضائع ونفوسهم تتطلع إلى إنهاء المأساة والقضاء على عناصرها المسببة وإنقاذ شعبنا مما ينتظره من نتائج مدمرة. كانوا يشقون طريقهم وهم يترنحون من الإعياء والتعب وصور الموت تلاحقهم، فطائرات التحالف لم تكف عن القصف، فكان المنظر يزداد بؤسا باحتراق الدبابات والعجلات وكلما اقتربت الطائرات كان الجنود يتمددون على الأرض ثم ينهضون ويستأنفون سيرهم ببطء باتجاه الحدود، العديد من الضباط تركوا عجلاتهم لكي يتجنبوا القصف، لكننا بقينا في عجلتنا "اللاندكروز"، نقطع الطريق التي تعرضت للقصف الشديد الذي أحدث فيها أخاديد عميقة، وفي وسط حشود جنودنا المتدفقة كنا نشق الطريق بصعوبة بالغة وكانت نظرات مثقلة بالعتاب تواجهنا وهي ترسم تعابير غير مألوفة وتساؤلات مكبوتة عن هذا الدمار وعن المسؤول عن كل ذلك !
( في الحرب العراقية – الإيرانية، خسرنا معارك مهمة واضطررنا إلى الانسحاب مراراً ولكن لم يبلغ الإحساس بمرارة المأساة الحد الذي نعيشه اليوم، إنها الكارثة بعينها. فلقد خسرنا كل شيء.)
كان الكثير من الضباط والجنود يقطعون الطريق مشيا على الأقدام، وبقدر ما كان الأمر مأساويا، كان ينبئ بمرحلة قادمة تعقب مرحلة الانكسار، حبلى بأحداث مريرة، وفي هذا المنعطف اختفت الرتب وتساوى أفراد الجيش وتوحدت مشاعرهم وأحاسيسهم في مسيرة المعاناة الطويلة. كانت الساعة تشير إلى العاشرة مساءً وقد وصلنا جبل "سنام" حيث كان يفترض أن ألتقي ضباط مقر الفرقة وقطعاتها وكان القصف شديدا وطائرات الحلفاء تلقي حمولتها بكثافة وعلمت أن السبب في ذلك هو نصب رادار على قمة جبل سنام.
قررنا أن نذهب إلى الزبير لقضاء الليلة هناك ثم نستأنف البحث في الصباح. كانت المدينة تغص بمئات الدبابات والناقلات والعجلات وهي تقف ملاصقة لجدران البيوت إحتماء بها. هكذا كان حال الجيش الذي قاده نظامه السياسي إلى مثل هذا الموقف الذي لا يحسد عليه.
بقيت أتجول في مدينة الزبير ساعة كاملة، توقفت عند العديد من الدبابات وعجلات القتال المدرعة، كان كثير منها يعود للفرقة المدرعة السادسة والفرقة الآلية الأولى وفرق أخرى وقد ترك الضباط والجنود عجلاتهم وأسلحتهم الثقيلة دون حراسة خلافاً للعرف العسكري ولجؤوا إلى البيوت حيث نزع كثير منهم بزاتهم العسكرية وأخذوا يبحثون عن ملابس مدنية يلبسونها، كانوا يريدون أن يقطعوا علاقتهم بالجيش إذ لم تبق أيام المأساة والمرارة لديهم أي رغبة في الاستمرار فيه، فبدؤوا يربطون بين عودة الأوضاع إلى مجاريها وبين سقوط النظام وانتهاء حكم العصابة الجائرة.
لم أستطع تحمل تلك المشاهد المؤلمة فقررت العودة إلى ناحية صفوان وقضيت الليلة في العجلة متنقلا بين المزارع وقريبا من جبل سنام.

الحواجز تتحطم ..!

كان الجنود وهم يقاسون المعاناة يتلفظون بكلمات تعبر عما يجول في خواطرهم عن النقمة جراء ما حل بهم وكثيراً ما كانوا يدخلون في نقاش، فمنهم من كان يعبر عن سخطه متسائلاً: أين قائد الفيلق ؟ "كذا وكذا"! فيجيبه آخر معبراً عن بعض جوانب وأحوال القادة:
- "وماذا بيد قائد الفيلق ! إنه مثلك ومثلي، ليس له إلا الخضوع والتنفيذ". ولم يكن في أذهان الجنود آنذاك وهم في حالات تذمرهم وسخطهم سوى صورة صدام فقط، بل كان الجنود يتناولون أزلام النظام وأفراد العصابة التي تحكم العراق فرداً فرداً بالشتائم والألفاظ الساخرة.
(أين صدام الآن !؟ .. أين علي حسن المجيد !؟ هرب قبل يومين ! أين هرب !؟ " قالوا لنا، ضعوا الكويت في "قوطية" واقفلوا عليها، إنها بئر نفط ولا انسحاب منها ونفطها للمحرومين من أبناء شعبنا، وإذا بهم يستبيحون الكويت وينهبون ما فيها ويسرقون محتوياتها، ومثل هذه الأعمال من إستباحة ونهب وسرقة لا تقوم بها إلا عصابة مجرمة)، ويكملون (إذا ما "يطير" صدام، أهرب من العسكرية وأكعد ابيتي ! يا جيش ! يا حزب .. كافي مهزلة)
ولا اخفي أن البعض من الجنود أسمعنا كلاماً قاسياً ونحن نمر بهم وهم يطلبون منا أن نحملهم معنا في العجلة ولكني توقفت رغم ما سببوا لي من إحراج كبير أمام جنودي الذين معي في العجلة، إذ أين أضعهم في عجلة صغيرة لا مجال فيها لحمل جندي إضافي واحد !
وعندما سألت بعضهم عن تشكيلاتهم لغرض معرفة الفرق والتشكيلات الأخرى المنسحبة على ذات الطريق امتنع كثيرون منهم إعطائي الجواب !

الفوضى … تـتـسع

في الصباح، كان جبل "سنام"، يرتفع كهامة عراقي يأبى أن يستكين ويرفض سياسة الإذلال التي يتبعها صدام والحلفاء ضده ... كان هذا الجبل يعبر عن كبرياء وعزة العراقيين.!
جاء بعض الضباط يبحثون عن بقايا قطعات فرقهم ... العميد الركن "حسين عداي" قائد الفرقة الآلية الأولى، العميد الركن "أحمد الراوي" قائد الفرقة المدرعة العاشرة (أحيل على التقاعد فيما بعد)، والعقيد الركن "طاهر علي حمود" (أحيل على التقاعد)، وكذلك العميد الركن "نبيل شاهين" قائد فرقة المشاة الثانيـــة (أحيل على التقاعد)، والعميد الركن "وضاح الشاوي" قائد الفرقة المدرعة /17 (نفذ به حكم الإعدام عام 1995) لاتهامه بالتآمر !
كان جبل سنام النقطة الدالة الوحيدة في المنطقة لعموم القيادات بعدما فقدت القدرة على السيطرة والاستدلال ليلاً ولكن القطعات لم تعد راغبة في التجمع خشية أن تكلف بمغامرة جديدة وظلت بعيدة عن مواقع قياداتها مختلطة ببعضها والجميع ينتظر القرارات الأخيرة ولا أحد من الجنود والضباط يجازف بحياته مجدداً.
لقد عم الارتباك وسادت الفوضى وبقيت أنا مستمرا في البحث عمن يرشدني إلى قائد الفيلق أو رئيس أركانه وكانت هناك مقرات للفرق: العاشرة والسابعة عشرة، والثانية، والأولى وهي بدون قطعات وعلمت أنها منتشرة وبدون انتظام بين صفوان والزبير ومعسكر الدريهمية الواسع.
رأيت ضباطا يتحاورون مع بعضهم بصمت وحيرة ويتحدثون في المِأساة التي يعيشها جيشنا وشعبنا وما ينتظرنا من أيام صعبة وكان كل ضابطين من القادة أو الأعوان يقفان على جانب وقد ألجمت ألسنتهم الدهشة والحيرة ولكن كان من بينهم من تحدث بصوت عال مهاجماً النظام قائلاً: "هذه نتائج حكم عصابة تكريت للعراق"!
لم يعد لحاجز الخوف الذي كان يكتم الأنفاس أثر، لقد انهار ذلك الحاجز وانطلقت ألسنة الجميع بالنقد المر اللاذع، وبإجتياز الحدود كانت المعنويات تهبط وتنهار كلما شوهدت آثار التدمير في البصرة والمدن الأخرى والجميع يتساءلون لماذا احتل صدام الكويت ؟ لماذا لم ينسحب حينما كانت الفرصة متاحة وينقذ ماء وجه الجميع ؟ لماذا لم يتحمل المسؤولية وحده ولو لمرة واحدة في حياته! مثلما فعل غيره من القادة الذين يذكرهم التأريخ ؟ لكن صدام لا يملك أن يتصرف كأولئك ولن يتخلى عما احتله من مناصب ومواقع على أشلاء الضحايا وبالأساليب التي يعرفها الجميع.
التقيت بعد جهد بقائد الفرقة وبقية ضباط الركن ... دخل علينا المقدم الركن "قيس" وهو ضابط ركن في مقر اللواء المدرع الثلاثين وأخبرنا عن تواجد لواء المشاة الآلي / 25 في مدخل الزبير، أمـــا وحــدات اللـــواء المدرع / 16، فكانت داخل المدينة نفسها. بينما كانت وحدات اللواء المدرع / 30 في معسكر الدريهمية. كانت أعلى نسبة لتواجد المنتسبين والآليات المدرعة هي في لواء المشاة الآلي / 25 لكونه مجهزاً بعجلات القتال، "B.M.B1" وهي عجلات حديثة وسريعة وتتمتع بكفاءة فنية مما مكنها من قطع المسافة من الكويت إلى البصرة والمحافظة على تشكيلاتها. قال لي قائد الفرقة:
- عقيد ركن نجيب، علينا أن نخرج تشكيلاتنا من الزبير ومن معسكر الدريهمية ونأتي بها هنا لاتخاذ تشكيل دفاعي مناسب وهذا ما كنت أرغب فيه أنا أيضا لأن انتشار القطعات داخل المدينة سيفقدها آخر ما لديها من معنوية وشعور بالمسؤولية تجاه الوطن المهدد من الخارج.
وعلى الفور أخذت المقدم الركن قيس جانباً وطلبت منه أن يشرح لي الموقف الحقيقي للوحدات في الزبير والدريهمية وكما شاهدها فعلا.
قال لي: الوضع سيئ للغاية، الجنود يهربون خشية إعادتهم إلى الجبهة (يقصد جبل سنام)، تسيب وانفلات في الضبط .. الآمرون فقدوا السيطرة على وحداتهم تماما ونسبة الهروب أصبحت عالية جداً.
أردت استنهاض الهمم وحث الآمرين على إعادة السيطرة على قطعاتهم فلم أجد إلا أن أكتب رسالة خطية أُخاطب بها جميع آمري التشكيلات والصنوف في الفرقة وأرسلتها بيد المقدم الركن قيس قائلا فيها: (نرجو من الجميع تهيئة وحداتهم حال استلام رسالتنا هذه لتنفيذ الواجبات التي توكل إلى الفرقة وبمعنوية عالية وبما يتطلبه شرف الجندية والدفاع عن الوطن. مهمتنا الآن احتلال موضع دفاعي غرب جبل سنام وكما في المخطط المرفق بالرسالة، نرجو من كافة الآمرين الحضور إلى مقرنا حال تهيئة وحداتهم، مقرنا في مقر فرقة المشاة / 28 القديم، تؤمن الدلالة من قبل المقدم الركن "قيس"). وكان قصدي من ذكر المعنويات والإشارة إلى شرف الجندية والدفاع عن الوطن هو ضرورة تنظيم الدفاع عن حدود العراق ، وان ما تعرضنا له بسبب نظامنا السياسي وأخطائه لا يعفينا من أداء الواجب كانت استجابة الآمرين جيدة أما الجنود وبعض الضباط الحديثين فلم تكن مشجعة.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

mi-17

مشرف
مشرف

avatar








مُساهمةموضوع: رد: مذكرات العميد الركن نجيب الصالحي ......ما حدث في العراق بعد الانسحاب من الكويت .. وخفايا الأيام الدامية    الإثنين يونيو 20 2016, 13:16

الحلقه 4 

على مشارف الحدود

بدأت مقرات الفرقتين السابعة عشرة والفرقة الآلية الأولى بالانسحاب من جوار جبل سنام إلى مواقع خلفية قريبة مـــن مدينة الزبير مع آخر ضياء النهار، فيما كانت قوات التحالف تتقدم نحو خط الحدود ببطء وحذر.
في الساعة الواحدة بعد منتصف الليل أيقظني العقيد لطيف سيف السعدون وكنت لم اذق النوم منذ 48 ساعة وقال لي:
- السيد القائد أرسلني إليك .. هناك موقف طارئ.
ذهبت على الفور إلى ملجأ القائد وكان آمرو التشكيلات ومدير إدارة الفرقة على وشك إنهاء اجتماع مع القائد .. أوضحوا له عدم إمكانية تجميع التشكيلات في هذا القاطع في الليل وانهم سيعملون على إنجاز المهمة في الصباح الباكر لأن الموقف صعب جداً (في الحقيقة كان الجنود والضباط قد تمردوا ولم يستجيبوا لأوامر التجمع وبأعذار مختلفة!).
ظل مقر الفرقة بلا قطعات ولا حماية كافية ولا توجد قطعات إلى جواره من تشكيلات أخرى .. فتشكيلاته المقاتلة والمساندة متواجدة في الزبير ومعسكر الدريهمية وبما أن قوات التحالف تتقدم نحونا فقد يقومون بتطويقنا ليلاً ونصبح أسرى بأيديهم. صحيح أننا كنا نسعى للوصول إلى حدودنا الوطنية ودخول أراضينا لكن ذلك وحده لا يكفي، فليس لنا قوات نتمكن بها من مواجهتهم.

أثرت هذه القضية في النقاش الذي دار بيني وبين القائد وأمين سر شعبة التنظيم الحزبي ولم نتوصل إلى شيء. قائد الفرقة لا يريد أن نكون في موقع خلفي لأي سبب من الأسباب لأنه حذر من تهمة التخاذل أو الخيانة وكان من النوع الذي يتصرف على أساس بقاء الأُمور كما هي دون أن يترك للإحتمالات التي تثيرها الأحداث حيزا في تفكيره وهو يعلم أن الفشل والهزيمة سيكون لهما أكباش فداء كثيرون، أما أمين سر شعبة التنظيم الحزبي فهو من النوع الذي يخشى من كل أمر ولا يريد أن يتحمل المسؤولية، فلا يقوم بمبادرة أو اقتراح بل يترك الأمور للقائد وينتظر قراره.
أما بالنسبة لي، فلم تكن لدي صلاحية اتخاذ القرار والتصرف في مثل هذه المواقف طالما القائد موجود ولكني لم أتردد في إبداء الرأي لأني أملك إعطاء المشورة المؤثرة على قرار القائد، فأشرت بضرورة الانتقال إلى معسكر الدريهمية، حيث توجد بعض دبابات وناقلات اللواء المدرع الثلاثين وإذا استمر الموقف على هذا الشكل فسوف نعود في الصباح الباكر غداً ومعنا تلك القوة فوافق القائد وتحركنا فوراً وخلال ساعة واحدة وصلنا إلى المعسكر حيث توجد مدرسة قتال الفيلق الثالث.
كانت الطائرات تزيد من هجماتها ولا تزال تعالج أهدافا قريبة منا وفي مدينة البصرة كانت تلك الطائرات تقصف طرقا خارجية وجسوراً ومعسكرات وأكداس الأسلحة والعتاد.
بعد ذلك تحدثت الإذاعات عن إحتمال وقف إطلاق النار قريباً. دوت إطلاقات البنادق وهي على وتيرة وكأنها تعبير عن فرحة بانتصار. وفي زمن الحرب العراقية الإيرانية عندما كان يتم التعبير عن الفرح بهذه الطريقة، كنا نعتبره نزوعاً إنسانيا نحو السلم وعدم الرغبة بالحرب ، ولكني وجدت التعبير الآن عن الفرحة بارداً إذ لا تزال الظروف المأساوية تحيط بنا من كل جانب وتضغط علينا بشدة.
انطلقت بنادق الكلاشنكوف ورشاشات الدوشكة ومسدسات التنوير وما زاد شعوري بالألم هو أن البعض استخدم المدافع "مقاومة الطائرات"، تلك المدافع التي لم تجد نفعا في التصدي للطائرات التي راحت تنزل الأذى بشعبنا وجيشنا.
لقد كانت لغة البنادق في هذه المرة غريبة ... ولم تعبر عن شيء، ولما أُعلن عن وقف إطلاق النار في الساعة السادسة صباحا اعتبارا من الساعة الثامنة صباحاً، 28 شباط 91 قررنا العودة إلى مقرنا. جبل سنام.

ضابط عراقي ... وموقف

وبعد ساعة من بدء وقف إطلاق النار، اتصل بي العقيد الركن "عبد الكريم" آمر اللواء المدرع / 30 * وهو يقول:
- القوات الأميركية أصبحت قريبة من مواقعنا وقد أرسلوا إلي ضابطاً برتبة نقيب من سلاح الاستطلاع وطلبوا مني إخلاء المنطقة التي نحن فيها لأنها أصبحت محرمة وستكون مكاناً للاجتماع (مكان خيمة صفوان) بين دول التحالف وبيننا.
قلت له: وكيف فهمت منه هذا المعنى، هل كان يتكلم العربية؟
قال: انه يتكلم الإنكليزية ولكن معي ملازم نجاح وهو ضابط مجند يجيد الإنكليزية، كما أني فهمت قصده من خلال الإشارات ووصف الأرض.
واستطرد قائلاً:
- النقيب الأميركي كان عسكرياً منضبطاً حيث أدى التحية العسكرية برشاقة وخاطبني بكلمة "سيدي" .. وأضاف العقيد الركن "عبد الكريم القيسي" قائلاً: لقد أخبرته باني لا أستلم أوامر منه أو من قيادته، وإني مرتبط بقيادة عسكرية ولم أبلغ بشيء حول إخلاء المنطقة حتى الآن، وعندما أخذ بعض الجنود والضباط يحيطون بي، انسحب النقيب الأميركي مؤديا التحية العسكرية قائلاً: سأعود إليك ثانية * شكرته على موقفه هذا وقلت له: لا تنفذ شيئاً حتى نحصل على موقف جديد** من مراجعنا. نقلت تفاصيل الموقف إلى قائد الفرقة الذي ارتأى أن أذهب شخصيا إلى مقر القيادة العامة للقوات المسلحة في البصرة لأطلعهم على هذا الموقف وأحصل على التعليمات مباشرة، وحبذا لو كانت مكتوبة.
كان موقفنا حرجاً جداً .. لا اتصال لنا مع مقرنا الأعلى ... قوتنا لا تتعدى بضع دبابات أنهكها المسير من الكويت إلى هنا .. ضباط وجنود أضناهم التعب والإرهاق والموقف العسكري عموماً رديء والموقف السياسي مشوش وإشاعات مختلفة وأحيانا متناقضة، قوات التحالف تحيط بنا من كل جانب حيث تحوم الطائرات الأميركية على ارتفاع لا يزيد عن 25م على مقراتنا مع إشارات وإنذارات تطالبنا بترك المنطقة ولم يجر الانسحاب والخضوع لإرادة الحلفاء إلا بعد وصول توجيهات من القيادة العامة للقوات المسلحة حيث تم الانسحاب وإخلاء المنطقة المخصصة للمفاوضات بشكل منتظم.

في الطريق إلى البصرة

البصرة ثغر العراق الذي يفتر دوما عن ابتسامة ساحرة كأن النخيل فيها وشاح لها يزيدها بهاء .. البصرة الحبيبة التي تحمل باعتزاز قلادتها التي صاغها لها شريانا الحياة، دجلة والفرات .. البصرة هذه ذات المعالم الجمالية والإقتصادية والفكرية وقد أصبحت هدفا لنيران الحروب تلفحها تارة الحرب العراقية - الإيرانية وأخرى حرب الخليج فتحرق رموشها القذائف وتشعل الصواريخ في وشاحها النيران وكم أغمضت هذه البصرة المبتلاة بأناملها عيون الآلاف من ضحايا الحربين وهم يخرون صرعى في جنباتها وتفتح ذراعيها بحزن بطولي لتضمهم إليها وتنهمر دموعها وهي تستقبل العائدين بعد اندحار الحاكم وهزيمته..!
وفي الطريق إلى البصرة كنت أشاهد حركة البصريين بعد وقف إطلاق النار وتنقلاتهم بالرغم من أن الطائرات الأميركية ما زالت تحلق في الجو بينما سحب الدخان تحجب ضوء الشمس فتقع المدينة وأهلها في ظلام ووسط ذلك الظلام بقايا آليات وعجلات تحترق تهشمها النيران وأخرى معطوبة فيها جثث الجنود الأبطال الشهداء تشير إلى المأساة .. !
أفواج من الجنود، حفاة، بلا أسلحة، نظرات البؤس والإنكسار والتذمر تلوح على وجوههم الكالحة، جرحى ومصابون على جانبي الطريق، أعداد من أفراد الجيش الشعبي تأخذ طريقها مع الحشود المنكسرة إذ كنت أميزهم من أغطية الرؤوس وكلما تقدمت بي العجلة كنت أشعر بالألم يمزقني وكنت أتساءل بمرارة، أي طاقة لنا نحن العراقيين على تحمل ما يفعله المستبدون بنا؟ ما سبب ما يعانيه هؤلاء ؟ ما ذنب الناس ؟ طريق الآلام هذا، هل ينتهي عند نقطة قريبة ؟
كان جسر الزبير مقطوعا .. أسلاك الهاتف والكهرباء مدلاة من الأعمدة أو ممدودة على الأرض .. أسلحة بلا رجال، مقاومة الطائرات صامتة على أسطح المنازل بلا يد تضغط على زنادها، الحرائق تلتهم كل شيء هنا وهناك ...!
فقدت القدرة على المكابرة فلم أتمالك نفسي، جنودنا، وأهلنا، وأرضنا، تحرق وتدمر وتذل، انهمرت دموعي وكنت أُقاوم الحسرات في داخلي وأكبت شهقات الحزن والنقمة، لا أريد أن يرى الجنود المرافقون دموعي ..!
ولما وصلت بعد جهد إلى مقر القيادة العامة للقوات المسلحة، أخبروني أن المقر انتقل إلى مكان آخر وحاولت الذهاب إلى مقر الفيلق الثالث في "الدير" ويقع على بعد 70كم شمال البصرة، فعلمت: إن الجسور مقطوعة وعلينا أن نسلك طرقاً أُخرى.
قررت العودة إلى جبل سنام، النقطة الدالة والموضع الذي يقف شاهداً على مأساة شعب ونكبة جيش والذي يحتضن في سفوحه رجالاً يحاولون أن يمزقوا شرنقة اليأس التي تكبل قواهم ويبذلوا كل ما يمكن لتخفيف وتيرة الانحدار.

بين الزبير ... والنشوة

كان لا بد لنا أن نترك الدفء الذي أحسسناه ونحن في أحضان الجبل لنواجه تيارات الأحداث التي تعددت مصادرها واتجاهاتها مما دفعنا إلى التحرك نحو الداخل. وفي الطريق أوضح لي قائد الفرقة كيف وصله أمر ترك المنطقة بواسطة سرية انضباط الفرقة الآلية / 51 وأن القاطع أصبح من مسؤولية الفيلق الثاني وان هذه المنطقة التي كنا نشغلها ستنصب فيها خيمة المفاوضات مع دول التحالف.
ثم واصل كلامه :
-سنبقى في معسكر الدريهمية هذه الليلة وغداً صباحاً نعيد تنظيم وحداتنا وعصراً نتحرك إلى الدير و النشوة * حيث المقر والمعسكرات الدائمية للفرقة وتشكيلاتها التي كنا فيها قبل 2 آب 1990.
سلكنا طريقاً ترابية اختزالا للوقت ولتأمين الخروج من منطقة الحظر بسرعة وأخذنا عجلات القتال المدرعة وقد أبلغ الأميركان آمر اللواء المدرع/ 30، أن يترك الدبابات وعجلات القتال ولكنه لم يهتم بتبليغهم هذا.
في الساعة الثانية عشرة .. وصلنا إلى مدرسة قتال الفيلق الثالث داخل المعسكر وقد أخذت الحياة تدب فيه حيث خرج الجنود إلى الشمس وتركوا ملاجئهم وبدؤوا ينفضون الأفرشة والأغطية وكان بعضهم يتفقد جاهزية سلاحه!
تجولنا في مقر المدرسة باحثين عن مكان نأوي إليه ونجد فيه ماءً .. أياما متواصلة لم يشعر فيها أحد منا بالراحة.. كثيرون من الجنود لم يحلقوا ذقونهم ولم يستحموا، وبعد ساعتين خرجت إلى الزبير لتفقد اللواء المدرع / 16 ولواء المشاة الآلي /25. كان الوضع مثيرا للقلق ويهدد بفقداننا السيطرة على الجنود والضباط الأحداث، فالمدينة تغص بالجنود الذين بدأ أغلبهم يرتدي ملابس مدنية مثل الدشاديش وغيرها وقد بقي الكثير منهم مختبئا داخل البيوت.
أصدرنا أمرا بخروج الجميع والتجمع خارج المدينة والتهيؤ للحركة، ولما شاع الأمر وتأكد الضباط والجنود أنهم يتجهون إلى الداخل وإلى معسكراتهم الدائمية وليس إلى قتال خاسر بدؤوا يتجمعون عند مدخل المدينة.
لم يكن بعد التجمع والحركة ما يذكرنا بواقع جيشنا ومستواه قبل 2 آب 1990 إلا ملامح بسيطة من الانضباط والاحتفاظ بالمعنويات نجدها عند القليل من الضباط وضباط الصف القدماء في الخدمة وعدد هؤلاء محدود أصلا، كما أن ما تبقى من الأسلحة والتجهيزات قليل وذو كفاءة محدودة وان اكثر من نصف الأشخاص المنسحبين ذهبوا من دون إذن إلى أهلهم في المحافظات بينهم عدد كبير من الضباط الأحداث وآمري وحدات وكان الموقف النهائي لمجموع الفرقة كالآتي: لواء مدرع / 16، ما بقي منه كان يعادل سرية دبابات واحدة، والفوج الرابع الآلي الذي وصل إلى البصرة متكاملا بفضل كفاءة آمره المقدم الركن "فلاح حسان" وضباط الفوج وجنوده علاوة على امتلاكه عجلات القتال "B.M.B.1"، (وقد ذكرنا سابقا أنها خفيفة وسريعة وذات كفاءة فنية عالية) ولكن اتضح أن آمر الفوج لم يستلم أمرا واضحاً من آمر اللواء بل أخبره خطأ بالعودة إلى المعسكر الدائمي في النشوة مباشرة، مما جعل الفوج يتجه مباشرة إلى جسر "التنومة" عبر شط العرب واجتيازه ليلا إلى منطقة الشلامجة ثم الزريجي ثم النشوة على الطريق المحاذي لشط العرب، ولا نعلم مصيره على وجه الدقة المطلوبة، أما اللواء المدرع/30 فقد كانت القوة المتبقية فيه عبارة عن سرية دبابات وسرية مشاة آلية والمجموع لا يزيد عن "100" جندي وضابط، أما لواء المشاة الآلي / 25، فقوته تعادل "40" عجلة قتال "B.M.B1"، وعددا من الدبابات وأطقم هذه العجلات والدبابات غير كاملة والأشخاص الموجودون فيه لا يزيدون عن "250" جندياً وضابطاً.
كنا نبحث عن آليات الفرقة من دبابات وناقلات وكنا نتساءل ماذا حل بالمدفعية، الدفاع الجوي، الهندسة العسكرية، الصنف الكيماوي، الطبابة، التموين والنقل والمخابرة .. ؟ إذ لم نجد إلا أعدادا قليلة من الجنود والضباط، أما الآمرون فقد اختفوا .
كنت حريصاً في يوم الانسحاب على أن أدفع بهذه الصنوف إلى البصرة في وقت مبكر إذ لم تكن هناك حاجة لأي منها خلال تلك الفترة.
في الصباح، بدأ الجيش بالانسحاب شمالا باتجاه البصرة والعمارة حيث الفيلقان الثالث والرابع وأما الفيلق الثاني، فقد بدأ يعيد تنظيمه جنوب البصرة.
وأخذت مدينة الزبير تطرح عن كاهلها عبءا بشريا يفوق طاقتها فقد كان لجوء قطعات عسكرية إليها يشبه نوعاً من الاحتلال لكن بقوة بائسة وأسلحة صامتة حيث تدفق الجنود على أهلها الطيبين فاحتلوا كل شيء وفتحت لهم الأبواب بروح وطنية وشهامة أصيلة، فقد كانت الزبير كأي مدينة أُخرى في العراق تدخل في مرحلة معاناة (تدبير المعيشة) وكانت المدينة بلا ماء ولا كهرباء!
ومثل هذا التدفق البشري الكبير إلى مدينة صغيرة لا يمكن أن يتم دون مضايقات لأهلها، فالنازحون إليها يحملون في أعماقهم مرارة تجربة قاسية تنعكس نتائجها في سلوكهم وتصرفاتهم وأوضاعهم النفسية السيئة، فكان من بينهم مثلاً، الضيف الثقيل الذي سبب لأصحاب الضيافة شعوراً بالاضطهاد وربما كانت "الزبير" بهذا الخصوص أفضل حالا من "الحيانية" "والبصرة القديمة" "والجمهورية" "والخمسة ميل"، لأن مرور الأيام يدفع بالأوضاع إلى تطورات جديدة.
بدأت تردنا أخبار عن حوادث سرقات ونهب وإطلاق عيارات نارية في "الزريجي"، "والنشوة" "والدير"، حيث تتواجد معسكرات الفرق الدائمية التي يفترض أن ننتقل إليها بعد الغد وكان ضمن توجيهاتنا أيضا أن ترسل التشكيلات والمقرات عناصرها الإدارية إلى تلك المعسكرات مع الضياء الأول ليوم غد "الأول من آذار، لتهيئة الأماكن والمستلزمات الإدارية لمقر الفرقة والتشكيلات المؤمل وصولها ليلا وكانت مجموعة مقر الفرقة مؤلفـة من: أمين سر شعبة التنظيم الحزبي، مدير الإدارة، ضابط الأمن، آمر كتيبة المخابرة، آمر الهندسة. أما التشكيلات فقد اختارت ممثليها من بين الأشخاص الموجودين لديها وحسب ظروف كل تشكيل.

توثب وانطلاق..

في الساعة الرابعة عصراً من يوم الأول من آذار 91، شرعت الفرقة المدرعة السادسة بالحركة من البصرة متجهة شمالا إلى معسكراتها الدائمية يوم كانت قبل 2 آب 90 في نواحي "الهارثة" و"الدير" و"النشوة". كان علينا أن نجتاز الدمار الذي لحق بجسور القرنة ، فقمنا باستطلاع طريق ملتو يحيط بالمدينة من الخارج مروراً ببعض الأحياء الشعبية حيث الكثافة السكانية العالية وانعدام الخدمات الإنسانية في هذه الأماكن.
شاهدت النسوة والأطفال بملابسهم الرثة ووجوههم الصفر الشاحبة، حفاة يعبؤون مياها للشرب من برك المياه الآسنة التي تجمعت من الأمطار الممزوجة بمياه جوفية ارتفع منسوبها وعلتها طبقة من الكربون نتجت عن الدخان الأسود الذي انتشر في السماء وكان الرجال والفتيان يقفون جماعات على الطرقات ينظرون إلى قطعات الجيش المنسحب !
لا شك أن نصف هذه الجماعات عسكريون (جنود وضباط صف) تركوا وحداتهم خلال الحرب أو قبلها. وعلى أية حال، أصبح الهروب من الجيش جماعيا وبلغت نسبة الهاربين "75%" في أفضل الفرق العسكرية من بينهم "25%" هربوا بعد وقف إطلاق النار وإن كثيرا من الضباط تركوا وحداتهم في هذه المرحلة وذهبوا إلى عوائلهم في بغداد والمحافظات الأخرى.
مع مرور الوقت بدأ الطريق يزدحم وتزايد عدد العجلات العاطلة فيه واختنقت الطرق ما أدى إلى توقفنا فترات طويلة استغرق البعض منها بضع ساعات وهو ما دفع الجنود إلى الترجل من عجلاتهم والإختلاط بالمدنيين، وقد علمنا فيما بعد أن بعض الجنود باع سلاحه الشخصي (البندقية كلاشنكوف مع مخازن الأعتدة) للمدنيين وبسعر بخس!
كانت السمات التي ترتسم على وجوه الشباب تعبر عن شيء كامن في أعماقهم ولعل هذا الشيء كان يعني الرغبة في كسر القيود واسترداد الحرية والكرامة.
سمعت إطلاقات نارية متفرقة هنا وهناك .. بدأ الطريق يزداد ازدحاما مع مرور الوقت، وعندما حل الظلام، بدأ الشباب المدنيون يقتربون من العجلات العسكرية وعرض بعضهم على الجنود شراء أسلحتهم!
كان من المقرر أن تصل التشكيلات إلى معسكراتها قبل الساعة الثامنة مساءً ولكن عوامل عديدة جعلت العجلات المدولبة تصل ناحية الهارثة "حيث المنطقة الإدارية للفرقة"، الساعة الثانية عشرة "ليلة 1 آذار" ولم تصل أرتال الدبابات والناقلات إلا مع الضياء الأول ليوم 2 آذار في حين تركت أعداد منها على الطريق بسبب نقص الوقود أو عطل فني أو عدم رغبة طواقمها في الاستمرار في السير. و بينما كان الرتل متوقفا عند إحدى النقــــاط الحرجـة، أعلنت بيانات حكومية عن تسريح عدد من المواليد من الخدمة العسكرية فاستقبل الجنود الأنباء بفرح بالغ وعلقوا على ذلك قائلين هذا تسريح "بوش" ولم نكن نعلم ماذا كان يجري في "الزريجي" وهي منطقة زراعية على ضفة شط العرب الشرقية مقابل "الهارثة" التي يتواجد فيها مقر الفرقة، اللواء المدرع / 30، مقر لواء المشاة الآلي/ 25 وصنوف المدفعية، الدفاع الجوي، الهندسة العسكرية، المخابرة، الصنف الكيمياوي والطبابة. ولم نكن نعلم أيضا عما يحدث في "النشوة" حيث مقر اللواء المدرع / 16، والنشوة ناحية صغيرة وشبيهة ببقية نواحي جنوب العراق، فيها شارع معبد واحد وعدة طرق فرعية غير مبلطة وتمتد بساتين النخيل فيها بمحاذاة شط العرب، فيها مركز شرطة، ودار لمديرية الناحية وسكانها عرب من عدة عشائر. السويكت، الحلاف، آل منصور، السواكن وآخرين (يذكر أن طائرة الرئيس السابق عبد السلام عارف سقطت في هذه الناحية في نيسان عام 1966 حيث توفي هو ومن كان معه بداخلها). يربط النشوة بناحية الدير جسر قديم يسمى "جسر النشوة" يتسع لمرور سيارة واحدة باتجاه واحد ويوجد فيها حوالي ثلاثمئة بيت وفيها مدارس ابتدائية ومتوسطة، وأناس متعلمون ووجوه اجتماعية محترمة، كالمختار عبد الرحمن السويكت وغيره ويوجد فيها عدد من البيوتات ذات النسب العلوي "السادة" . والنشوة هي المركز الإداري الذي ترتبط به العديد من القرى كالزريجي وعتبة وتقع جميعها على طريق معبد واحد يسمى "طريق الشلامجة".
عملت سنتين متتاليتين في هذا المكان، آمرا للواء المدرع / 16 قبل 2 آب ولم نواجه أية مشكلة مع سكان هذه الناحية، فهم عرب ريفيون بسطاء يحترمون الضباط و الجنود وعند ذهابي وإيابي إلى البصرة كنت أرغب في سلوك طريق "النشوة - الزريجي - عتبة - الشلامجة" ثم العبور من جسر خالد بن الوليد إلى البصرة وأعود ليلا الساعة الثالثة أو الرابعة فجرا ولم يحدث أن مررت بأي موقف ينم عن عدم ارتياح هؤلاء الناس أو عدم ترحيبهم بنا. كانت معسكرات الفرقة كبيرة ومسيجة وفيها عدد كاف من الحراس المسلحين، الغرف، المقرات، المشاجب، المستودعات والمكاتب وجميعها كانت محكمة الأقفال.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

mi-17

مشرف
مشرف

avatar








مُساهمةموضوع: رد: مذكرات العميد الركن نجيب الصالحي ......ما حدث في العراق بعد الانسحاب من الكويت .. وخفايا الأيام الدامية    الإثنين يونيو 20 2016, 13:19

الحلقه 5 

في هذه المعسكرات، اتخذ صدام حسين مقراً جوالاً في الأيام التي سبقت الحرب الأخيرة وقضى ليلة في مقر اللواء المدرع / 16 وليلة أخرى في مقر الفرقة المدرعة السادسة واطلع على اللوحة الخشبية الأنيقة المعلقة في غرفة آمر اللواء التي ضمت أسماء الآمرين مثل دخيل الهلالي الذي أصبح قائدا للفرقة السادسة في بداية السبعينيات وكان عزة الدوري السبب في إحالته على التقاعد حيث تأخر الدوري ساعتين عن محاضرة في كلية الدفاع الوطني، فاضطر الهلالي للإيعاز ببدء المحاضرة، فغضب عزة الدوري لدى وصوله بعد عشر دقائق من المحاضرة ولم يشفع للواء الركن الهلالي المولود في مدينة العمارة صفته الحزبية وتم إبعاده من الجيش ، فأحيل على التقاعد ليعود عام 1982 آمرا للواء جيش شعبي ويقع أسيراً في يد الإيرانيين فوق هضبة الرادار في قاطع ديزفول الإيراني ولا يزال هناك، وكان إسم اللواء الركن صلاح القاضي قائد الفيلق الثالث الذي أعدم عام 1982 منقوشا على نفس اللوحة، والعقيد الركن عدنان محمد نوري الذي عمل مع المعارضة العراقية في الخارج منذ السبعينيات ، والعقيد الركن محمد علوان الجبوري الذي استشهد في الحرب عام ،1987 والعقيد الركن سردار البرواري توفي على أثر مرض، والعميد الركن ثابت سلطان الذي تم التخلص منه عام 1993، والعقيد الركن وضاح ثامر إسماعيل الذي أعدمه صدام عام 1995 وكان اسمي آخر اسم ثبت عليها. وعندما تقرر إلغاء اللواء المدرع / 16 عام 1991، قال لي الفريق سلطان هاشم وكان معاون رئيس الأركان للعمليات، هذا اللواء منحوس ولم يتوفق أحد من الآمرين فيه رغم كونه من التشكيلات العريقة ذات الماضي المشرف ، وكان آخر آمر له هو العقيد الركن جليل خلف شويل من أهالي البصرة وكان ذلك أحد الأسباب التي أدت إلى اتخاذ قرار إلغاء هذا التشكيل، تشكيل المهلب بعد انتفاضة آذار 1991.
شرحت لضباط الركن خطتي التي تتلخص في بقاء جميع القطعات التي تصل من البصرة في معسكر المنطقة الإدارية للفرقة حتى الصباح وعبورها إلى معسكراتها في الزريجي والنشوة بعد اكتمال تجمعها غدا.
كان جسر نهران عمر الوحيد الصالح للاستعمال من بين الجسور القريبة من مقر الفيلق، يتوسط المسافة بين الهارثة والدير وهو من الجسور العسكرية التي نصبت على شط العرب خلال الحرب مع إيران.
قرر قائد الفرقة المبيت هذه الليلة في مقر الهندسة الكهربائية للفرقة الواقع على الطريق العام شمال ناحية الدير 5كم وقررت أنا قضاء ما تبقى من ساعات الليل مع صديقي أبو خالد المهندس البغدادي الذي يعمل في إحدى المنشآت الحكومية القريبة من ناحية الهارثة حيث استقر مع عائلته منذ عشر سنوات في بيت أنيق هناك ، ويومها كان صديقي وحده في البيت بعد أن أرسل عائلته إلى بغداد منذ بداية الحرب.
وصلت بيت أبو خالد في الساعة الثانية والنصف بعد منتصف الليل ، وكان مستيقظا يبحث من خلال جهاز الراديو الصغير الذي لا يفارقه عن أخبار جديدة. خرج إلى الباب بعد سماعه صوت منبه العجلة.. قلت له فورا: أنا نجيب بعد أن شعرت بتردده في فتح الباب الخارجي .. وعندما تيقن مني، جاءني راكضاً وفتح الباب واستقبلني بحرارة وكان معي بالإضافة إلى السائق، النائب ضابط هادي وجندي انضباط اسمه صادق وقد طلبت منهما الحضور الساعة السابعة والنصف صباحاً.
دخلت البيت بصحبة أبو خالد الذي أمطرني بسيل من الأسئلة عن الحرب والتضحيات والانسحاب والحالة النفسية للضباط وعن مجاميع الجنود الذين تركوا مواضعهم راحلين باتجاه الشمال .. عن الطعام والأمور الإدارية.. القصف والطيران والصواريخ.. عن الوضع في البصرة في اليومين الأخيرين .. ثم حدثني عن مشاهداته خلال الأيام الماضية قائلاً، إن الطائرات قصفت محطة الطاقة الكهربائية في الهارثة، وضربت أهدافاً عديدة هنا وهناك وان الكهرباء والماء والخدمات الأخرى مقطوعة. قلت مازحا (ربعك، الجيش الشعبي والحزب وين صاروا؟! ) قال، موجودون في بيوتهـم حائرون بأنفسهم ووضعي أفضل من أوضاعهم لأني بدون عائــلة. قلت، وماذا تتوقع؟ قال، ماكو شي، ولكنهم يشعرون بظلم كبير! في إشارة واضحة منه لسكان المنطقة.
حاولت النوم بعد انتهائنا من الحديث ولكن رأسي كان يزدحم بما سأقوم به بعد ساعات، فأنا مطالب بتجميع الفرقة ومعرفة المفقودين والشهداء وإعادة تنظيم مقر الفرقة وهناك أعداد كبيرة من الدبابات والعجلات التي بقيت عاطلة على الطريق في صفوان يجب سحب بعضها وتوفير الوقود لبعضها الآخر. لم أقلق على زوجتي وابني عامر لأنهما كانا يعيشان مع عائلتنا الكبيرة في بغداد.
غدا سأعود إلى النشوة، هذه الناحية البصرية الصغيرة، وسألتقي حتما بالسيد منصور أبو إبراهيم الرجل المسنّ الذي يسكن في البستان المجاور لمعسكر لواء المدرع / 16 والذي سبق وأهديته براعم زيتون من بستاني في ديالى، فأهداني فسيلا بصريا كان ذلك آخر ما تبادر إلى ذهني في تلك اللحظة قبل أن أغط في نوم عميق.

مقتل صورة !

لم تكن انتفاضة العراقيين في آذار 1991 حدثا منفصلا وقائما بذاته وإنما كانت نتيجة طبيعية لمعاناة شعب امتدت سنيناً، لذا جاءت تعبيرا صادقاً قويا وسريعا عن الرفض الكامل لحالات الإحباط التي قادت إلى رغبة أكيدة في تمزيق القيود التي كبلت أبناء الشعب. فتاريخ شعبنا هو سلسلة من المواقف البطولية التي اتسمت بالتضحيات الجسام من أجل عزته وصون كرامته، وكانت الانتفاضة تعميدا بالدم لرفض أساليب الدكتاتورية وحكمها البغيض.
إن أهم ما يجب النظر إليه هنا، ونحن نتحدث عن ضرورة إلقاء الضوء على بدايات الحدث التاريخي الكبير الذي صنعه العراقيون الأماجد عند اندلاع شرارة الانتفاضة ضد النظام التسلطي الدكتاتوري، هو التأكيد على حقيقة العوامل والمسببات التي هيأت وبلورت مناخا سياسيا وفكريا ونفسيا للانطلاق بقوة نحو التغيير وآفاقه، كذلك لا بد من القول إن قرار الانسحاب وما رافقه من تأثيرات سلبية مباشرة أسهمت في إمكانية إنضاج التهيؤ الثوري الحاسم لتحطيم حاجز الخوف والبدء بتصعيد الفعالية الجماهيرية للشعب للوصول إلى تحقيق الهدف المرجو، وبهذا الصدد، يمكننا أن نشير إلى أن الوقائع والدروس المستخلصة من الأحداث الكبرى والحروب عبر العقود الماضية وما تؤكده أيضا مسيرة التاريخ بأن الهزائم والمآسي التي تلحق بالشعوب بسبب إستهتار الأنظمة الدكتاتورية تتمخض عن تغييرات جوهرية في كيانات تلك الأنظمة . وإذا كانت الهزيمة أمرا مرفوضا لا يليق بالرجال أن يستسلموا لها وان الفشل عيب يجب تلافي أسبابه قبل حدوثها، فإن صدام حسين يبقى المسؤول الأول عما لحق بالجيش العراقي من إنكسار وما ترتب عليه من تقييد لحرية العراق وسيادته الوطنية وجعله عرضة للتقسيم والتشرذم.
إن غزو الكويت في الثاني من آب 1990كان عملا طائشا غير مسؤول وكان يحمل في طياته نتائج وخيمة على الأصعدة الوطنية والإقليمية والدولية، إن تفاصيل تلك المغامرة التي بكل نتائجها كانت لصالح القوى العالمية التي تنظر إلى الوطن العربي عموما والى منطقة الخليج العربي بوجه خاص من منطلق المصالح الاستراتيجية الخاصة بها.
وان كان لا بد من القول، فإننا لم نكن نتصور يوما أن هذا الرجل سيظل مصرا على تسمية الفشل انتصاراً والهزيمة ظفراً وخاصة عندما نستحضر الموقف الشهير للرئيس جمال عبد الناصر وهو يواجه شعبه يوم 9 حزيران 67 معلنا تحمله كامل المسؤولية عن حدوث النكسة وتخليه عن كافة مسؤولياته السياسية وغيرها بصوت مسموع وصورة مرئية وتوقعنا حدوث مثل هذا الموقف في العراق في الأيام التي تلت يوم 28 شباط 91.. وتوقعنا أنه سيكون لقضية الكويت تأثيراتها السلبية على علاقة العراق بالأُمة العربية وهذا ما حدث، إذ أن أغلب الدول العربية أعادت النظر في موقفها تجاه العراق، وتوقعنا كذلك أن تمتد هذه التأثيرات إلى داخل العراق، أي إلى علاقة الشعب بالنظام القائم، وسوف تكون النتيجة لكلا التوقعين صدمة تعيد صدام إلى وعيه وتجعله يعترف بفشله وما يترتب على اعترافه من التنحي عن مسؤولية الحكم في العراق، ولكن شيئا من هذا لم يحدث !
كما أن القوى التي استفادت من الحرب بالإضافة إلى تأثيرات إقليمية ومحلية، إرتأت أن استمرارية الحفاظ على مصالحها تكمن في بقاء صدام في الحكم ولو إلى حين!
إلا أن عملية المخاض أنذرت بولادة حدث كبير تجسد في اللحظة التي مزق فيها جندينا البطل الصمت والترقب المخيمين على نفوس الشعب والجيش عندما رشق ذلك الجندي صورة صدام بوابل من الرصاص من فوهة بندقيته فجر يوم 2 آذار 91 في ساحة سعد في البصرة* معلنا الخلاص من النظام الذي الحق بالجيش والشعب والوطن كل هذا الذل والإهانة. ولقد بذلنا جهدا للحصول على اسم ذلك الجندي الذي سيظل الرمز الأول لانتفاضة العراقيين ضد الدكتاتورية والطغيان. لقد كان في أعماق ذلك البطل العائد من الكويت خيبة وألم كبيران، يعتصرانه ويدفعانه للبحث عن وسيلة لاستعادة كرامته المهانة. وعندما أصبح وجهاً لوجه أمام تماثيل صدام في ساحة سعد، لم يسعه إلا أن يعبر علناً عما في داخله ودواخل أولئك الجنود الذين غصت بهم تلك الساحة من مشاعر الإحباط واليأس من جهة والرغبة العارمة في إنقاذ الوطن الجريح من جهة أخرى، ولم يكن أمامه إلا أن يطلق وابلا من رصاصه على صورة الشخص الذي اعتبره بكل وجدانه المسؤول الأول عن المرارة التي تعتصره وتحيط به .. انه جدير بأن يمنح لقب ابن العراق البار.
وصف لي أحد الضباط تلك اللحظة التي فجر فيها الجندي المجهول شرارة الغضب قائلا: (كنا أفواجا من رجال جار عليهم دكتاتور أهوج ... اختفت المناصب فيما بيننا وأزيلت الرتب، فصرنا جميعا منقادين إلى حيث لا ندري ونجري بلا وعي وفي كل ساعة يجابه أحدنا موقفا يفقد فيه السيطرة على نفسه.. نلتفت يمينا فلا نرى إلا وجوها بائسة أرهقها السير وأذلها الموقف .. ونلتفت شمالا فنرى جثثا مكدسة وجرحى يأنون هي حصيلة ما جرته سياسة النظام غير المسؤولة. وقد ينشغل الإنسان باستعادة ما عانى وما ينتظره فلا يلتفت إلى ما حوله وباتت مناظر الموت مألوفة ولم تعد مشاهد الدماء تفزع أحدا وما كانت آثار الدمار والخراب الظاهرة في كل مكان تثير فينا المشاعر.
وفي لحظة كنا نحلم فيها بلقمة أو بكوب شاي ساخن أو سيكارة، كان بالقرب مني جنود يبيعون بنادقهم ويتقاسمون أثمانها بينهم، وكنت أحمل مسدسا قررت أن لا أفرط فيه، وكانت مجاميع من الناس توقف سياراتها البيك أب وتكدس فيها الأسلحة التي يشترونها من الجنود، وأعتقد أن هؤلاء المشترين كانوا تجاراً ولكن، أية تجارة هذه ! أو أي صنف جديد من التجار هؤلاء !
كنت في هذه اللحظة على الطرف الآخر من صورة صدام.. نظرت إلى الجنود الذين كانوا في حالة مأساوية والإرهاق باد على ملامحهم.. كان كل واحد منهم يحاول أن يكيل السباب والشتائم للحاكم بأعلى صوته ويهتف ضده. ثم رأيت أحد الجنود وقد أعاد ثمن بندقيته إلى المشتري وانطلق إلى موقع الصورة ليفرغ فيها رصاصاته، وحين نظرت إلى الصورة تمنيت اختفاءها.

مقتل ... ضابط كبير !

هكذا انطلقت الشرارة الأولى للانتفاضة المباركة من مدينة البصرة الباسلة ولم نكن نعلم ماذا يدور حولنا وكنت مثل غيري من الناس أتوقع حدوث شيء ما.
استيقظت صباح يوم 2 آذار 91 على صوت شاب يهتف بسقوط صدام ويردد (الثورة في البصرة... الثورة في البصرة) وكان يهرول مسرعا. منعني صديقي أبو خالد من الخروج من البيت وأخبرني أن الناس قد انتفضت في البصرة وان التظاهرات تعم المدينة وأهالي الهارثة والدير يهتفون بسقوط صدام ويهاجمون الدوائر الأمنية والمقرات الحزبية وأضاف: انهم قتلوا ضابطا برتبة كبيرة في البصرة. هيأت نفسي على عجل وأنا أنتظر وصول عجلتي العسكرية إذ لا بد أن أصل إلى المعسكر مبكراً وعندما تأخر سائق العجلة عن الوصول اعتقدت أن تأخره كان بسبب الأحداث وحينذاك قررت استخدام سيارة صاحبي أبي خالد الذي رحب بالفكرة لكنه قال: (إن كمية البنزين في العجلة الصالون وهي موديل قديم قليلة وربما لا تكفي لإيصالنا إلى المعسكر)، ومع ذلك، قررنا التحرك فوراً وفي الطريق، شاهدنا أعلاما مختلفة الألوان ترتفع فوق البيوت والشباب يتجمعون في الطرق الرئيسة والفرعية والنساء يزغردن من فوق السطوح وينظرن بإعجاب وإكبار إلى ما يفعله الشباب ، وقد حاول بعضهم إيقافنا وكانوا قد أقاموا حواجز على الطريق، لكننا قررنا عدم التوقف وبعد مسافة لا تتجاوز كيلو مترين، لمحنا جماعة أخرى على الطريق وقد وضعت حاجزاً على الطريق كعلامات حديدية وإطارات محروقة ونظرنا إلى جانبي الطريق لعلنا نجد مجالا ونبتعد عن الطريق العام ونتخلص من الحواجز التي وضعها المدنيون، لكن سيول الأمطار وبرك المياه الآسنة كانت تحول دون خروجنا من الشارع المبلط.
كان أبو خالد مطمئناً إلى عدم حدوث ما يسيء لي إذا نحن توقفنا لأنه معروف من قبل شباب المنطقة ويستطيع أن يؤثر عليهم. أعدت على مسمعه ما أخبرني به قبل قليل عن مقتل ضابط كبير تدبيراً للموقف الحرج.

موقف حرج ... وحوار مع النفس

وخلال مسافة قصيرة جداً، أحسست أن شيئا ما يعتمل في داخلي وان شعورا بالإنشداد والتوتر العصبيين قد خلقا عندي معاناة حقيقية بالخطر الذي كان يحدق بي وكان لا بد أن أنجو بنفسي.
في الحرب مع إيران، شاركت في معارك ضارية لكنني نجوت منها رغم أنه قد تم تطويقنا عدة مرات إلا أنني لم أقع في الأسر، كذلك لم أضطر مرة قبل هذا الموقف إلى التفكير بإخفاء شخصيتي ولو مؤقتا، لكن الموقف يختلف الآن، فأنا أمام شباب ثائرين على نظام جار عليهم وان كرههم له يمتد إلى كل مؤسسات الحكم وخاصة العسكرية منها، ولما كنت ضابطا، فأنا معرض إلى الموت سيما وأن خبر قتل ضابط كبير من قبل الثوار أصبح مؤكدا وهذا يعني احتمال تعرضي للقتل أيضا مما دفعني إلى التردد للحظات، فهل أشهر السلاح بوجه من أعتبرهم أخوة لي ثائرين بوجه الظلم ؟ ولكن كيف التخلص من هذا الموقف ؟ فإذا قتلت أحدا سأعتبر خائنا ومعاديا للإنتفاضة في نظر الثوار ! وإذا قُتلت فماذا سيقال عني ومن سينصفني بعد ذلك ؟ فهل كنت ضد الإنتفاضة، أم معها ضد النظام، أم محايداً ؟ وهل يحتمل الوضع موقفاً محايداً آنذاك ؟ وهل يصح أن أُقتل بهذه الطريقة ؟ أم هل أستسلم لأشخاص تلعب بهم العواطف وتتحكم فيهم مشاعر العداء للنظام ويرون في كل ما يمت إليه بصلة كأنه صدام نفسه ! إنها وخزات أحسها في مكامن الضمير والوجدان. كان لا بد لنا أن نقف عند الحاجز لأنهم وضعوا عوائق من أحجار كبيرة لا يمكن للعجلة أن تجتازها. راح أبو خالد يسلم عليهم ويخبرهم بأنني ابن عمه وجئت من بغداد. ولنا مريض في مستشفى البصرة، فرحبت بنا المجموعة التي كانت قريبة من سيارتنا، وما أن تقدمت العجلة خطوة حتى أوقفنا أحدهم وعيونه وملامحه تقدح شراً وصرخ مخاطباً أبو خالد :
- قف .. قف .. العسكري الذي معك شكله ضابط أو حزبي كبير..!
- أجاب أبو خالد ..
- أبدا .. إنه لبس البدلة العسكرية ليسهل مروره عبر سيطرات الجيش واتجه الشخص ليفتح الباب عنوة، فقلت لأبي خالد وكأنني أبحث عن حل:
- سأكون مضطراً لاستعمال أي شيء إذا أجبرت على النزول!
في تلك اللحظة، اندفع نحوهم أشخاص يصرخون الإنتفاضة وصلت العمارة .. الناصرية .. وعمت ضواحي البصرة، فقطعوا حديثهم مع أبي خالد وراحوا جميعا يهتفون بسقوط صدام ووصفه بالإجرام والوحشية وتعالت الأصوات بالتكبير.
صحت بأبي خالد أن ينطلق لان الفوضى التي حدثت وانشغالهم بالخبر يسمحان بالمغادرة، وانطلق أبو خالد وهو يلوح بيده لهم مودعاً ويردد الله اكبر .. الله اكبر.
وانقضى بذلك موقف حرج ما زالت وقائعه تتردد في ذاكرتي بين حين وآخر.

نداءات  واستجابات

وصلت المعسكر في الساعة الثامنة والنصف واستقبلني ضباط الركن وعدد من الجنود وسألتهم عن الأخبار، فأخبروني: أن هناك تظاهرات مسلحة وجماعات احتلت المراكز الحكومية وأن هناك ضابطاً قتل على أيدي المتظاهرين واستفسرت عما شاهدته على الطريق من ناقلات عسكرية تحمل أعلاما ملونة فأجابوني:
- إنها أصبحت بيد المنتفضين ولم تكن الناقلات تحمل أسلحة أو أعتدة وأنهم استخدموها لقطع الطريق أو كوسائط نقل وقد استقلتها مجموعات من الشباب والصبيان وهم يهتفون ويهزجون، فبدا المشهد وكأنه احتفال. طلبت من الضباط شرح الموقف العسكري المتعلق بالتشكيلات وسألت عن الوحدات التي لم تلتحق إلى المعسكر حتى الآن إذ كان القسم الأكبر من الناقلات قد وصل ليلاً في حين تأخر القسم الأكبر من الدبابات في الطريق وعلمت أن الدبابات التي في الفرقة الآن لا تزيد على عشرة، فلا بد أن البقية قد تعطلت في الطريق.
كان آمرو التشكيلات، الثلاثين والسادس عشر مع قائد الفرقة في مقر الفيلق فيما كان آمر اللواء الخامس والعشرين يحاول ترتيب لوائه والتأكد من موجوداته وفي هذا الوقت أخذنا نتابع الأخبار ونتصدى لمعرفتها بعدة طرق. لقد كان الوضع يزداد خطورة والأحداث تتطور، فمدينة الهارثة وهـي مدينـــة كبيرة وكثيفة السكان وكل ما يجاورها من القرى الكثيرة استجابت بسرعة لنداءات الثوار وبدت تجمعات الشيوخ والنساء والشباب والصبيان مألوفة يملأهم الفرح ويعبرون عن مشاعرهم بحماس وقوة ويهتفون بسقوط صدام. لا أعتقد أن أحداً منهم في تلك الساعة راوده شعور بالفشل أو بقاء النظام بل كانوا جميعا يفيضون عزما وتصميما واعتقاداً راسخاً بحدوث التغيير الحتمي.
طلبت من آمر لواء المشاة الآلي / 25 العقيد الركن محمد علي الجميلي اتخاذ الترتيبات اللازمة لحماية المعسكر وتوزيع الناقلات على شكل فصائل حول المحيط وقرب المداخل والحيلولة دون اقتراب المدنيين من سياج المعسكر الذي يبلغ محيطه الخارجي (10) كم ومسيّج بالأسلاك الشائكة ويضم بقايا وحدات إدارية وخدميّة، تموين ونقل، طبابة، معمل ميدان، نقاط للعتاد والوقود، مستودعات ومشاجب تحتوي على مئات البنادق، قوة حماية من عشرات الجنود بعضهم من غير المسلحين، فتوزع الأشخاص وانتشرت الناقلات وتهيؤوا للحماية.
كانت الأخبار عن انتشار الانتفاضة وسرعة امتدادها إلى جميع المناطق تجعلنا قريبين مما كنا نتوقعه، فهي نتائج لا بد منها وإذا كانت الإنتفاضة تسري كالنار في الهشيم فإن النفوس التي أججتها كانت تحمل من المعاناة والمرارة أكداسا متراكمة وهذه الانتفاضة هي ثمرة سنين من تحمل الظلم والاضطهاد والتمييز والقهر.
كان يتملك الضباط هاجس الخوف الممزوج بالدهشة والحيرة، لأن احتمالات التهام الإنتفاضة للمؤسسة العسكرية وأفرادها كانت متوقعة كما أن الجنود الذين عاشوا التجربة المرة واستنكروا الهزيمة كانوا من أكبر عناصر الانتفاضة وكنا نظن أن كثيراً منهم ينتظر ساعة الحساب والخلاص، فمهما كانت رغبات الضباط أو مشاعرهم قريبة من مشاعر الثوار وآمالهم، فإن زخم الاندفاع وهياج المنتفضين لم يترك على الأغلب فرصة لتحكيم العقل ولذا لم أستغرب ما كان يردده أحد الضباط وقد تملكه القلق قائلا: سيدي، الموقف تعبان، بل إن أحد ضباط الركن الذين أثق بهم عرض علي فكرة الهرب والاختباء لدى أحد شيوخ القبائل ولكني لم أُوافق وأبقيت العرض احتمالاً واردا، ثم شاعت أخبار في المعسكر بأن صدام على وشك الهروب إلى الجزائر وتناقلت وكالات الأنباء هذا الخبر فاتسع أمل الناس في التغيير وسقوط النظام.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 

مذكرات العميد الركن نجيب الصالحي ......ما حدث في العراق بعد الانسحاب من الكويت .. وخفايا الأيام الدامية

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
المنتدى العسكري العربي :: الأقســـام العسكريـــة :: التاريخ العسكري - Military History :: الشرق الأوسط :: حرب الخليج الثانية-