المنتدى العسكري العربي
عزيزي الزائر / عزيزتي الزائرة

مرحبا بك في المنتدى العسكري العربي

يرجي التكرم بتسجيل الدخول اذا كنت عضو معنا او التسجيل ان لم تكن عضو وترغب في الانضمام الي اسرة المنتدى

سنتشرف بتسجيلك

شكرا

ادارة المنتدى



 
الرئيسيةس .و .جالقوانينبحـثالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 هنري كيسنجر ومبادره روجرز

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة

mi-17

مشرف
مشرف

avatar








مُساهمةموضوع: هنري كيسنجر ومبادره روجرز    الثلاثاء أبريل 19 2016, 19:02

تعريف بكيسينجر ومبادرة روجرز

وُلِد هنرى كيسينجر Henry Kissinger من أبوين يهوديين بألمانيا فى 27 مايو 1923 ، أبوه الحاخام اليهودى لويس كيسينجر كان يعمل مدرسا للتعاليم اليهودية ، وكانت أمه باولا شترن تدعم المنظمة الصهيونية الإرهابية شترن جانج Stern Gang التى تعمل بإسرائيل حسب قول الكاتب الأمريكى آلن جارى Allen Gary فى كتابه "أسرار وزارة الخارجية أيام كيسينجر" . ومثل كثير من العائلات اليهودية الألمانية هاجرت عائلة كيسنجر إلى الولايات المتحدة الأمريكية عام 1938 هروبا من الإضطهاد النازى لليهود .

وأعرض هنا تمهيدا ضروريا قبل عرض باقى حلقات الموضوع . فقد  تم نشر مذكرات كيسينجر فى جزءين ، الأول تحت عنوان "سنوات البيض الأبيض" White House Years والثانى تحت عنوان "سنوات مضطربة" Years of Upheaval . ويحكى الجزء الأول ذكريات كيسينجر فترة توليه منصب مستشار الرئيس نيكسون للأمن القومى فى رئاسته الأولى للولايات المتحدة ، ويحكى الجزء  الثانى فترة توليه وزاراة الخارجية فى رئاسة نيكسون الثانية فى 20 يناير 1973 مع منصبه كمستشار للأمن القومى ، ثم تفرغه كوزير للخارجية ، وينبغى العلم بأن الولايات المتحدة الأمريكية لم تكن تهتم بالتدخل فى مشاكل الشرق الأوسط قبل أزمة السويس والعدوان الثلاثى على مصر عام 1956 ، ولم تكن تتقدم بأى مبادرات لحل أزمات الشرق الأوسط الناتجة إلا بعد الهزيمة القاسية للجيش المصرى والسورى  فى يونيو 1967 . كما يجب التأكيد على أنه من العبث أن يفهم بعض الناس أن التدخل الأمريكى فى مشاكل الشرق الأوسط بالمبادرات أو بغير ذلك يمكن أن يميل فى أى وقت إلى مايلائم العرب ومصلحتهم أكثر من ميله الطبيعى التلقائى إلى مصالح الولايات المتحدة وإلى مايلائم إسرائيل كإلتزام سياسى أمريكى دائم . أو أن يفهم البعض أن الميل ولو فى حده الأدنى الظاهرى يمكن أن يكون لمصلحة العرب أو أن يكون يوما ما بدافع الأخلاق الحميدة أو بدافع مايسمى كذبا بالدفاع عن مصالح "الأسرة الدولية" ، تغطية على دافعها الحقيقى ، وهو تحقيق مصالحها الإستراتيجية والإقتصادية بتمكين الكيان الإسرائيلى من الهيمنة على المنطقة العربية لحسابها .

وكانت حكومة إسرائيل فى صلتها مع الحكومة الأمريكية - قبل حرب أكتوبر مباشرة وأثنائها وبعد وقف إطلاق النيران - تعتمد تماما على هنرى كيسينجر الذى كان مستشارا للرئيس الأمريكى (ريتشارد نيكسون) للأمن القومى ، لأنها كانت تعلم تماما أنه لم يكن فى وسع هنرى كيسينجر كيهودى ألمانى هاجر إلى أمريكا هربا من الإضطهاد النازى أن يتخلى عن إحساسه بأن شعبه الحقيقى هو هناك فى إسرائيل المصطنعة . وكان هنرى كيسينجر حسب قول ناحوم جولدمان رئيس المؤتمر اليهودى العالمى يستخف بوليام روجرز وزير خارجية الولايات المتحدة ويسعى لأن يحل محله وهو ماحدث فعلا بعد ذلك ، وقد عمل هنرى كيسينجر منذ اللحظة الأولى على تجميد سياسة الولايات المتحدة التى نادى بها ويليام روجرز ونجح فى إقناع ريتشارد نيكسون بتبنى وجهة النظر الإسرائيلية بالنسبة لقرار مجلس الأمن الدولى رقم 242 مع عدم الضغط على تل أبيب .

ونذكر أن هذا القرار قد صدر فى أعقاب هزيمة يونيو 1967 من مجلس الأمن برقم 242 (UNSCR 242) بتاريخ 22 نوفمبر 1967 ، وأن صيغته تم إعدادها بواسطة السفير البريطانى اللورد كارادون Caradon ، وتمت الموافقة عليه بإجماع الأعضاء الدائمين بمجلس الأمن . ومنذ هذا التاريخ وحتى الآن ، أصبح هذا القرار هو حجر الأساس لأى مفاوضات مباشرة أو غير مباشرة بين الأطراف العربية وإسرائيل مع اختلاف وجهات النظر فى تفسير نصوصه ، فبينما تصر الأطراف العربية أن القرار ينص على الإنسحاب الإسرائيلى من الأراضى التى احتلت خلال نزاع عام 1967 ، فإن إسرائيل تصر على الإنسحاب هو من أراض احتلتها إلى حدود تعتبرها حدودا آمنة بالنسبة لها . وهو خلاف مازال مستمرا حتى الآن وذلك بسبب صياغة مفردات القرار بطريقة ملتبسة غير محددة ، حيث يتطلب القرار انسحاب إسرائيل "من أراض" from territories وليس "من الأراضى" from the territories التى احتلتها إسرائيل فى نزاع عام 1967 ، وبالتالى فإن إهمال اللفظ the فى نص قرار مجلس الأمن أعطى الحق لإسرائيل – من وجهة نظرها- على التمسك بعدم الإنسحاب من كل الأراضى التى احتلتها فى يونيو 1967 .




وبدأت مساعى مبعوث الأمم المتحدة جونار يارنج فى مارس 1969 للتوفيق بين وجهتى النظر العربية والإسرائيلية دون جدوى ، وخاصة بعد أن أعلنت جولدا مائير رئيسة وزراء إسرائيل فى 5 نوفمبر 1968 أمام الكنيست الإسرائيلى الآتى بقولها : " أننا عندما نقول أن حدودنا الآمنة هى نهر الأردن ، فإننا نعنى أنه عند توقيع اتفاقية سلام فلن تعبر هذه الحدود أى قوات أجنبية ، بل حتى بعد توقيع اتفاقية سلام لن توجد أى قوات أردنية أو عربية غرب نهر الأردن (الضفة الغربية) فى ظل أى تسوية سلمية " . وباءت مساعى جونار يارنج بالفشل الذريع لإصرار إسرائيل على عدم سحب قواتها إلا بعد تحديد الحدود الآمنة لإسرائيل . وكانت إسرائيل خلال ذلك مستعدة للإنسحاب من كامل سيناء بشروط .. ! .

ولتحريك الموقف تقدمت فرنسا فى 9 ديسمبر 1969 بورقة عمل تشمل اقتراحات تسوية بين الأردن وإسرائيل باعتبار أن سيناء لم تكن تمثل مشكلة أمام انسحاب إسرائيل منها . وهنا بدأت المساعى الأمريكية فى مواجهة المشروع الفرنسى لحل مشكلة الشرق الأوسط ، فتقدم وليام روجرز وزير خارجية أمريكا بمبادرة فى 19 ديسمبر 1969  تم تسميتها بمبادرة روجرز أو مشروع روجرز Rogers Plan للسلام ، وكانت مبادرة غامضة تم اقتراحها كمناورة لإفشال اجتماع القمة العربية المرتقب فى الرباط ، حيث تضمنت المبادرة اعتبار الحدود الآمنة لإسرائيل وكأنها مقاربة لما كان يسمى بخط الهدنة عام 1949 ، بما يعنى عدم القبول الأمريكى بمبدأ الإنسحاب الكامل ، واختلف الوضع  بالنسبة لمصر ، حيث تضمنت المبادرة الإنسحاب الكامل من سيناء واعتبار الحدود الآمنة لإسرائيل هى الحدود الدولية لمصر مع إسرائيل ، مع عدم عودة غزة للإدارة المصرية ، وعدم عودة شرم الشيخ للسيطرة المصرية وعدم استبعاد وضع شرم الشيخ تحت إشراف قوات دولية ، واقترحت واشنطن اتباع أسلوب رودس عام 1948 فى المفاوضات بدلا من المفاوضات المباشرة . ورفضت إسرائيل كل بنود هذه المبادرة وتحفظت بالنسبة لمصر حيث طالبت إسرائيل بضرورة أن تكون سيناء منزوعة السلاح ، وأن تكون المفاوضات مباشرة . واتفق جمال عبد الناصر مع الأردن على الإبقاء على الحوار مع واشنطن وعدم إغلاق الباب أمامه ، مع التزام مصر بالصمت بالنسبة للمبادرة وبدون أى  تعليق يُظهر الرفض أو القبول لها ، وخاصة بعد أن بادرت إسرائيل برفض المبادرة ، وانعقدت القمة العربية فى الرباط فى 20 ديسمبر 1969 من أجل تحقيق قومية المعركة واشتراك جميع الدول العربية فيها .

تيقن جمال عبد الناصر من ضرورة استمرار حرب الإستنزاف ومواصلة القتال من أجل تحرير الأرض بالقوة المسلحة وأن ما أُخذ بالقوة لن يسترد بغيرها ، وتزايد الشعور المعادى لأمريكا فى الوطن العربى . وقامت خلال ذلك الثورة فى السودان ثم ثورة الفاتح من سبتمبر 1969 فى ليبيا بما حقق دعما وعمقا استراتيجيا جديدا وكبيرا للمعركة القادمة ، كما تم توقيع اتفاق عسكرى فى أغسطس 1969 بين مصر وسوريا ، انبثقت عنه قيادة سياسية للمعركة تم تشكيلها من رئيسى الدولتين وعضوية وزراء الدفاع والخارجية فى البلدين . واستمر تدفق الأسلحة السوفييتية على مصر ، مما ساعد مصر على البدأ فى تجهيز المواقع الضرورية لقواعد الصواريخ بمنظومة الدفاع الجوى ضد طيران العدو المتفوق ، وبلغت خسائر المدنيين الذين اشتركوا فى بناء تلك القواعد 4000 شهيد أثناء هجمات طيران العدو الليلية . واستمر أثناء ذلك التصعيد الناجح للعمليات العسكرية المصرية  ضد إسرائيل بالقوات الخاصة التى كانت تعبر القناة بصفة مستمرة  ، كما تمكنت شبكة الدفاع الجوى قبل استكمالها من إسقاط 13 طائرة فانتوم وسكاى هوك فى الأسبوع الأول من شهر يوليو 1970 وأسر خمسة من الطيارين ، مما ترتب عليه أن قامت إسرائيل بإبلاغ واشنطن بأن سلاح الطيران الإسرائيلى بدأ يتآكل . فدفع ذلك الولايات المتحدة إلى التقدم بمبادرة بدت متوازنة إلى حد ما ، وكانت هى مبادرة روجرز الثانية للحفاظ على المصالح الحيوية الأمريكية فى المنطقة بعد الأخطار المتزايدة ضد إسرائيل نتيجة تصاعد حرب الإستنزاف من ناحية ، ونتيجة  لفعالية التنسيق العسكرى بين دول المواجهة الذى استند على دعم عربى جدى وواضح ، علاوة على أن الوجود العسكرى السوفييتى كان تحذيرا كافيا ببداية انقلاب لموازين القوى فى المنطقة ، حيث قام الإتحاد السوفييتى لأول مرة فى تاريخه بإرسال طيارين مقاتلين بطائراتهم لدولة غير شيوعية – هى مصر - للدفاع عن سماء مصر ، خاصة بعد أن تبين أن الولايات المتحدة قد أرسلت هى الأخرى طيارين إلى إسرائيل يحملون جنسية مزدوجة واشتركوا فى الغارات على مصر وتم أسرهم بعد إسقاط طائراتهم .


يتبع .........
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

mi-17

مشرف
مشرف

avatar








مُساهمةموضوع: رد: هنري كيسنجر ومبادره روجرز    الثلاثاء أبريل 19 2016, 19:05

مبادرة روجرز الثانية والإنبهار بكيسينجر

تتلخص مبادرة روجرز الثانية فى قبول كل من مصر والأردن من جهة وإسرائيل من جهة أخرى الإلتزام بوقف إطلاق النار لمدة ثلاثة أشهر ابتداءا من أول يوليو حتى أول أكتوبر عام 1970 على الأقل  لتسهيل مهمة جونار يارنج مبعوث الأمم المتحدة فى الوصول إلى اتفاق سلام دائم وعادل بناءا على رغبة الأطراف فى تنفيذ قرار مجلس الأمن 242 بكل أجزائه بما فى ذلك الإنسحاب الإسرائيلى من "أراض" from territories احتلت خلال نزاع عام 1967 ! ،
 هذا غير بعض الشروط الأخرى المصاحبة لوقف إطلاق النار سوف نأتى على ذكرها بعد ، وأرسل روجرز  برسالة إلى محمود رياض وزير خارجية مصر (المصدر : مذكرات محمود رياض) فى 20 يونيو 1970مرفقا بها المبادرة ، وجاء فى نص الرسالة مايلى :
 " أن وزير خارجية إسرائيل أبا إيبان قال أخيرا أن إسرائيل على استعداد لتقديم تنازلات عندما تبدأ المباحثات ، وفى الوقت نفسه فإن المشاركة المصرية فى مثل هذه المحادثات ستؤدى إلى التغلب على التشكك الإسرائيلى فى أن حكومتكم تسعى بالفعل للتوصل إلى سلام معها"
، وقام دونالد بيرجس القائم على رعاية المصالح الأمريكية بالقاهرة بتسليم رسالة روجرز مع نص المبادرة إلى السفير صلاح جوهر وكيل وزارة الخارجية المصرية فى الساعة التاسعة والنصف من صباح يونيو 1970 ، حيث كان وزير الخارجية محمود رياض مصاحبا للرئيس جمال عبد الناصر فى زيارة رسمية إلى ليبيا ثم إلى موسكو للإجتماع مع القادة السوفييت ، كما قام دونالد بيرجس فى الوقت نفسه بتسليم السفير صلاح جوهر مذكرة ملحقة تضمنت بعض التفسيرات والتفاصيل من بينها : "أن تضع الجمهورية العربية المتحدة فى اعتبارها أن الولايات المتحدة تطلب بناءا على مبادرة روجرز من إسرائيل تنازلات سياسية مهمة وخاصة فيما يتعلق بموافقتها على الدخول فى مفاوضات غير مباشرة بدلا من المفاوضات المباشرة ، وموافقتها أيضا على مبدأ الإنسحاب قبل المفاوضات" ، ثم بعثت واشنطن بإضافة شفوية بعد هذه الرسالة بناءا على استفسارات من القاهرة جاء فيها : "إن الولايات المتحدة الأمريكية تعترف بأن الفلسطينيين يمثلون طرفا مهما يجب أن تؤخذ اهتماماته فى الحسبان عند أى تسوية"  .
 وبذلك فقد عادت واشنطن إلى التفسير المقبول لدى العرب للقرار 242 باعتباره يتضمن حلا للمشكلة وليس مجرد مبادئ يتم التفاوض بشأنها ، كما عدلت عن تبنى الرأى الإسرائيلى الذى كان ينادى بإصرار على إجراء مفاوضات مباشرة وعن تبنى الرغبة الإسرائيلية فى عمل حل وصلح منفرد مع مصر .

وأعلن جمال عبد الناصر قبوله لتلك المبادرة يوم 23 يوليو فى العيد الثامن عشر للثورة ، حيث وجد أن قبولها أمر ممكن لمجرد إعطاء فرصة للقوات المسلحة لإلتقاط الأنفاس واستعادة كفاءتها القتالية بعد حرب استنزاف متصلة قرابة الخمسمائة يوم . ولم يكن عبد الناصر يعتقد فى نجاح هذه المبادرة ، حيث صرح أمام اللجنة التنفيذية العليا للإتحاد الإشتراكى بأنه لايعتقد بأن يكون لهذه المبادرة أى نصيب للنجاح أمام التعنت الإسرائيلى المتوقع فى تفسير عبارة "الإنسحاب من أراض" وأمام التعنت فى تحديد الحدود الآمنة لها ، وهذا ماقاله أيضا عبد الناصر فى اجتماعه مع بريجينيف يوم 16 يوليو أثناء زيارته للإتحاد السوفييتى . إلا أن القيادة الفلسطينية (المتمركزة بقواتها بالأردن فى هذا الوقت)  رفضت تلك المبادرة وسارعت باتهام عبد الناصر والملك حسين بالخيانة ، وتوترت العلاقة بين القوى الفلسطينية والأردن إلى درجة وقوع التصادم المسلح بين الجانبين ، وأكدت القوى الفلسطينية  على وحدة الشعب فى الساحة الأردنية الفلسطينية ورفض تقسيم البلاد إلى دويلة فلسطينية ودويلة أردنية . وسارع عبد الناصر إلى إطفاء الحريق ، وتم عقد قمة عربية غير عادية بالقاهرة لوقف إطلاق النار بالأردن بين الفلسطينيين والجيش الأردنى ، وتم إخراج ياسر عرفات من عمان إلى القاهرة ، وانتهت أعمال القمة يوم 27 سبتمبر 1970 ، وفى المساء نقلت وكالات الأنباء خبر وفاة عبد الناصر ، ولم يمتد العمر بجمال عبد الناصر حتى نهاية المدة المحددة لوقف إطلاق النار ، ولم تجد مبادرة روجرز أى فرصة بعد ذلك لكى توضع موضع التنفيذ كما توقع عبد الناصر .

ويقول الجمسى فى مذكراته عن حرب أكتوبر (الطبعة الأولى 1989) بالصفحة 184 : "تقدمت أمريكا بمبادرة سميت "مبادرة روجرز" وتقضى المبادرة التى أعلنتها أمريكا يوم 19 يونيو 1970 بإيقاف إطلاق النار بين مصر وإسرائيل لمدة 90 يوما ، وأن يستأنف السفير يارنج عمله لوضع قرار مجلس الأمن 242 موضع التنفيذ" .

"وافقت مصر وإسرائيل على قبول المبادرة ، على أن يسرى وقف النيران اعتبارا من الساعة الواحدة من صباح 8 أغسطس 1970 بتوقيت القاهرة ولمدة تسعين يوما . ونص الإتفاق على أن يمتنع الطرفان عن تغيير الوضع العسكرى فى داخل المنطقة التى تمتد 50  كم  شرق وغرب القناة . ولايحق للطرفين إدخال أو إنشاء أية مواقع عسكرية فى هذه المناطق ، ويقتصر أى نشاط على صيانة المواقع الموجودة وتغيير وإمداد القوات الموجودة فى هذه المناطق ."

"قامت مصر باستكمال تجهيز المواقع الضرورية لشبكة الدفاع الجوى ، وتم ذلك بسرعة ومجهود كبير قبل موعد سريان وقف إطلاق النار ، ووجدت إسرائيل نفسها صباح اليوم التالى لوقف إطلاق النار أمام شبكة متكاملة من مواقع صواريخ الدفاع الجوى فى صورته النهائية دون خرق بنود الإتفاق بمجرد سريانه . لقد كان عملا ممتازا ، لم تتصور إسرائيل أنه يمكن إنجازه . وبذلك فرضت قوات الدفاع الجوى الغطاء بالصواريخ لكل منطقة القناة ، وكان ذلك اللبنة الأولى فى صرح الإنتصار الذى حققته القوات المسلحة فى حرب أكتوبر . وهكذا انتهت حرب الإستنزاف لتبدأ مرحلة الإعداد (يقصد التخطيط) لحرب أكتوبر ." – انتهى الإقتباس من مذكرات الجمسى .

رحل الرئيس عبد الناصر ، وترك روجرز منصبه إلى هنرى كيسينجر عام 1971 دون أن ترى مبادرته النور إلا ماتحقق منها من تجدد متكرر لوقف إطلاق النار لمدة ثلاث سنوات وشهرين مع رئاسة السادات لمصر بما كان يسمى بفترة اللاحرب واللاسلم ، حتى قامت حرب أكتوبر المجيدة عام 1973 . وكان الدور الجديد الذى لعبه هنرى كيسينجر من خلال جولاته المكوكية هو التحضير لوقف القتال على الجبهتين المصرية والسورية كمبعوث للإدارة الأمريكية والبحث عن مخرج للمأزق الإسرائيلى على أرض المعركة ، ووجد كيسينجر ضالته فى الخلاف بين الرئيس السادات والفريق سعد الدين الشاذلى رئيس هيئة أركان حرب القوات المسلحة فى الشأن العسكرى أثناء سير العمليات العسكرية ، والذى كانت نتيجته ثغرة الدفرسوار وحصار الجيش الثالث الميدانى .
 وبدأ كيسينجر العمل على تحقيق رؤيته للوضع فى المنطقة العربية ، وخلق نظام إقليمى جديد عن طريق التفاوض يخضع للهيمنة الأمريكية الإسرائيلية ، وهو الذى فتح بوابة العبور لإتفاقية كامب دافيد . وعلى الرغم من أن كيسينجر  لم يكن موجودا ضمن الإدارة الأمريكية فى محادثات السلام المصرية الإسرائيلية إلا أنه كان المنسق الروحى لتلك المحادثات فى عهد الرئيس الأمريكى جيمى كارتر ، حيث استعان به كارتر لرسم سياسة التفاوض التى أدت فى النهاية إلى توقيع الإتفاقية ، وحسب ماجاء فى مذكرات جيمى كارتر يقول كارتر : أنه كان يدعو كيسينجر لتناول الطعام معه ومع زوجته روزالين ليقدم له خطته مع السادات ويلتمس منه رأيه ، وكان كيسينجر يعتقد أن عليه – أى على كارتر – أن يطمئن السادات دائما أثناء مباحثات كامب دافيد بأنه لن يتركه وحيدا أمام خصومه فى أى ظرف من الظروف ، وخاصة مع تمسك مناحم بيجين فى عدم إعادة الضفة الغربية وعدم إخلاء المستوطنات الإسرائيلية من اليهود بسيناء ، لأنهم سوف يغادرونها من تلقاء أنفسهم بعد الإنسحاب من سيناء . ونجحت خطة كيسينجر فى عزل مصر تماما عن الصراع العربى الإسرائيلى ، وكان هذا العزل أقصى مايمكن أن يحلم به كيسينجر وتحلم به إسرائيل أيضا منذ إعلانها كدولة على الأرض الفلسطينية .

وكان الرئيس السادات معجبا جدا بشخصية هنرى كيسينجر ، فقد قال أنيس منصور عن السادات فى كتاب  "من أوراق السادات"  (الطبعة الرابعة / دار المعارف) وهو عبارة عن سرد لذكريات وخواطر السادات أملاها  السادات بنفسه على الكاتب أنيس منصور فى عدد من الجلسات استغرقت أحدها 18 ساعة حسب قوله ، ثم صاغها أنيس منصور وأعدها للنشر ، وذكر فيها أنيس منصور عن لسان السادات بأكثر من 15 صفحة الأسباب التى أدت فى النهاية إلى إنبهار السادات بكيسنجر وصداقته الحميمة له ، ولتلك الأسباب أيضا نجح كيسينجر حسب قول السادات فى الصفحة 268 من الكتاب المذكور فى أن يكون مستشارا للأمن القومى لخمسة من الرؤساء الأمريكان هم أيزنهاور وكنيدى وجونسون ونيكسون وفورد ، واستطاع أن يكون الرجل الثانى فى أمريكا عندما أصبح وزيرا لخارجية نيكسون وفورد من بعده ، ولم يحدث حسب قول السادات فى تاريخ أمريكا أن ارتفع مهاجر فى مثل هذا الوقت القصير – أى منذ سنة 1938 – فأصبح فى مثل هذا المكان الرفيع ، ويقول السادات فى ص 256 من الكتاب المذكور : " وبعد ساعة واحدة من لقائى بهنرى كيسينجر قلت لنفسى : أخيرا جاءنا من أمريكا رجل يمكن أن أثق به وأعتمد عليه ... " ، وفى ص 270 يقول السادات : "مع كل خطوة تقدم بها كيسينجر ، تأخرنا خطوات فى علاقتنا بالسوفييت .. ولانزال " ... !!




يتبع ........
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

mi-17

مشرف
مشرف

avatar








مُساهمةموضوع: رد: هنري كيسنجر ومبادره روجرز    الثلاثاء أبريل 19 2016, 19:07

كيسينجر والنزاع العربى الإسرائيلى

يقول كيسينجر فى مذكراته (سنوات البيت الأبيض White House Years ) : إن ضحايا اليهود ، وما أقدم عليه حكم النازى بألمانيا من اضطهاد دموى مأساوى لليهود ، أضاف طابعا معنويا لتشكيل دولة يهودية . ولم تنشأ هذه الدولة وتعترف بها الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1947 ، إلا بعد أن دافعت عن استقلالها ضد جيرانها العرب . وبعد ألفى عام من الإضطهاد ، حقق الشعب اليهودى الذى تسانده العقيدة هذا الحلم الذى كان طيلة أجيال أقوى من الواقع المأساوى .

ويقول : فى الخامس من يونيو 1967 ، أجرى الشعب اليهودى انفجارا هائلا حقيقيا خارج حدوده ، عُرف بحرب الأيام الستة ، حين قامت إسرائيل بهجوم مفاجئ دمرت فيه وبضربة واحدة القوة الجوية المصرية ، وانتهت الحرب فى ستة أيام ، احتلت فيها إسرائيل أراضى سيناء المصرية وهضبة الجولان السورية والضفة الغربية لنهر الأردن . وكانت هذه الأراضى الجديدة تشكل ثلاث مرات مساحة إسرائيل نفسها .

وزاد التطرف العربى – حسب قول كيسينجر – بعد هزيمة العرب فى يونيو عام 1967 ، وكانت سياسة مصر تمثل المحور الحقيقى التى تدور حوله سياسة البلاد العربية التى كانت شعوبها مازالت تنساق باندفاع وراء زعامة عبد الناصر بطبيعته التى يغلب عليها التقلب وسرعة الإنفعال (.. which was still driven by the volatile Nasser) . كما زاد مع الهزيمة تنامى الوجود الفلسطينى المتطرف بالأردن ولبنان الذى كان وجوده متحفزا وعدوانيا لإسرائيل ، وأدى ذلك إلى انطلاق لايتوقف لحرب العصابات الفلسطينية من الأراضى الأردنية واللبنانية ضد إسرائيل ، ذلك إضافة لإزدياد  نفوذ الإتحاد السوفييتى بصورة أكبر فى المنطقة نتيجة دعمه العسكرى الضخم لمصر وسوريا والعراق ، فعزز هذا من صلابة وعناد السياسة العربية ، وظهر ذلك جليا بمؤتمر القمة العربى  الذى انعقد بالخرطوم فى نهاية شهر أغسطس 1967 ، حيث اتفق العرب جميعهم على اللاءات الثلاث : لا للسلام مع إسرائيل ، ولا للمفاوضات مع إسرائيل ، ولا للإعتراف بإسرائيل .

وقليلا قليلا – ومازال الكلام على لسان كيسيبنجر - أخذت بعض أجواء العالم العربى تتفهم أن العناد  لن يفيد وسوف يطيل أمد الإحتلال الإسرائيلى . وفى حين كانت سوريا ترفض أى نوع من المفاوضات فإن مصر والأردن كانتا تسعيان – وعلى مضض – إلى مجال لفتح باب للتفاهم  ، يتحقق من خلاله العودة إلى حدود ماقبل الخامس من يونيو عام 1967 مقابل الإعتراف بإسرائيل مع رفض تام للمفاوضات المباشرة ، ومع ذلك كان يحدث بين الأردن وإسرائيل لقاءات سرية مباشرة يتم تسريب بعض أخبارها من مصادر إسرائيلية غير رسمية . وظل هذا كله بعيدا كل البعد عن التجاوب مع الشروط والمتطلبات الإسرائيلية .

ثم كان قرار مجلس الأمن رقم 242 بتاريخ 22 نوفمبر 1967 ، الذى تحفظت على بعض بنوده إسرائيل ، ورفضته سوريا ومنظمة فتح الفلسطينية ، ولم تقبله باقى الأطراف العربية إلا بشروط معينة . ويقول عنه كيسينجر أنه كان يحتوى على عبارات غامضة يفسرها كل طرف حسب بغيته ، وكانت وجهات النظر المتعارضة حوله تزيد من عمق نزاع الشرق الأوسط وتعقده ، وتمنع كل تفاهم حقيقى بين إسرائيل والأطراف العربية حتى قبل البدأ بأى مفاوضات مباشرة أو غير مباشرة . فحين كان يصر عبد الناصر على إنسحاب إسرائيل الكامل من سيناء دون شروط مسبقة وقبل أى مفاوضات غير مباشرة ، دون أن يقدم حافزا واحدا لإسرائيل يمكن أن يشجعها على هذا الإنسحاب ، ودون أن يضرب مثلا تاريخيا واحدا لحالة  تمت فيها تسوية سلمية قبل فيها منتصر فى أى حرب على انسحاب غير مشروط من أرض احتلها وهزم عليها خصمه  ، كانت إسرائيل فى المقابل تصر على المفاوضات المباشرة أولا مع مصر وحدها للوصول إلى اتفاق منفرد معها  يتحقق من خلاله مصلحة الطرفين وأمن إسرائيل . أما حدود قناعة الملك حسين ملك الأردن بالقرار 242  ، فكانت تتمثل فى الوعد الذى حصل عليه من آرثر جولدبرج Arthur Goldberg سفير الأمم المتحدة بالمنطقة باستعادة الضفة الغربية مع بعض تعديلات فى الحدود لصالح إسرائيل ، وأن الأمم المتحدة – طبقا لهذا الوعد - سوف تستخدم نفوذها لإعطاء دور إدارى لمملكته بمدينة القدس المحتلة ، ولكن لم يحدث منذ ذلك الوقت أى مفاوضات مع الملك حسين فى هذا الشأن ، وكان وعد آرثر جولدبرج له كأن لم يكن وليس له أى معنى . أما بالنسبة لسوريا فلم يذكر كيسينجر عنها أى شيئ بمذكراته عند حديثه عن القرار 242 .  وحين أرسل يوثانت الأمين العام للأمم المتحدة جونار يارنج ممثلا له لإجراء اتصالات مع الفريقين العربى والإسرائيلى للوصول إلى وجهات نظر مشتركة بينهما وتحديد موقفهما قبل البدء فى المفاوضات ، وجد أن مواقف الفريقين متعارضة تماما ولا أمل فى التوفيق بينها .

وكانت أدوار القوى الخارجية شديدة التعقيد مثلما كانت أيضا أدوار أبطال المنطقة المحليين الفاعلين على مسرح النزاع العربى الإسرائيلى . فكان الإتحاد السوفييتى يتعصب للجانب العربى ويساند اقتراحاته ، أما البلدان الغربية فكانت نهبا لشعورها النابع عن خوف متوقع من أخطار إقتصادية قد يسببها النزاع مستقبلا ، وكانت  فرنسا أكثر البلاد الغربية نشاطا ، حيث كان رئيسها شارل ديجول يحتضن قضية العرب بعد حرب الأيام الستة . وكان عبد الناصر يحثنا (الإدارة الأمريكية) على الضغط على إسرائيل مقابل إعادة العلاقات الدبلوماسية معنا ، وكانت الأسباب قليلة لدينا لتلبية رغبته ، طالما أن سياسته ترتكز دائما على الإتحاد السوفييتى وتغذى نوايا المتطرفين بالعالم العربى ضد إسرائيل والمصالح الأمريكية بالمنطقة .

ثم يقول كيسينجر : كنت أفكر دائما فى ضرورة تقليص النفوذ السوفييتى فى الشرق الأوسط كخطوة أولى . ومع ذلك عندما استلمت وظيفتى بالبيت الأبيض كمستشار الرئيس للأمن القومى لم يكن لدى متسع لتطبيق ماأفكر به بالنسبة للشرق الأوسط  فيما يتعلق بضرورة إعادة رسم خريطته من جديد (كان كيسنجر منشغلا وقتها بمشكلة فيتنام وغيرها من المشاكل) ، فكنت أقوم فقط بتنظيم المخططات وإسداء النصائح والمطالبة بمداولات فى مجلس الأمن القومى الأمريكى بالنسبة لمشاكل الشرق الأوسط ، ولم أكن مفوضا حتى نهاية عام 1971 بإدارة أى عمل دبلوماسى فى المنطقة العربية إلا فى حالة حدوث أزمات خطيرة ونادرة مثل ماحدث فى سبتمبر عام 1970 على أرض المملكة الأردنية الهاشمية ، عندما بدأ الجيش الأردنى يهاجم بعنف مواقع المنظمات الفلسطينية حفاظا على هيبة وسيادة الدولة الأردنية ، واضطرت المنظمات للإنسحاب من المدن إلى الأحراش القريبة ، فلاحقتها قوات الجيش الأردنى بالأحراش واستأصلت آخر معاقلها بشراسة ووحشية ، فقامت سوريا فى 18 سبتمبر بغزو الأردن للدفاع عن الفلسطينيين إلا أنها اضطرت للإنسحاب بعد ذلك عندما تلقت تهديدات بالتدخل العسكرى من جانب الولايات المتحدة وإسرائيل والمملكة المتحدة (عُرفت تلك الأحداث بأحداث أيلول/سبتمبر الأسود) .

ويقول كيسينجر : كان اندفاع فريق السوفييت والفرنسيين المتعاطف مع القضية العربية ، والضغوط التى كان يمارسها هذا الفريق على البريطانيين فى المداولات الرباعية ، توحى كلها بتحالف غير معلن ضد الولايات المتحدة . كما ثبت لى عدم جدوى المفاوضات الثنائية بيننا وبين الإتحاد السوفييتى الذى يحاول انتزاع الفضل منا فى عمل أى تسوية لنزاع الشرق الأوسط ، وهو فى جميع الأحوال لن يخسر شيئا فى حالة فشل أى تسوية ، وأن الخاسر الوحيد سوف يكون الولايات المتحدة . وخلاصة القول فإنى كنت فى ريبة أن تسعى الولايات المتحدة إلى إيجاد إتفاق عام مع الإتحاد السوفييتى ، فى حين أننا لانعرف على وجه التأكيد ماذا يمكن أن يقدمه العرب من تسهيلات وتنازلات ، وأن المستفيدين من أى اتفاق هم العرب أتباع السوفييت الذين ليسوا بأصدقاء للولايات المتحدة . وكنت أفضل دائما البدأ بالمفاوضات بين الأردن وإسرائيل – ليكون فى المشهد أحد أصدقائنا (يقصد الأردن) ، وأن نؤجل البحث فى إمكانية إجراء مفاوضات بين مصر وإسرائيل . وفى جميع الأحوال كنت معتقدا تماما أن الشرط الأول لأى عمل دبلوماسى ناجح فى الشرق الأوسط يجب أن يبدأ بتقليص دور الإتحاد السوفييتى أو بإقصائه ، حتى إذا ماتحقق أى تقدم فلن يُعزى هذا التقدم إلى أى ضغوط للإتحاد السوفييتى ، وأطلعت الرئيس نيكسون على رأيى وتحفظاتى . وكان نيكسون يخشى أحيانا أن أصلى اليهودى يمكن أن يدفعنى للميل ناحية المصلحة الإسرائيلية على حساب مصالح الولايات المتحدة .

ويقول : كان نيكسون على منوال غيره من الرؤساء حين كان يشجعنى كمستشار له للأمن القومى على رأيى المختلف مع روجرز وزير الخارجية ليستخلص من إختلافنا رأيه وليؤكد نفوذه الخاص . وكان جوزبف سيسكو معاون وزير الخارجية يؤدى دورا جيدا كوسيط بينى وبين روجرز ، حيث أمضى سيسكو أكثر وقته فى هذا الدور على حساب دوره فى الوساطة بين العرب والإسرائيليين . وكان نيكسون يرى فى قضية الشرق الأوسط وسيلة للمساومات مع السوفييت لحملهم على تقديم مساعدات وتسهيلات فى حل قضية فيتنام ، وفى الوقت ذاته لايتجاوز بقرارته فى هذا الشأن رغبات واتجاهات وزارة الخارجية الأمريكية وكافة أعضائها فى حل قضية الشرق الأوسط . فقلت له : أنه فى تقديرى يمكننا الحصول وبطريقة أيسر على تعاون سوفييتى فى فيتنام إن تصرفنا بحذر فى الشرق الأوسط ، حيث أن أتباع السوفييت العرب هم الفريق الأضعف فى النزاع ، وإن تقدمنا باقتراح أو مبادرة لحل النزاع عن طريق المفاوضات ، فإن هذا سوف يعطى الروس الفرصة الذهبية التى كانوا يحلمون بها فى تأكيد وإثبات مساندتهم لأصدقائهم العرب . ولكى يمكن إجتياز تلك المشكلة ، فعلينا أن نخطط بحذر لإنهاء جميع مشاكل النزاع عن طريق حلول جزئية نراها بطريقتنا الخاصة ولاتوصل إلى مايطالب به العرب ، ثم نقدمها للسوفييت وكأنها هى من بنات أفكارهم واقتراحاتهم التى يجب الإتفاق على فرضها على الفرقاء المتخاصمين ، وبحيث لاتمثل  تلك الإقتراحات – فى نفس الوقت - أى التزام نهائى من جانب الولايات المتحدة ، وبذلك نحفظ لأنفسنا حرية التحرك فى جهتين معا ، ونتمكن من ربط  أى محادثات فى نزاع الشرق الأوسط مع السوفييت بمصالحنا الكثيرة فى المنطقة بما فيها عون الإتحاد السوفييتى فى فيتنام . وقبل الرئيس نيكسون رأيى واقتراحاتى كما عرضتها تفصيلا فى حينها .




يتبع ......
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

mi-17

مشرف
مشرف

avatar








مُساهمةموضوع: رد: هنري كيسنجر ومبادره روجرز    الثلاثاء أبريل 19 2016, 19:08

إتصالات سرية ومشروع روجرز للسلام

أشرنا فى الحلقة السابقة أن لقاءات سرية مباشرة بين الأردن وإسرائيل كانت تتم ، ويتم تسريب بعض أخبارها من مصادر إسرائيلية غير رسمية .. ويستمر "كيسينجر" قائلا فى مذكراته :  كان يحدث أيضا اتصالات إسرائيلية  ولكن غير مباشرة مع مصر عن طريق وسطاء رسميين ، من تلك الإتصالات أربعة محاولات إيطالية ، وكانت كل تلك الإتصالات تمثل جميعها قفزا  فوق المشاكل المستعصية لأزمة الشرق الأوسط ، ويتلخص مؤداها أن البحر المتوسط يجب أن لايكون مجالا لسيطرة القوى العظمى وميدانا لحروبها ، وأن يعود  البحر الأبيض لأهله وأصحابه ليجعلوا منه بحيرة سلام وثقافة وحضارة ، وكان آخر اقتراح مقدم فى هذا الشأن هو عقد مؤتمر على شكل لقاء حر بين ممثلين عن كل البلدان المطلة على البحر الأبيض ، يجمع أيضا بين العرب والإسرائيليين ، لكى يتم فيه بحث كل مشاكل تلك البلدان وخاصة مشكلة الشرق الأوسط من الأمن والسلام إلى الثقافة والفن ، وكان عبد الناصر يرفض كل تلك المحاولات الشرق أوسطية لتأكده من خبث مقصدها ، وأنه لاغرض لها سوى تشتيت جهد العرب فيما لايفيد الحل العادل للنزاع العربى الإسرائيلى . فنامت تلك المحاولات الصهيونية الشرق أوسطية لسنوات طويلة ، إلى أن أعيد بعثها من جديد بعد حرب الخليج الثانية برعاية فرنسية إيطالية أسبانية . (حرب الخليج الثانية أو حرب تحرير الكويت 2 أغسطس 1990 إلى 28 فبراير 1991 ، وحرب الخليج الأولى هى الحرب العراقية الإيرانية من سبتمبر 1980 حتى أغسطس 1988) .



وكانت المحاولة الخامسة محاولة رومانية تولاها الرئيس الرومانى "نيكولاى تشاوشيسكو" ملخصها كما وردت موثقة بكتاب هيكل بعنوان "المفوضات السرية بين العرب وإسرائيل ص 158-161" : أنه فى يوم 17 مايو 1970 قابل وزير التجارة الخارجية الرومانى عبد الناصر فى حضور حسن عباس زكى وزير الإقتصاد والتجارة الخارجية فى ذلك الوقت ، وفى حضور السفير الرومانى بالقاهرة . وكان الوزير الرومانى يحمل رسالة من "تشاوشيسكو: إلى عبد الناصر ، وعندما قال الوزير الرومانى لعبد الناصر أن لديه رسالة سرية يريد أن يعرضها عليه ، رد عليه عبد الناصر أن السيد / حسن عباس زكى مسئول كبير بحكومة مصر وأنه موضع ثقة ، وأن الوزير الرومانى يستطيع أن يتحدث بما لديه دون حرج .

فقال الوزير الرومانى أن هناك مبادرة جاءت بطريق رسمى من جانب إسرائيل يرغب فى أن يعرفها السيد الرئيس عبد الناصر ، وأن "شاوشيسكو" بدافع الشعور بالصداقة لمصر قد كلفه بتبليغها شخصيا للرئيس عبد الناصر . وتتلخص المبادرة الإسرائيلية فى خمس نقاط كالآتى :

1.    إن إسرائيل لن تملى شروطا من أى نوع على الدول العربية ، وبالمثل فإن إسرائيل لن تقبل أى تسوية تفرض عليها . إن سيسكو (وكيل وزارة الخارجية الأمريكية المختص بالشئون العربية الإسرائيلية ) أو دوبرنين (السفير السوفييتى فى واشنطن) لن يضعا الحدود بيننا لأنها ليست الحدود بين أمريكا والإتحاد السوفييتى .

2.    إن إسرائيل لاتريد أى شيئ يغير من طابعها القومى كوطن لليهود .

3.    وبالتالى فإن إسرائيل ليست لديها النية لضم أو للإحتفاظ بالأراضى التى تحتلها (Israel has no intention to keep or to annex the territories under its occupation now).

4.    إن التسوية يجب أن تتضمن حلولا عاجلة لإزالة احتمالات خطر تجدد الحرب ، كما أن إسرائيل تريد ضمانات ضد فرض حصار بحرى جديد عليها .

5.    ويجب وجود ضمانات فى شبه جزيرة سيناء حتى لاتكون قاعدة للهجوم على إسرائيل . وفى المقابل فإن إسرائيل على استعداد لإعطاء ضمانات فى أرضها لمصر .

كان جمال عبد الناصر يسمع دون تعليق . وراح الوزير الرومانى يقول إنه "يبدو له أن إسرائيل لديها حلول مقبولة ، ولكنهم لايرون أنه ليس من الطبيعى الإعلان عنها إلا إذا كانت واثقة من أنها داخلة فى محادثات جدية وحقيقية مع مصر" .

وجاء الدور على جمال عبد الناصر طبقا لنص المحضر الموثق (المصدر : كتاب هيكل المذكور من قبل) :

·       "أعرب (عبد الناصر) عن شكه فى أن تكون لدى إسرائيل خطة لحل سلمى . وهو يشعر أن كل ماتطرحه الآن هو مجرد محاولات غامضة هدفها فى واقع الأمر تقويض undermine مركز مصر.

·       إنه (أى عبد الناصر) يتابع مناقشات مجلس الوزراء الإسرائيلى ، وهو يعرف أن أغلبيته تؤيد ضم أجزاء عربية من الأراضى المحتلة لإسرائيل .

·       إن الحل الوحيد الذى يستطيع الموافقة عليه هو الإنسحاب الكامل . ولايمكنه الموافقة على حل يترك القدس لإسرائيل .

·       إن موقفه من الحل واضح ومعلن ، فى الوقت الذى تخفى فيه إسرائيل خططها وتبقيها سرا .

·       إن المستر ناحوم جولدمان قام من قريب بمثل هذه المحاولة التى يقوم بها مستشار جولدا مائير الآن ."

ولم يكن الوزير الرومانى راغبا فى قفل باب المناقشة بهذه الطريقة ، فعاد إلى الإلحاح ، وسأل عبد الناصر : "إذا كان مانقله عن الإسرائيليين لايرضى السيد الرئيس ، فهل يستطيع أن يعرف منه مالذى يقبله ؟" .

فقال جمال عبد الناصر (طبقا لنص المحضر) : "إننى أرغب فى حل سلمى ، وأشعر بقدرتى على إقناع الأمة العربية به إذا وجدته محققا لأمنها ومصالحها . لكنى لست مستعدا للقيام بأى مقامرة . فالموقف العربى جيد ، والأمة العربية كلها واقفة معنا . حتى الذين يختلفون مع توجهاتنا يدعمون موقفنا الإقتصادى . ومطلب الجميع هو الإنسحاب . وهو الشرط الذى يجمعنا سويا كأمة عربية . وبالتالى فنحن عندما نتكلم عن الإنسحاب نعنى ليس فقط من الأراضى المصرية ، ولكن من كل الأراضى العربية . "

ولم تصل محاولة "تشاوشيسكو" الرئيس الرومانى – شأنها شأن محاولات سبقتها - إلى أى نتيجة مع عبد الناصر .

ويقول هيكل فى كتابه المذكور قبل : لم يكن "وليام روجرز" وزير خارجية أمريكا المكلف بالشرق الأوسط ، على استعداد لأن يصل مشروعه للسلام بالشرق الأوسط  (سبق أن تحدثنا عنه من قبل) إلى مثل ماوصلت إليه مبادرات "دكاكين السلام الصغيرة" على حد تعبيره" . وإنما كان يريد استغلال تكليف "ريتشارد نيكسون" له بحل مشكلة الشرق الأوسط ، ويصل فيها إلى نتيجة ناجحة يسبق بها تكليف خصمه اللدود "هنرى كيسينجر" المكلف بحل أزمة فيتنام .

كان مشروع "روجرز" للسلام الذى تحدثنا عنه من قبل لايزال غير مقبول من مصر ، ومع ذلك فإن الحكومة الأمريكية لم تتوقف عن مشروعها لحقيقة أن مصر لم تعلن رفضا صريحا لمشروع روجرز ، وإنما تركته معلقا . ووصف كيسينجر موقف مصر فى مذكراته (النسخة الإنجليزية) "سنوات فى البيض الأبيض ص 688 " : أن مصر استمرت فى تغليف موقفها بالصمت Egypt Continued to envelope itself in Silence ،  ووجدت أمريكا أنه من الملائم أن تبعث بمبعوث خاص إلى القاهرة ، متحسبة لواقع أن قوات سوفييتية بدأت تصل إلى مصر بعد زيارة عبد الناصر السرية إلى موسكو فى يناير 1970 . وكان المبعوث الأمريكى الذى جاء إلى القاهرة هو "جوزيف سيسكو" مساعد وزير الخارجية الأمريكية المختص بشئون الشرق الأوسط ، وقد استقبله عبد الناصر يوم 12 إبريل 1970 .

وقال عبد الناصر لـ "سيسكو" فى هذه المقابلة (المصدر: كتاب هيكل المذكور من قبل ص 163) : أن مشروع "روجرز" بالنسبة له غير مقبول . وأنه ليس مقتنعا بأن الولايات المتحدة وحدها تملك حل المشكلة ، فالإتحاد السوفييتى طرف فى معادلة القوة فى الشرق الأوسط ولايمكن استبعاده بعد كل ماقام به ، وآخر ماقام به هو تحمله مسئولية الدفاع عن العمق المصرى ضد طيران إسرائيل المتفوق – ولكن ذلك ليس قيدا على القرار المصرى . وقال له عبد الناصر : إنه من الأفضل – إذا كانت الولايات المتحدة مهتمة بحل الأزمة ، أن يكون ذلك فى إطار الأمم المتحدة وتحت مرجعية قرار مجلس الأمن رقم 242 ، وأن يكون مشروع روجرز محاولة جادة لتفسير قرار مجلس الأمن وإعطائه طابعا إجرائيا Operational – وهناك بالتأكيد تفسيرات تستطيع تطوير كل مقترحات الحل بحيث تصبح كافية ومقنعة لبقية الدول العربية ، وبالذات سوريا . ثم قال عبد الناصر لـ "سيسكو" : إن هناك باستمرار مشكلة فى أى مشروع تتقدم به الولايات المتحدة ، لأن حجم إرادتها وراء هذه المشروعات مجهول على الأقل بالنسبة للأطراف العربية ، فالولايات المتحدة لاتقيد نفسها بمشروع تتقدم به ، وإنما قد تغيره طبقا للضغوط الصهيونية التى تتعرض لها ، وإذا كان ذلك ، فإن ماتقدمه الولايات المتحدة لايمكن وصفه بأنه حل متكامل ، وإنما هو إقتراح من جانبها ، وإذا كان الأمر أمر مقترحات ، فالأمم المتحدة هى المجال . وإذا كان هناك نية فى جعل المقترحات الأمريكية فاعلة فى حد ذاتها ، فمن الأفضل أن يتم ذلك بالتنسيق مع كل الأطراف قبل تقديم أية مقترحات ، كما أن التشاور مع الأطراف الدولية مهم . وأضاف عبد الناصر قوله : إن اختزال تصورات الحل فى مقترحات أمريكية ، مع ماهو مترسب لدى العرب من تحيز أمريكى لإسرائيل ، كفيل بأن يثير من اللحظة الأولى شكوكا عربية فى أى مبادرة لاتحمل غير "الهوية الأمريكية" .

ولم يكن عبد الناصر بعد هزيمة يونيو 1967 مقتنعا بأن التسوية السلمية متاحة ، وإنما كان اعتقاده أن اختبارا بقوة السلاح هو اختبار ضرورى وحتمى لإقناع إسرائيل بتسوية مقبولة ومعقولة . ونتيجة لعدة اتصالات نشيطة وحوارات مكثفة ، مضافا إليها تزايد حدة حرب الإستنزاف ، وعدم قدرة الطيران الإسرائيلى تهديد العمق المصرى ، طوى روجرز مشروعه ، وتقدم بدلا منه باقتراح بسيط وعام عُرف بإسم "مبادرة روجرز" (تحدثنا عنها من قبل) ، ويقول هيكل : كانت مبادرة روجرز مختلفة عن مشروع روجرز رغم الخلط الذى ساد عند كثيرين فى التفرقة بين الإثنين .  فمشروع روجرز هو مشروع متكامل لحل الأزمة على أساس قرار مجلس الأمن رقم 242 ، ويتكلم عن الإنسحاب وبوضوح لأول مرة فى وثيقة أمريكية ، ولكنه يتكلم أيضا عن التزامات للسلام تكاد تكون قريبة لكل مايطلبه الإسرائيليون ، ومع ذلك فقد رفضه الإسرائيليون ، لأن كلمة "الإنسحاب" كانت كلمة مرفوضة دائما من جانبهم ، وكانت الحكومات الإسرائيلية ترفض أن تسمعها وتصمم على استبدالها بتعبير يؤدى أغراضها ويحقق أطماعها هو "إعادة تمركز القوات " ، وكان رأى "ليفى أشكول" رئيس وزراء إسرائيل فى ذلك الوقت – على سبيل المثال – أن كلمة "إنسحاب" هى كلمة واحدة ملزمة ، ولكن إذا تم استخدام عبارة "إعادة تمركز القوات" فإن ذلك سوف يكون خاضعا لمائة تفسير على الأقل ، وكانت كلمة "الإنسحاب" غير مقبولة على الإطلاق عند الإسرائيليين .



وجاءت مبادرة روجرز (مشروع روجرز) فى 19 يونيو 1970 تقول نصا بمايلى :

"تعلن أطراف النزاع فى الشرق الأوسط ، وتنفذ، وقفا محدودا لإطلاق النار مدته تسعون يوما . وفى هذه الفترة ينشط السفير يارنح (سفير الأمم المتحدة) لينفذ قرار مجلس الأمن رقم 242 ، وبالتحديد فيما يتعلق بالتوصل إلى اتفاق على سلام عادل ودائم يقوم على الإعتراف المتبادل والسيادة ووحدة الأراضى والإستقلال السياسى . وتقوم إسرائيل بسحب قواتها من أراض احتلتها فى معركة 1967 ."

وأعادت مبادرة روجرز إطار التسوية إلى الأمم المتحدة وليس إلى الولايات المتحدة ، كما أنها لم تكن عرضا مقدما لمصر وحدها ، وإنما إطار مفتوح لكل الجبهات . ثم أنها أعادت المرجعية إلى قرار مجلس الأمن 242 . وأكدت لأول مرة تعهد الولايات المتحدة بضرورة  إنسحاب القوات الإسرائيلية من الأراضى العربية رغم أنها – مثل قرار مجلس الأمن تحدثت عن "أراض" وليس عن "الأراضى" المحتلة .

وكان رأى مصر ألا تسارع بالرفض ، وكان رأى عبد الناصر الذى أعلنه فى خطاب عام أن نسبة نجاح تلك المبادرة لن يزيد عن نصف فى المائة  ، وفى 21 يونيو – بعد يومين من تاريخ المبادرة – كانت إسرائيل هى التى سارعت إلى إعلان رفضها لـ "مبادرة روجرز" ، لأن كلمة "الإنسحاب" كانت كلمة مرفوضة دائما من جانب الإسرائيليين كما قلنا من قبل .

ويتساءل كيسينجر : ماهى الحكمة إذن من اتخاذ قرار ترفضه إسرائيل ومصر . ثم يقول كيسنجر مستشار الرئيس نيكسون للأمن القومى : أنه فى إجتماع لمجلس الأمن القومى ، انتقد نيكسون وزير خارجيته روجرز ومساعده لشئون الشرق الأوسط سيسكو متسائلا : هل فاوضتم الإسرائيليون فى شروطهم، وماهو رد فعلهم حسب تقديركما فيما إذا قبلنا بالعودة إلى حدود عام 1967 ؟ ، فأكد روجرز وسيسكو أن الإسرائيليين يرفضون الإنسحاب إلى حدود عام 1967 ، وأنه قد تم مناقشتهم فى هذا الشأن كثيرا ، فقرر الرئيس نيكسون المحافظة على المفاوضات بمستوى بسيط وبطريقة ناعمة مع العرب حتى مقابلته للسيدة جولدا مائير ، وأمر أن تجرى خلال ذلك دراسة شروط التسوية التى تقترحها مصر وسوريا والأردن .

ويقول كيسنجر : أن جولدا مائير صرحت أثناء ذلك بأن روجرز فى مبادرته كان يفسر خواطره وأحلامه ، ويجب أن يعلم أن القوتين الأعظم (أمريكا والإتحاد السوفييتى) لايستطيعان عقد الصلح والتسوية نيابة عن أطراف النزاع  الحقيقى على الأرض .. ويقول كيسينجر : ""فى هذا الجو المشحون عقدت اجتماعا مع مجلس الأمن القومى لبحث اقتراح بديل لمبادرة روجرز وهو إن كنا قادرين على تقديم مشروع سلام منفصل بين الأردن وإسرائيل ، يتبعه مشروع سلام آخر منفصل مع مصر" ... !!

وأثناء وجود عبد الناصر فى زيارة للإتحاد السوفييتى من 29 يونيو وحتى 18 يوليو (زيارة عمل وعلاج ) تم إبلاغه بنص مشروع روجرز ، وفى 16 يوليو قابل بريجينيف وأخبره بنيته فى قبوله ، ودهش بريجينيف وتساءل عما إذا كان فى نيته قبول مشروع ممهور بالعلم الأمريكى ؟ ، فرد عبد الناصر عليه بأن هذا هو مايريده تماما فلابد من وقت نلتقط فيه الأنفاس لإستكمال بناء مواقع صواريخ الدفاع الجوى ، وإعطاء قواتنا فترة قصيرة من الراحة ، ولتقليل خسائرنا من المدنيين ( كان يبنى المواقع شركات قطاع المقاولات العام ، وكان كل موقع يشرف عليه ضابطا واحدا من سلاح المهندسين) . واستمر عبد الناصر قائلا : نحن نحتاج إلى إيقاف إطلاق النار ، بالرغم من أننا نعتقد أن فرص نجاح المبادرة لاتزيد عن نصف بالمائة ، وإسرائيل لن تحترم إيقاف إطلاق النار إلا إذا كان ممهورا بالعلم الأمريكى . (المصدر : هيكل وموثق ، وأيضا  كتاب أمين هويدى  / حرب الإستنزاف طبعة أولى عام عام 1975 ) –

___________

( أمين هويدى كان مستشارا سياسيا لعبد الناصر ثم وزيرا للحربية بعد هزيمة يونيو 67 مباشرة حتى 25 أغسطس 67 ، ثم خلفه الفريق أول محمد فوزى صاحب الفضل فى إعادة بناء القوات المسلحة من جديد ، وانتقل أمين هويدى بعد ذلك لرئاسة المخابرات العامة حيث أشرف على عملية بطولية كبيرة قام بها أبطال مصر من الضفادع البشرية وهى تدمير "حفار" استأجرته إسرائيل لتحفر فى مياه خليج السويس بحثا عن مزيد من البترول فى مياه خليج السويس ، تنفيذا لمنطق فرض الأمر الواقع على أرض لاتملكها ، والحفار كان حفارا إنجليزيا اشترته شركة أمريكية كندية سجلت نفسها بالولايات المتحدة ويجره جرارا هولنديا ، أى أنه كان حفارا دوليا .. !! ،  وسميت تلك العملية بعملية "الحفار" وأطلق عليها وقت التخطيط لها وتنفيذها  الإسم الكودى "الحج" ، وتمت العملية بنجاح مذهل حيث تم نسف وتدمير الحفار بميناء أبيدجان بساحل العاج فى صباح يوم 8 مارس 1970 ، وعاد أبطال مصر جميعهم إلى أرض الوطن سالمين . )

_______________

وفى يوم 22 يوليو 1970 سلم محمود رياض وزير خارجية مصر رد القاهرة على مبادرة روجرز وجاء فيه : "إن إنسحاب إسرائيل من كافة الأراضى العربية التى احتلتها نتيجة لعدوانها على الدول العربية فى 5 يونيو 1967 أمر أساسى لتحقيق السلام فى المنطقة ، وأن تحرير الأراضى العربية واجب وطنى أكده ميثاق الأمم المتحدة الذى ارتبطنا به جميعا " .. وجاء فيه : " أننا على استعداد لأن نؤكد من جديد للسفير يارنج استعدادنا لتنفيذ كافة بنود قرار مجلس الأمن وتعيين مندوب عنا للتباحث معه لتنفيذ هذا القرار . ولإمكان تحقيق ذلك فإننا على استعداد لقبول وقف إطلاق النيران لفترة محدودة لثلاثة أشهر وفق اقتراحكم مع اعتقادنا بأن المنهاج الصحيح الذى يجب البدء به فى هذه الحالة هو المبادرة بوضع جدول زمنى لإنسحاب القوات الإسرائيلية من الأراضى المحتلة"

وكان رد وزير الخارجية إعلانا من القاهرة على العالم بموافقة مصر على مبادرة روجرز ، ودخلت المبادرة (المشروع) حيز التنفيذ ببدأ وقف إطلاق النيران الساعة الواحدة من صباح السبت 8 أغسطس 1970 ولمدة 90 يوم  . وكما ذكرنا بالحلقة الثانية على لسان الجمسى بمذكراته : أنه قد تم استكمال تجهيز المواقع الضرورية لشبكة الدفاع الجوى ، وتم ذلك بسرعة ومجهود كبير قبل موعد سريان وقف إطلاق النار ، وبذلك انتهت فترة حرب الإستنزاف لتبدأ فترة التخطيط لحرب أكتوبر .

ومن ناحية أخرى استمر رفض إسرائيل للمبادرة لمدة شهر كامل من أواخر يونيو حتى أواخر يوليو 1970 ، عاشت فيها إسرائيل دوامة عنيفة خرجت منها وقد قبلت مضطرة بـ "مبادرة روجرز" ، وأدى قبولها إلى إنفراط الإئتلاف الوزارى لحكومة الحرب الذى بدأ مع قرار الحرب فى يونيو 1967 .. أما لماذا اضطرت إسرائيل لقبول المبادرة ، فسوف نوضح ذلك فى الحلقة القادمة بإذن الله .




يتبع .......
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

mi-17

مشرف
مشرف

avatar








مُساهمةموضوع: رد: هنري كيسنجر ومبادره روجرز    الثلاثاء أبريل 19 2016, 19:10

أسباب قبول إسرائيل لمبادرة روجرز

ونذكر هنا استكمالا للحلقة السابقة  أسباب قبول إسرائيل لمبادرة روجرز الثانية (مشروع روجرز)  بعد إعلان رفضها لتلك المبادرة ، وتمسكها بهذا الرفض لشهر كامل عاشت فيه الحكومة الإسرائيلية التى تشكلت مع حرب يونيو 1967 كحكومة حرب إئتلافية إلى أن إنفرط عقد هذا الإئتلاف مع قبول جولدا مائير لتلك المبادرة . وبمناسبة ذكر جولدا مائير رئيسة وزراء إسرائيل فى ذلك الوقت ، فمن المهم أن نذكر هنا أن كيسينجر كان معجبا بها جدا كأحد مؤسسى دولة إسرائيل ، وكانت عقيدتها أن كل بوصة من الأرض تحارب من أجلها إسرائيل هى رمز لبقاء شعبها حيا ، وحسب قول كيسينجر فى مذكراته :

She was a founder of her country. Every inch of land for which Israel had fought was to her a token of her peopl's survival   .

ويقول كيسينجر أن جولدا مائير كانت تتصرف نحوه كعمة حنون تجاه ابن أخ تختصه بحبها ، وأن زوجته كانت تميل إلى القول : بأن هناك شيئ من الأداء الدرامى المسرحى الزائد تلاحظه بين جولدا مائير وبينه حين يختلفان على أمر ما . أما بالنسبة لروجرز وزير خارجية الولايات المتحدة فيقول كيسينجر : كانت جولدا مائير تعامله وكأن مبادراته لاتحتمل أى صواب ، وأنها متأكدة لو أنه أخذ فرصة كافية مع نفسه فسوف يتضح له سوء الفهم الناتج عن مبادراته السريعة التلغرافية وعدم ملاءمتها المحتومة  وأن مصير مبادراته سوف يكون دائما إلى لاشيئ ، وعندئذ – عندما يتضح له ذلك ، فسوف تعد بالعفو عنه .. !! . وأنقل النص الإنجليزى الكامل لما سبق على لسان كيسينجر بمذكراته الجزء الثانى الفصل العاشر ص 444 :

To me she acted as a benevolent aunt toward an especially favored nephew. My wife is fond of saying that some of the most dramatic theatrical performances she witnessed were between Golda Meir and me when we disagreed. Mrs. Meir treated Secretary Rogers as if the reports of his views could not possibly be true; she was certain that once he had a chance to explain himself the misunderstandings caused by the inevitable inadequacy of reporting telegrams would vanish; she then promised forgiveness.

ومن هنا نستطيع أن نتفهم مدة قوة تأثير الإسرائيليين على مراكز صنع القرار بالولايات المتحدة ، وخاصة حين نعلم أن قد تم تعيين  كيسينجر فيما بعد وزيرا للخارجية – وهو الذى كانت تتصرف جولدا مائير نحوه  كعمة حنون - بدلا من روجرز المسكين . وكان كيسينجر بعد ذلك هو نفسه محل إعجاب شديد من السادات ومحل ثقته ، حيث قال السادات  بالنص فى أول مقابلة لكيسينجر : "" وبعد ساعة واحدة من لقائى بهنرى كيسينجر قلت لنفسى : أخيرا جاءنا من أمريكا رجل يمكن أن أثق به وأعتمد عليه ... "" .. !!

______________________________

ونعود الآن  إلى أهم الأسباب التى دعت إسرائيل لقبول مبادرة روجرز :

السبب الأول : تزايد الوجود السوفييتى العسكرى فى مصر أدى إلى وضع بالغ الحساسية فى المنطقة  بالنسبة للولايات المتحدة ، ففى 1 يناير 1970 وقبل زيارة عبد الناصر السرية إلى موسكو – حسب قول هيكل - كان عدد الخبراء السوفييت فى مصر طبقا لتقديرات المخابرات الإسرائيلية يتراوح مابين 2500 خبير إلى 4000 خبير . وفى 31 مارس 1970 – بعد الزيارة السرية لعبد الناصر – وصل العدد طبقا لنفس التقديرات إلى مابين 6560 و 8080 خبيرا سوفييتيا . كما ظهرت 22 بطارية دفاع جوى سام 3 لم تكن موجودة من قبل ، وفى 30 يونيو 1970 ظهرت فى مصر طبقا لتقديرات المخابرات الإسرائيلية مابين 100 إلى 150 طيارا سوفييتيا وحوالى 120 طيارة مقاتلة ميج 21 ج س ، وزاد عدد الخبراء السوفييت إلى مابين 10600 و 12150 ، وزادت بطاريات صواريخ الدفاع الجوى إلى مابين 45 إلى 55 سام 3 ... هذا مايقوله هيكل ولايختلف كثيرا عما قاله كيسينجر فى مذكراته "سنوات البيت الأبيض " الجزء الثالث من النسخة الإنجليزية ص 684 الجزء الثالث فصل 14 ، حيث قال : أنه فى 10 يونيو إجتمع مجلس الأمن القومى NSC ، حيث لخّص هلمز Helms  مدير المخابرات المركزية الأمريكية CIA تدهور الموقف بالمنطقة بتواجد من 4 إلى 5 أفواج صواريخ دفاع جوى سوفييتى سام 3 ، ومن 3 إلى 5 أسراب ميج 21 س يقودها طيارين سوفييت ، وعدد من المحاربين الروس يصل عددهم إلى 10 آلاف محارب منذ مارس ، وتزايدت كثيرا قدرة مصر على تدمير الطيران الإسرائيلى  ، وأصبح التساؤل الرئيسى  إذا ماكان السوفييت سوف يحركون صواريخ سام 3 وطائراتهم المقاتلة فى اتجاه قناة السويس ، وهل سيمنع ذلك إسرائيل من تحديهم عند اقترابهم ، وعلى كل حال سوف يتغير الموقف كثيرا وبطريقة سريعة ضد مصلحة إسرائيل ..

وخسرت إسرائيل عددا ليس قليلا من الطائرات حين حاولت تهديد العمق المصرى فتصدى لها الطيارين السوفييت وصواريخ  الدفاع الجوى سام 3 ، واضطر نيكسون إلى تعويض خسائرها بناءا على إقتراح كيسينجر .

Nixon the same day approved my suggestion to replace Israeli aircraft losses with up to eight Phantoms and twenty Skyhawks in 1970.(Source:Page 674 part 3 chapter XIV)

وأخذ كيسينجر يتساءل لماذا وافق عبد الناصر على مبادرة روجرز ، وطرح كيسينجر وقتها حسب قوله فى مذكراته عدة إجابات كان من بينها أن عبد الناصر قد يكون مصمما منذ البداية أن يستفيد من عرض الولايات المتحدة بوقف إطلاق النار كأحد بنود المبادرة لتغطية تحرك منظومة صواريخ الدفاع الجوى إلى الأمام ناحية القنال بأقل خسائر . (أذكر هنا –كاتب تلك الحلقات - وكنت مشرفا على بناء أحد مواقع الصواريخ القريبة من قناة السويس ، أنه قد تم الإنتهاء منها جميعا رغم هجمات طيران العدو الليلية ومع أول ضوء يوميا قبل سريان وقف إطلاق النار ، وكان الجمسى صادقا فى مذكراته حين قال أنه قد تم استكمال بناء جميع مواقع صواريخ سام 3 قبل سريان وقف إطلاق النار فى 8 أغسطس 1970 / عاطف هلال) . ويقول إيلى زاعيرا رئيس المخابرات الحربية الإسرائيلية بمذكراته "حرب يوم الغفران" ص 44 (الناشر : المكتبة الثقافية - بيروت 1996) : " فى شهر يوليو 1970 حدث التحول الحاد بالنسبة لحرية العمل الجوى لإسرائيل فى منطقة قناة السويس . وعن هذه النقطة كتب الطيار المعروف أليعازر كوهين قائلا : فى شهر يوليو آخر شهور حرب الإستنزاف كان يتم إسقاط طائرات الفانتوم بمعدل وبكمية غير متوقعة ، وأدى ضياع أفضل الطيارين والملاحين إلى زعزعة هيئة الأركان والقيادة السياسية ، وإلى خفض الروح المعنوية وبث الرعب فى قلوب صانعى القرارات .... وهذه الهزيمة التى منى بها السلاح الجوى ، دفعت قادته إلى أن يفكرو بصورة جذرية فى مشكلة الصراع بين الصاروخ والطائرة " .

وما يؤكد صدق حقيقة  استكمال منظومة صواريخ الدفاع الجوى وتغطيتها لعمق مصر ولمنطقة قناة السويس ، أنه حسب قول كيسينجر بمذكراته  فى ص 690-691 : أن جولدا مائير أرسلت خطابا مريرا للرئيس نيكسون فى 1 يوليو 1970 ، أشارت فيه  إلى أن صواريخ الدفاع الجوى المصرى سام 2 وسام 3 أصبحت تغطى منطقة قناة السويس ، وحذرت من أن لايكون هناك خيار لإسرائيل سوى تدمير تلك المواقع . ويقول كيسينجر : لو حدث وأن هاجمت إسرائيل تلك المواقع التى يشارك فى إدارتها السوفييت ، فسوف يكون هناك إحتمال غالب هو أن يدافع السوفييت عنها ويحدث مواجهة وإشتباك مباشر بين إسرائيل والإتحاد السوفييتى لايمكن أن تتجاهله الولايات المتحدة . ثم يقول كيسينجر أنه كان قد وضع مخططا عاجلا مع الوكالات غير المتحمسة (يقصد روجرز وزير الخارجية والأجهزة المعاونة له) التى مازالت تتمتم بطريقة غير واضحة للضغط على إسرائيل الكبرى للدخول فى مفاوضات مع العرب بصرف النظر عن المشاكل التى تواجه الولايات المتحدة . ثم قال كيسينجر : ولقد فوجئنا فى 22 يوليو – حيث  كان الإشتباك العسكرى بيننا وبين الإتحاد السوفييتى احتمالا لايمكن تجنبه – بقبول عبد الناصر إقتراحنا بوقف إطلاق النار والمفاوضات (يقصد مبادرة روجرز) . والنص الإنجليزى الكامل هو كما يلى :

On July 1 Golda Meir wrote a bitter letter to the President. Noting that both SA-2 and SA-3 batteries were being installed to cover the Suez Canal, she pointed out: “While these developments were going on, we were being told that the balance of power has remained intact.” She warned that Israel would have no choice except to bomb these installations . But if Israel attacked a missile complex manned in part by Soviet personnel, there was a distinct possibility that the Soviets would defend it with their own aircraft. A direct clash between Israel and the Soviet Union was a danger that we could no longer ignore. I instituted urgent planning with unenthusiastic agencies who were still mumbling about forcing greater Israeli flexibility in negotiations—irrelevant to the problem we faced.

Then, on July 22—just when a military clash seemed unavoidable—Nasser suddenly accepted our proposal for a cease-fire and negotiations.(p.690-691)



السبب الثانى : حسب قول كيسينجر ، وهو حقيقة مؤكدة أكدها الكثيرون غيره ، أنه فى شهر مايو ويونيو ويوليو من عام 1970 ، أصبحت كل جبهات إسرائيل مسرحا يوميا مشتعلا بهجمات وغارات شرسة من الفدائيين الفلسطينيين على إسرائيل انطلاقا من الجبهة الأردنية ، وكذلك من القوات الخاصة والفدائيين انطلاقا من الجبهتين المصرية والأردنية . وازداد عنف تلك الهجمات على كل الجبهات فى أوائل أغسطس – قبل سريان وقف إطلاق النار -  وخاصة على طول قناة السويس . وشكل ذلك ضغطا أمنيا قاسيا على إسرائيل ،  مما دعى كيسينجر إلى وصف هذا الوضع باللوحة المحزنة التى تتطلب إعادة النظر فى السياسة الأمريكية بالشرق الأوسط ، ويقول كيسنجر فى مذكراته : أن الرئيس نيكسون بعث أثناء ذلك برسالة أخرى فى 23 يوليو إلى جولدا مائير يحثها على الإستفادة بميزة قبول العرب لمبادرة روجرز لكى تقبلها ، مؤكدا لها فى نفس الوقت أن الولايات المتحدة لن تضغط على إسرائيل لكى توافق على تفسير العرب لقرار مجلس الأمن رقم 242 فى حال موافقتها على المبادرة ، والنص الإنجليزى الكامل كما ورد بمذكرات كيسينجر هو كما يلى :

On July 23 Nixon sent Mrs. Meir another message urging the Israelis to take advantage of Arab acceptance of the US initiative. At the same time he assured her that we would not force Israel to accept the Arab interpretation of Security Council Resolution 242 in developing guidelines for the Jarring mission. It was just as well that this letter was not publicized until later, for the Arabs had been given precisely the opposite impression when the cease‐fire initiative was presented to them. (Source:Page 693 part 3 chapter XIV)



والسبب الثالث : هو لعبة المصالح والتوازنات الدولية بين القوتين الأعظم - أمريكا والإتحاد السوفييتى- وخاصة فى منطقة الشرق الأوسط ، حيث اقتنع الرئيس نيكسون بالإستراتيجية التى نصحه بها مستشاره كيسينجر للأمن القومى ، التى كانت تعتمد فى الأساس على إضعاف الوجود السوفييتى بالمنطقة ، والعمل على طرد الوجود العسكرى السوفييتى منها Expel the soviet military presence  ، وأن ميزة تلك الإستراتيجية للولايات المتحدة فى رأى كيسينجر، هى إيصال العرب إلى قناعة بأن الولايات المتحدة وليس الإتحاد السوفييتى هى التى تمسك بيدها مفاتيح الحل ، ثم أردف قائلا فى مذكراته : "ولكنى لم أكن فى وضع يسمح لى بتنفيذ تلك الإستراتيجية" ، والنص الإنجليزى طبقا لما ورد بمذكراته هو :

“The advantage to us,” I advised Nixon in early February, “is that the Arabs will come to realize that it is the U.S. and not the USSR that holds the key to what they want.”…… But I was in no position to carry out such a strategy.(page 664)

ورغم  إقتناع نيكسون باستراتيجية العمل بمنطقة الشرق الأوسط التى نصح بها كيسينجر إلا أنه رأى أن مبادرة روجرز هى الخطوة الأولى لتنفيذ تلك الإستراتيجية على عكس ماكان يراه كيسينجر . فأغرى نيكسون إسرائيل بقبول المبادرة بعد أن وعد بإمدادها بعدد 50 طائرة فانتوم وعدد 80 طائرة سكاى هوك فى وقت كان يتزايد فيه عنف معارك الإستنزاف ضدها ، كما نصحها بأن الغلظة التى تتعامل بها مع السياسة الأمريكية هى مغامرة لاينبغى أن تستمر عليها .

وأخيرا قبلت إسرائيل مبادرة روجرز ، وكان كيسينجر يتابع أزمة الشرق الأوسط بحكم موقعه كمستشار للرئيس نيكسون للأمن القومى ، ولكنه كان يتشوق إلى أن يمسك بزمام بتلك الأزمة فى يده ويتولى وحده منفردا حلها ، وحدث ذلك أيام السادات حين تولى كيسنجر رئاسة وزارة الخارجية الأمريكية بالإضافة إلى عمله كمستشار للرئيس للأمن القومى . وكان تعليق كيسنجر على قبول إسرائيل لمبادرة روجرز : بأن اهتمامات إسرائيل كانت قريبة من فقدان الحكمة فى اتخاذ القرار الصحيح ، فقد انتهز السوفييت والمصريين فترة ماقبل وقف إطلاق النار للإنتهاء فى وقت قياسى من إنشاء مواقع صواريخ الدفاع الجوى على طول القناة ، وأصبحت مصر لا تملك فقط القدرة على حماية السماء غرب قناة السويس من الطيران الإسرائيلى المتفوق ، بل تملك القدرة  أيضا على حماية السماء فوق جنودها بشرق القناة ، إن هى قررت عبور قناة السويس وتحرير الأرض شرقها . ومع قبول إسرائيل فى وقت متأخر لمبادرة روجرز وتنفيذ وقف إطلاق النار كأول بند من بنودها ، فقد أعطت بتأخرها هذا حصانة لتلك المواقع المصرية التى تم إنشائها بغرض الثأر والإنتقام Retaliation وضده ... !!




الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 

هنري كيسنجر ومبادره روجرز

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
المنتدى العسكري العربي :: الأقســـام العسكريـــة :: التاريخ العسكري - Military History :: الشرق الأوسط :: حرب الاستنزاف 1967 - 1970-