المنتدى العسكري العربي
عزيزي الزائر / عزيزتي الزائرة

مرحبا بك في المنتدى العسكري العربي

يرجي التكرم بتسجيل الدخول اذا كنت عضو معنا او التسجيل ان لم تكن عضو وترغب في الانضمام الي اسرة المنتدى

سنتشرف بتسجيلك

شكرا

ادارة المنتدى



 
الرئيسيةس .و .جالقوانينبحـثالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 كتاب " الكرملين وأزمة الكويت " لنائب وزير الخارجيه السوفيتي السابق الكسندر بيلونوغوف

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
انتقل الى الصفحة : الصفحة السابقة  1, 2
كاتب الموضوعرسالة

mi-17

مشرف
مشرف

avatar








مُساهمةموضوع: رد: كتاب " الكرملين وأزمة الكويت " لنائب وزير الخارجيه السوفيتي السابق الكسندر بيلونوغوف   الخميس يوليو 30 2015, 20:31

الحلقه 21 

أرى أن يدل تفسير رحلتي من وسائل الإعلام المحلية على ما كانت تريده بلدان الخليج وما تريد أن تحصل عليه في هذه اللحظات من الاتحاد السوفيتي أكثر من كل شيءِ وأقتبس على سبيل المثال مقتطفات من جريدة 'غالف نيوز' الصادرة في 23 نوفمبر وأسست هذه المقتطفات على أحاديثي مع الصحافيين:
 'قال الكسندر بيلونوغوف إجابة عن السؤال عن كيفية حسم الأزمة في ضوء رفض العراق لتنفيذ القرارات التي تطالب بانصرافه من الكويت أن لبلاده إمكانية تسوية الأزمة في الخليج بمساعدة الوسائل الدبلوماسية وغيرها من الأساليب السلميةِِ ولا يستثني في غضون ذلك الطرق العسكرية'،
 'ينحصر هدفنا في تقوية الجهود لغرض إيجاد حل سلمي قبل اللجوء الى الوسائل الأخرى'،
 'هناك عدة طرق للحل السلمي بما فيها بمساعدة العقوبات الاقتصادية ضد العراق'،
 'ونوه بيلونوغوف الى ان العقوبات الاقتصادية المفروضة قد بدأت تعض العراق وهي في حاجة الى وقت أكبر لكي تجبره على ترك الكويت'،
'لا يزال الاتحاد السوفيتي يبقي الباب مفتوحا للحوار مع القيادة العراقية'،
 'أشار بيلونوغوف الى أن الشخصيات الرسمية السوفيتية بمن فيها الرئيس ميخائيل غورباتشوف ناقشت مع زملائها الأميركان فكرة نظر مجلس الأمن في أزمة الخليج واتخاذ قرار جديد'،
 'إجابة عن السؤال فيما إذا كان الحل العسكري هدف هذه الجلسة قال بيلونوغوف: لا أقصد الحل العسكريِِ ولكن يجب أن نعطي العراق إشارة قوية بتحديد الموعد النهائي لسحب قواته من الكويت'،
 'علينا أن نقنع صدام حسين والشعب العراقي بضرورة الانسحاب من الكويت'،
 'أجاب بيلونوغوف عن السؤال عن موقف بلاده لو لم يتسن إقناع العراق بالانسحاب من الكويت بطريقة سلمية قال ان ميثاق الأمم المتحدة يتضمن في هذه الحالة المبادئ الضرورية وان مجلس الأمن سيتخذ قرارا مناسبا'،
 'أشار بيلونوغوف متحدثا عن نتائج رحلته في المنطقة ومحادثاته مع المسؤولين الى أن حزم بلدان المنطقة لإعادة سيادة الكويت قوي جدا'ِ

انتهت الأيام العشرة التي قدمها لي الوزير بسرعة وكانت مأمورية متشعبة وشيقة جدا من الناحية السياسية وتعميق الإدراك على السواءِ
وبعد العودة الى موسكو عممنا مع فلاديمير انطباعاتنا عن الأحاديث مع قادة البلدان العربية وعرضناها في مذكرة موجهة الى ميخائيل غورباتشوفِ وقدمنا التقرير الى وزيرنا بالطبعِ والتقينا كذلك في المركز الصحفي لوزارة الخارجية بالصحافيين السوفيت وحدثناهم عن رحلتناِ واضطررت فورا بعد وصولي الى الاستغراق في الشؤون العراقيةِ

المناقشات غير المثمرة مع طارق عزيز 

قرر في سير إعداد لقاء القمة في باريس أن ندعو طارق عزيز لكي يسبر غور موقف القيادة العراقية مرة أخرى قبل انعقاد جلسة مجلس الأمنِ وصل في 25 نوفمبرِ وأظهرت الدقائق الأولى من الحديث معه في المطار أن وزير خارجية العراق يمثل الثقة المطمئنةِ ولم يتغير سلوكه في اليوم التالي أثناء المحادثات الجارية بادئ الأمر مع شيفرنادزه ومن ثم مع ميخائيل غورباتشوف (لم أشارك في هذا اللقاء)ِ
أشار شيفرنادزه بافتتاحه اللقاء الى الظروف التالية:
يجري اللقاء في وقت خطير جدا عندما تكون أمامنا قرارات كبيرة سيتوقف عليها الكثير وقبل كل شيء بالنسبة للعراقِ أصبحت الأزمة في الخليج أول مشكلة بالنسبة للجميع ويزداد الوضع سوءا بالنسبة للعراق ويصبح خطرا جداِ
اتخذ القرار على عقد جلسة لمجلس الأمنِ وتميل الأكثرية لاتخاذ قرار آخر سيكون أخيراِ وستعطى فيه المصادقة على استخدام القوة ضد العراق إذا لم ينفذ القرارات السابقةِ
هناك طريقتان: إما أن تستخدم العمليات العسكرية الإجبارية على أساس قرار مجلس الأمن المذكور وإما أن تتصرف الولايات المتحدة وقوات التحالف حسب هواها على أساس المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدةِ ونعتبر الطريقة الأولى أفضلِ
سيؤيد الاتحاد السوفيتي القرارِ حيث أن تهرب العراق من تنفيذ القرارات التي صوتنا عليها لا يعطي البديل ولكننا نتمكن من التأثير على صيغتهِ
لا يمكن أن يوجد قرار سلمي إلا بانصراف العراق من الكويت وانسحاب القوات الأميركية والمشاركين الآخرين في التحالفِ ونعرف أن المبدأ الأخير واقعي: لا تستطيع الولايات المتحدة وحلفاؤها الانتظار طويلا ولن يوافقوا على ذلكِ
نعرف إمكانات العراق العسكرية وإمكانات القوى التي تواجههِ ونحن على يقين بأن الحرب ستكون كارثة على العراقِ
نهتم بصورة عميقة بأن يكون لنا في العراق شريك قوي مع قدرة كبيرةِ ويوجد حتى الآن إمكان المحافظة على هذه القدرةِ ويتطلب الأمر من بغداد لأجل ذلك اتخاذ قرار جريء: الانسحاب بلا قيد أو شرط من الكويت، وهذا يستجيب لمصالح العراق نفسه والمصالح العربية العامةِ ونرى انه ينبغي أن يظهر صدام حسين الحكمة والمسؤولية في نقطة التحول هذهِ
وكان رد فعل طارق عزيز الآتي:
كانت إسرائيل والولايات المتحدة والبلدان العربية الأخرى وبالأخص إنكلترا تهدد العراق قبل 2 أغسطسِ وأدت أعمال الكويت الى انهيار العراق الاقتصاديِ ولو لم تحصل أحداث 2 أغسطس لكان العراق الآن في حال أسوأِ
كنا ندعي بالكويت خلال 70 سنةِ ولدينا كافة الحقوق فيها وبراهين هذه الحقوقِ وزد على ذلك كانت الكويت تتآمر ضدناِ
نوافق على أن الحالة خطرة وتمس مصالح الكثيرينِ فلماذا لا يريدون العمل بصورة مجتمعة كما اقترح في مبادرة صدام حسين المؤرخة في 12 أغسطسِ ولا نرى مخرجا آخر سوى التسوية المجتمعةِ وننتظر من الاتحاد السوفيتي والصين والبلدان الأوروبية العمل وفق مبادرة 12 أغسطسِ ان جميع القرارات الجزئية غير مقبولة للعراقِ
إن قرارات مجلس الأمن جائرة وتضطهد العراق وتدفعنا الى المثابرةِ ولا نخاف من قرار جديد كما لم نخف من القرارات السابقةِ
صدام حسين مطلع بالكامل على الوضعِ
ستكون الحرب مدمرة وفظيعةِ ولكن يبدو أن هذا مصيرنا: المحاربةِ
بذل شيفرنادزه قصارى جهده لإقناع المتحدث لكي يصحح الموقف الذي كان يصطنع ربط المشكلة الكويتية بالمشكلة الفلسطينيةِ وكان يسمع من عزيز ردا على هذا بأنه ليس ثمة مفتاح آخر للمشكلة غير المفتاح الفلسطيني والمشكلة لا تنحصر في الكويت، بل في أن إسرائيل تريد إلغاء النظام القائم في العراقِ وإذا أنزلت الولايات المتحدة الضربة على العراق فإن العراق سيضرب إسرائيل وسيربط بهذه الطريقة جميع المسائلِ وقال عزيز ان 10 قرارات لمجلس الأمن لم تخف العراق ولن يخيفه القرار 11 وان العراق مستعد للبديل الحربيِِِالخِ
رن الهاتف من ميخائيل غورباتشوف قاطعا الحوارِ وفي هذه الأثناء تكلمت مع طارق عزيز على انفراد واعتقدت ان حواري الشخصي معه سيغير من سلوكهِ غير أن عزيز تكلم معي بصورة أكثر محاربة من روح المحاربة وراء طاولة المحادثات الرسمية التي عدنا إليها بعد وقت قصيرِ
طرحت من الطرف السوفيتي بحدة ومبدئية مسألة خبرائنا في العراقِ وقال شيفرنادزه ان ما يحدث في العراق مع المواطنين السوفيت ينافي جميع المبادئ التي بنيت عليها العلاقات السوفيتية ـ العراقيةِ وتجري تجارة حقيقية بالناسِ ويعين العراق حصصا نسبية لرحيل المواطنين السوفيت من البلد، وهذا مستحيل من حيث المبدأِ أنهم أناس أحرار ولكل منهم الحق في الرحيل إذا أراد وإنهاء عقده بسبب الظروف الصعبة التي نشأت بذنب العراقِ ان الأنظمة التمييزية التي تمارسها بغداد إزاء مواطني الاتحاد السوفيتي مهينة لهمِ سمحوا لل 360 شخصا فقط بترك البلد خلال شهر كاملِ وتعود الطائرات التي يرسلها الاتحاد السوفيتي الى العراق فارغةِ ويتألم الناس هنا وهناك على السواءِ
وكان عزيز يؤكد بأن كل مواطن سوفيتي انتهى عقده وليس له عمل مناسب يستطيع، كما زعم، أن يغادر العراقِ أما الذين لم ينته عقدهم فيجب التفاهم على كيفية معاملتهمِ
لم يوافق شيفرنادزه على هذا قطعيا، وطالب بغداد برفع مشكلة رحيل المواطنين السوفيتِ
وقيل في الكرملين لعزيز انه إذا أراد العراق فعلا التسوية في الإقليم كله وسعى الى تفادي أسوأ شيء فيجب أن يصرح الآن علنا وأن يظهر ذلك عمليا بأنه سينسحب من الكويت وسيطلق سراح الرهائن ولا يمانع على وجه العموم أحدا من الأجانب في ترك العراقِ وإلا سيتخذ مجلس الأمن قرارا حازماِ وطلب ميخائيل غورباتشوف من عزيز بأن ينقل الى صدام حسين الرجاء الملح لأن يزن كل شيء مرة أخرى، لأن مصير العراق في أيدي قيادته والوقت ينقضيِ
طرح الرئيس السوفيتي بحزم المسألة الخاصة بإتاحة الفرصة لجميع الخبراء السوفيت بالرحيل الى وطنهمِ
للأسف، لم يقل نائب رئيس وزراء العراق ووزير الخارجية في الكرملين أيضا شيئا جديدا حول الأزمة في الخليج وطرق تذليلها على السواءِ ولم تحقق زيارة طارق عزيز في هذا المعنى، الآمال ولم تؤثر بالمرة في الاتجاه الإيجابي على إمكانات الدبلوماسية السوفيتية في صدد النظر بالمسألة في مجلس الأمنِ ولم تكن غير مفيدة تماما، لأنها مكنت مرة أخرى من الاقتناع بأن بحث مجلس الأمن الجديد في المشكلة مبرر من حيث التوقيت وثانيا مكنت من إحالة كل شيء ينبغي قوله لبغداد بصراحة كنصيحة ودية وإخطار مخلصِ
في 27 نوفمبر وصل الى موسكو وزير الخارجية السعودي سعود الفيصل ووزير المالية محمد أبا الخيلِ انشغلت المصالح والمؤسسات السوفيتية الاقتصادية بوزير المالية وجرى مع وزير الخارجية في اليوم نفسه حديث وديِ كانت علاقاتنا الثنائية تتطور بسرعة وبشكل حسن، لذا لم يشغلنا الحديث لوقت طويل عنها، في حين استغرقت مناقشة أزمة الخليج الوقت كله تقريباِ شاطر ادوارد شيفرنادزه الوزير السعودي انطباعاته الثقيلة كما وصف حديثه مع طارق عزيزِ وحسب تقدير الوزير السوفيتي، لم يشعروا بعد في بغداد بماهية العواقب التي تنتظر العراق والإقليم إذا وصل الأمر الى استخدام القوةِ وكنا نرى أن من واجبنا المعنوي أن نقول للعراقيين قبل التصويت في الأمم المتحدة موقفنا وأن نطرح مسألة الرهائن ومواطنينا ونؤكد حتمية عودة الحكومة الشرعية الى الكويتِ ولم يطور الوزير هذا الموضوع الى أبعد، عارفا بشكل جيد موقف الحكومة السعودية من بغدادِ
وقال سعود الفيصل انه كانت لهم من قبل علاقات جيدة مع العراق كما كانت عليه الحال مع الاتحاد السوفيتيِ لكنهم استقبلوا العدوان كخيانة، ويعملون من مبدأ عدم إجراء أي مباحثات مع بغداد قبل انسحابه من الكويتِ ويمارس العراقيون أنفسهم نهجين: أولا، يصرون على المحادثات المباشرة مع السعودية ويعدون بأنهم سيكونون " 'أسخياء' جدا (نقل ذلك بواسطة المغربيين والفلسطينيين والعمانيين)ِ وثانيا، يريدون إجراء مباحثات مباشرة مع الولايات المتحدة (وعند ذلك يرون، في الحالة هذه أنه ليس لقرارات مجلس الأمن ولا مواقف الدول الأخرى خطورة ما)ِ أرادوا من المحادثات مع السعودية تقسيم الإقليمِ وقال الوزير معترفا بأن للسعودية مشاكلها الخاصة، وأن الرياض تسعى الى التعاون البناء مع كافة دول المنطقة وأرادت الخروج من الأزمة على أسس المبادئ السليمة بتوطيد العلنية والقانون والعدالةِ ومن البديهي أن قرارات مجلس الأمن ينبغي أن تنفذ، لأن بقاء الأوضاع بلا تغيير سيؤدي الى أخطر العواقبِ لذا يجب أن يتخذ القرار الواضح الذي يعطي العراق الفرصة الأخيرة لحسم القضية بسلامِ
ولأنه يعرف بأن ادوارد شيفرنادزه التقى حديثا بوزير خارجية الصين، طلب الفيصل إيضاح موقف جمهورية الصين الشعبية من قرار مجلس الأمن الجديد، وبدوره قاسم شيفرنادزه الوزير السعودي انطباعاته عن حديثه مع وزير خارجية الصينِ وقارن الوزيران السوفيتي والسعودي من خلال تقديراتهما المواقف المحتملة في مجلس الأمن لكل من كوبا واليمن اللتين اتخذتا في بعض الأحيان مواقف خاصةِ وتثبتوا بأن زيارة جيمس بيكر لصنعاء لم تتوصل الى أهدافهاِ
وعرض الفيصل بطلب من شيفرنادزه الرواية السعودية عن أسباب التوتر الراهن في العلاقات السعودية - اليمنيةِ وأعرب كلا الطرفين السوفيتي والسعودي عن أمله في آفاق الاستقرار في الإقليمِ وقال الفيصل مستشهدا برأي الملك فهد أنهم في السعودية رحبوا بإيجابية ازدياد الدور السوفيتي في المنطقة ويرون بأن ذلك من شأنه مساعدة العلاقات السوفيتية - السعودية الثنائية وخاصة الافتتاح المقبل للسفارتينِ
والتقى الفيصل ووزير المالية السعودي في اليوم نفسه بميخائيل غورباتشوف، وأشير في البيان الرسمي عن لقائهما الى أن اتخاذ القرار الجديد لمجلس الأمن ينبغي أن يساعد على حل عادل للأزمةِ ولفت نظري إدخال السطور التالية في هذا البيان: 'ان الكبرياء التي تبديها القيادة العراقية، آخذين في الاعتبار قوة العراق العسكرية، خطيرة ليس لبلدان الإقليم وحدها، بل تناقض كافة الاتجاهات الإيجابية في العالم والجهود الموجهة الى تقليص السلاح النووي ونزع السلاح والتوصل الى السلام والأمن'ِ فمن الواضح أن مسألة خطر المكنة العسكرية النامية للعراق لم تنشأ في مراحل الأزمة الأولى (أقصد التصريحات السوفيتية)ِ وأكد ظهور هذا الموضوع الآن خطأ نهج بغداد العميق في مماطلة الأزمة واستخفافها بمطالب مجلس الأمنِ وكما سنعرف لا يستطيع العراق التغلب على عواقب هذا النهج خلال سنوات عديدةِ 

مجلس الأمن يعين الموعد النهائي 

انتقل مركز النشاط السياسي والدبلوماسي للأزمة في نهاية نوفمبر الى نيويورك التي بدأ وزراء خارجية البلدان الأعضاء في مجلس الأمن يصلون إليهاِ وسافر شيفرنادزه أيضا الى هناكِ وقبل أن يشغل الوزراء مقاعدهم وراء طاولة المجلس جرى هناك في اليوم السابق جلسة عادية للمجلس اتخذ فيها بالإجماع وب 15 صوتا القرار الحادي عشر حسب الترتيب عن الأزمة الكويتية استنكر المجلس فيه محاولات العراق الرامية الى تغيير الوضع الديموغرافي لسكان الكويت وإلغاء القوانين التي سنتها حكومة البلد الشرعيةِ
وفي اليوم نفسه جرى في مقر الممثلية السوفيتية لدى الأمم المتحدة حديث بين شيفرنادزه وبيكر استمر ساعتين نسقا فيه التفاصيل الأخيرة المتعلقة بنص قرار 'توقف النوايا الحسنة' و 'استخدام كافة الوسائل الضرورية' في حالة لم يشفع التوقف للآمال المعقودة عليهِ وعينا 15 يناير 1991 موعدا لانتهاء التوقفِ
عقدت جلسة مجلس الأمن على مستوى الوزراء في منتصف يوم 29 نوفمبرِ ولعلها كانت نادرة إذ تحتوي هذا الحشد الكبير من الدبلوماسيين والصحافيين والجمهورِ لقد مضت 40 سنة عندما قام المجلس بشيء مشابه عندما أعطى المصادقة على استخدام القوة (بصدد الأحداث في كوريا)ِ والآن يعطي لبغداد شهرا ونصف الشهر وبالدقة 47 يوما توقفا لاختبار النوايا الحسنة لكي تتخذ قرارها الصحيحِ وكان إنهاء الاحتلال وسحب القوات العراقية القرار الوحيد المتاح لبغداد، وإلا كما ذكر في القرار تفوض 'لاستعمال كافة الوسائل الضرورية بهدف تنفيذ القرار 660 لعام 1990 وجميع القرارات التابعة المعنية لغرض إعادة السلام والأمن للمنطقة'ِ
 حضر الجلسة 15 عضوا لمجلس الأمن بينهم 13 وزيرا (عدا كوت دي فوار واليمن) وكذلك ممثلو العراق والكويت والسكرتير العام للأمم المتحدةِ وصادق على القرار المرقم 678 ب 12 صوتا ضد صوتين (اليمن وكوبا)، وامتنعت الصين وحدها عن التصويتِ وكانت النتيجة كما كانوا ينتظرونها مؤثرة، 






وبالأخص امتناع الصين عن التصويتِ وكما عرف أن الأمر لم يتعلق بالمرة بمشاكل الخليجِ وكانت تفضل التسوية السلمية السياسية على أساس انسحاب العراق الطوعي من الكويت، وهي الفكرة الرئيسية لجميع كلمات أعضاء مجلس الأمن بلا استثناءِ وصرح شيفرنادزه في الجلسة بأنه 'قد سارت منذ اليوم الساعة التي تعد أيام توقف النوايا الحسنة' الذي يراد منه توجيه النداء الى القيادة العراقية والرئيس صدام حسين للترفع أعلى من الهيبة وإبداء الحكمة لكي يعيد النظر واضعا، أعلى من أي شيء، مصالح البلد ومصير شعبه ومصير السلام والاستقرار في كوكبنا'ِ
ومع ذلك دوت في خطابات جميع الوزراء تقريبا الأخطار والعواقبِ ومن المحتمل أن خطاب شيفرنادزه كان الأكثر ليونة من خطب الآخرين لكنه سمع بصورة واضحة تماما: 'لا أحد في مجلس الأمن يسعى لحدوث المأساة ولا ينبغي أن ينخدع أحد بشأن إرادة المجتمع الدولي وحزمه واستعداده للعمل ِِِ يجب أن يعرف من يخرق السلام أن جميع التدابير الضرورية، كما جاء في القرار، ستستخدم ضده بالفعل وبدون رحمة'ِ
وفي أجوبة وزير الخارجية السوفيتي عن أسئلة الصحافيين في نيويورك ومن ثم في موسكو برزت الكثير من المسائل، أهمها أن القرار لا يعد خطوة متعمدة نحو الحرب، بل الإمكانية الأخيرة لتلافيها، وأن 'موقف النوايا الحسنة' يبعد الحرب، ويمكن العراق من اتخاذ القرار الصائب في ظروف أكثر هدوءا بجنوحه للخيار السلمي لحل الأزمة، والبدء بتنفيذ قرارات مجلس الأمن ووقف آلية التصعيد في النتيجةِ وأشار الوزير الى أنه ليس من حق أحد أن 'يلومنا على عدم الإخلاص أو التناقض، فقد مارسنا طوال مراحل الأزمة نهجا واحدا في مجلس الأمن وفي أحاديثنا مع القادة العرب واتصالاتنا مع بغداد'ِ 

قلق خليجي 

كانت دول الخليج تدرك بأننا نؤيد خيارا آخر لأسباب كثيرةِ ولذا تركز اهتمامنا على وضع الكويت المأساوي واستحالة الانتظار بلا نهاية عندما ستحمل العقوبات الاقتصادية العراق على تنفيذ مطالب المجتمع الدوليِ وكانوا يظنون في بلدان الخليج بأن بغداد تستطيع، بأخذ طابع النظام السياسي بعين الاعتبار، أن لا تلفت الانتباه الى العقوبات لوقت طويل وستستمر في 'هضم' الكويت بالتدريجِ
وأظهرت الأحاديث أن بلدان الخليج مهمومة بجد بمشكلة الأمن المستقبلي للإقليمِ وعجلت الأزمة الكويتية التأملات في هذا الصدد، لأنها بينت بأن سيادة بلد ما لا يمكن أن تؤمن من التطاول في ظل الظروف الموجودة في المنطقةِ وأقنعت هجمات بغداد الكلامية ضد الإمارات العربية المتحدة وعداؤها الصريح حيال أنظمة الحكم الموجودة في بلدان الخليج الصغيرة، ومطالبها فيما يخص إعادة توزيع الثروة، النخب المحلية بأنها ترى في العراق أخطر المدعين بالسيطرة على الإقليم، والذي لن يتركها وشأنها لو بقي بدون عقاب حتى بعد المغامرة الكويتيةِ لهذا السبب أرسلت جميع بلدان الخليج تشكيلاتها العسكرية الى السعودية ووضعت أراضيها لمرابطة القوات المتعددة الجنسية (المطارات، الموانئ، المستودعاتِِ الخ)ِ وكان اهتمام هذه البلدان مرتفعا بهيئة الأمم المتحدة وبالأخص مجلس الأمن بعد أن ظهرت فاعليته للمرة الأولى في وجه أزمة دولية كبيرةِ
وأيد المتحدثون بثبات بأن أي خطوة يجب أن تتخذ لاحقا يجب أن تكون عن طريق مجلس الأمن، وبتطابق كامل مع ميثاق الأمم المتحدةِ وكانوا يعتقدون بأنه في المستقبل يمكن الأمل في مساعدة فعالة ومناصرة من جانب الأمم المتحدة، لو نشأت في بلدان الخليج الحاجة إليها من جديدِ
وكان من الممكن الاستنتاج من أقوال المتحدثين بأنهم ينطلقون من واقع أن القوات الأجنبية ستغادر في نهاية الأمر وستضطر بلدان الإقليم الى أن تأخذ على عاتقها المسؤولية الرئيسية عن أمنه، بل لا أحد يمكنه تصور الشكل الذي سيتخذه بشكل عامِ
وشعرت في بلدان الخليج بأهمية حضورنا السياسي في المنطقة، وأدركت بأن تطوير العلاقات مع الاتحاد السوفيتي الذي كانت تستخف به لوقت طويل يستجيب لمصالحها الخاصةِ وبعث ذلك روح الأملِ


يتبع ...
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

mi-17

مشرف
مشرف

avatar








مُساهمةموضوع: رد: كتاب " الكرملين وأزمة الكويت " لنائب وزير الخارجيه السوفيتي السابق الكسندر بيلونوغوف   الخميس يوليو 30 2015, 20:44

الحلقه 22 

أشار شيفرنادزه في لقاء وزراء خارجية الدول الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن الذي تم في 29 نوفمبر 1990 في نيويورك الى أننا لا نريد استخدام القوة، وأنه ينبغي القيام بكل شيء يجنب الحل العسكريِ وأعرب عن تيقنه من إمكان تلافي الحرب، إذا اتحدنا في الأقوال والأفعال، واستخدمنا كافة الوسائل السياسية والدبلوماسية، وعملنا انطلاقا من خطة واحدة على أساس القرار المتخذِ وبالمناسبة أدلى جيمس بيكر في ذلك الاجتماع برأيه بأن القرار المتخذ يمكنه حل المشكلة بطريقة سلمية، وأنه لا يعد هذا الأمل ساذجا وأنه قد يجعل رئيس العراق أكثر ليونة، وإن لم يحصل على مكافأة لعدوانهِ وقال بيكر إن 'ضمان عدم الإبادة صيغة شائقة' ناتجة من تنفيذ القرارِ
وجرب 'الخمسة' الحديث عن فائدة زيارة السكرتير العام للأمم المتحدة في مرحلة معينة للقاء شخصيا بصدام حسين ولم يتفقوا على تاريخ معين لهذه الزيارةِ
أدلت وزارة الخارجية السوفيتية نظرا لأهمية القرار 678 بتصريح خاص وصفته فيه بالإنذار الأخير للعراق، وفي الوقت نفسه فرصة واقعية لمنع تطور الأحداث نحو الأسوأ كالتفجير العسكريِ وقيل في التصريح إنهم " في الاتحاد السوفيتي على يقين بأن العراق الآن سيقول كلمتهِ ويتعلق على القيادة العراقية وحدها أن يسود السلام في الخليج أو لن يسودِ وعليها أن تقدر بصورة سليمة الموقف الثابت والحاسم للمجتمع الدولي وفائدة إعادة الشرعية الدولية والأمن إلى هذه المنطقة بالعقل السليم والفطنِ ويجب أن يدركوا في بغداد أن المماطلة المستمرة في تنفيذ قرارات مجلس الأمن غير مقبولة، لأنها تحمل خطرا كبيرا قبل كل شيء بالنسبة للعراق نفسه وشعبه "ِ
وبالنسبة إلى السوفيت المحتجزين في العراق قال شيفرنادزه بتصريح حازم للغاية في نيويورك إن الاتحاد السوفيتي على استعداد لإرسال قواته الى منطقة الخليج إذا اقتضى الأمرِ واتهمت وزارة الخارجية العراق في 2 ديسمبر في استخدام المواطنين السوفيت في العراق (بقي فيه 3315 شخصا) كحجة للتدخل السوفيتي المسلحِ وأشار ممثل مجلس قيادة الثورة العراقي بدوره عندما أعلن في 4 ديسمبر قرار إطلاق سراحهم إلى أن هذا القرار جاء لمنع ' التشويه' و 'المواربة' ولكي يعزز الأمل في تحسين العلاقات مع الاتحاد السوفيتيِ
إن ما قيل أعلاه عن أهمية الخطوات المتخذة في مجلس الأمن والعلاقة معه لا ينتقص بالمرة الدور الذي لعبته في هذه القضية مثابرة ميخائيل غورباتشوف ويفغيني بريماكوف وموظفي وزارة الخارجية السوفيتية والسفارة السوفيتية في بغدادِ وفي هذه اللحظات تقلص عدد جاليتنا في العراق أكثر من مرتينِ وحصل مواطنو البلدان الغربية المحتجزون في العراق على إمكان ترك البلاد فورا، بعد أن أعلن في 6 ديسمبر قرار مناسب لمجلس قيادة الثورةِ وبشكل خاص سافر الأميركان الأخيرون بالطائرة من بغداد قي 13 ديسمبرِ أما رحيل المواطنين السوفيت فاشترط مجلس قيادة الثورة أن تأخذ حكومة الاتحاد السوفيتي على عاتقها المسؤولية عن إنهاء عقودهم قبل الموعدِ ولم يذكر فيما ينبغي أن تتجسد عليه هذه 'المسؤولية'ِ وبات واضحا أن الأمر في حاجة الى محادثات خاصةِ وبالمناسبة كانت للمؤسسات السوفيتية أسئلة كثيرة للطرف العراقي بصدد انتهاء عمل خبرائنا وعن إغلاق المنشآت المبنية بمساعدتنا وتخزين المعدات الموردة الى هناك ِِِالخِ وكانت لدينا مصلحة في استئناف التعاون الاقتصادي مع العراق بعد التغلب على الأزمةِ
سافر الى العراق في منتصف ديسمبر وفد سوفيتي هام برئاسة نائب رئيس مجلس الوزراء السوفيتي ي ِ بيلوسوف بغية حل جميع القضايا العالقة، وتأمين رحيل المواطنين السوفيت بلا موانعِ استمرت المحادثات 10 أيام وقع نتيجتها بروتوكول عمل في مسائل التعاون التجاري والاقتصادي والتقنيِ وألحق بالبروتوكول جدول لرحيل الخبراء السوفيت ابتداء من 23 ديسمبر 1990 وانتهاء في 10 يناير 1991 ِ وحصل أن سافرت مجموعة الخبراء الأخيرة المتكونة من 82 شخصا من بغداد الى موسكو في 9 ينايرِ وترك العراق والكويت قرابة ثمانية آلاف ونصف من المواطنين السوفيتِ
هكذا انتهت ملحمة الأجانب المحتجزين قسرا في العراق، وهي الحكاية التي أثرت في أعصاب آلاف الناس وصحتهم، وأحدثت احتكاكا شديدا بين العراق وعدد كبير من الدول وحطت بصورة كبيرة من سمعة القيادة العراقيةِ 

تجاهل بغداد ل 'توقف النوايا الحسنة' 

بدأ 'توقف النوايا الحسنة' بمفاجأة مثيرةِ ففي اليوم التالي بعد اتخاذ مجلس الأمن للقرار 678 أعلن الرئيس الأميركي جورج بوش في مؤتمر صحفي عقد على عجل أنه مستعد، بهدف تسوية الأزمة سلميا، لاستقبال طارق عزيز وتوجيه جيمس بيكر الى بغداد لأجل التحدث مع صدام حسينِ
كانت هذه خطوة سياسية مؤثرة يمكنها، بغض النظر عن أسباب إثارتها، فتح باب الحوار الأميركي - العراقي المباشرِ ولا يمكن تغافل واقعة أن المبادرة انطلقت من واشنطن، مما يسهل على بغداد تقديم رد إيجابي لأنه لا يستطيع أحد الاشتباه في ضعف بغدادِ وكان هذا التحول يروق لصدام حسين نفسه إذا كان يريد " إنقاذ ماء وجهه " في الواقع ويعير له اهتمامه الأولِ وكانت مبادرة الرئيس بوش تصب تماما لصالح وجهة نظرنا وفي إطار الخطة المنسقة داخل مجموعة " الخمسة " والموجهة للعمل النشيط مع بغداد في مرحلة " توقف النوايا الحسنة "ِ وللتأكيد قيل في بيان وزارة الخارجية السوفيتية في هذا الصدد بأنهم في " الاتحاد السوفيتي يستحسنون هذه المبادرة " وأن " الحوار بين الولايات المتحدة والعراق له أهمية بالغة للتوصل إلى الاقتراب العملي وفك حصار الحالة الخطيرة للغاية في الخليج "ِ وأشير في البيان الى أن " قرار مجلس الأمن له سعة زمنية تمكن من حل النزاع بطريقة سياسية سلميةِ وينبغي انتهاز هذه الفرصة لكي لا تنقلب الحالة نحو الخيار العسكري 'ِ
لكنه للأسف، لم يختلف رد فعل بغداد على القرار 678، عن رد فعلها على القرارات السابقة لمجلس الأمنِ وصرح صدام حسين حالا بأنه 'لا ينوي الرضوخ للجور'ِ وقال في تصريحه التلفزيوني 'إذا شبت الحرب فسنحارب على النحو الذي سيفخر به العرب والمسلمون'ِ وفي 30 نوفمبر رفض مجلس قيادة الثورة رسميا القرار 678 واعتبره 'غير شرعي' وليست له قوة القانونِ وكتبت جريدة 'الثورة' في 2 ديسمبر أن 'العراق العظيم بقيادة صدام حسين وبفضل قدرته على التغلب على النزاع سيحافظ على الفخر والثبات بتحديه حشد الأشرار والطغاة 'ِ وقصدت الجريدة هنا إما مجلس الأمن وإما التحالف المعادي للعراق وإما الاثنين مجتمعينِ
ومع ذلك نظروا في العالم الى ما ستتخذه بغداد عمليا ردا على مبادرة الرئيس الأميركيِ وكان هذا المقترح يقتضي أن يستقبلوا في واشنطن في 10 ديسمبر طارق عزيز ومن ثم يسافر جيمس بيكر الى بغداد " في الوقت الملائم لكلا الجانبين "ِ وأظن بأن هذا التتابع يعني بأنهم لم ينتظروا في واشنطن أي شيء من المحادثات مع وزير الخارجية العراقي (كان ثمة رأي ثابت في العالم بضرورة إجراء المباحثات مع صدام حسين مباشرة)ِ ولذا كانت الآمال الرئيسية تتعلق برحلة بيكر الى بغدادِ وظهر أن الأمر لم يكن بسيطا في الواقعِ وحاولت بغداد منذ البداية تحويل المحادثات الثنائية الى محادثات بين ثلاثة أطراف بعد أن ضمت الى جانبها الفلسطينيينِ وعندما اصطدمت برفض واشنطن القطعي تراجعت عن نواياها ووافقت أن تكون مباحثات عراقية - أميركية بحتةِ ثم نشأ جدال آخر حول جدول المباحثاتِ أرادت بغداد أن تجري المناقشات على أساس المبادرة العراقية المؤرخة في 12 أغسطس، الأمر الذي لم يكن يرضي الأميركانِ غير أن فرص إجراء المحادثات نسفت تماما ونهائيا عندما اختلفوا على مسألة التواريخِ كان موقف بغداد يتضح بمدلول واحد وهو رغبتها في تأجيلها الى الحد الأقصى وكان بيكر موافق على تعيين 12 يناير، أي قبل ثلاثة أيام لا أكثر من انقضاء موعد " توقف النوايا الحسنة" المحدد من قبل مجلس الأمنِ واقترح الأميركان على العراقيين 15 تاريخا مختلفا، غير أن بغداد استماتت معللة أن الرئيس العراقي له الحق وحده تحديد الوقت الفارغ لديه لكي يقرر استقبال من ومتى يستقبله وبأنه وجد أن 12 ديسمبر وقتا فارغا لديه فقط؟ 

خلاف مطلق 

عندها أعلن جورج بوش في 14 ديسمبر بأنه نظرا لعدم الاتفاق على موعد زيارة بيكر الى بغداد فقد تم تأجيل زيارة عزيز أيضاِ وأعرب الرئيس عن استغرابه بأن الرئيس لديه متسع من الوقت لاستقبال جون كونولر ومحمد علي وادوارد ولا يستطيع إعطاء ساعة أو ساعتين لوزير خارجية الولايات المتحدة في مرحلة من 20 ديسمبر الى 3 ينايرِ وردا على ذلك ألغى صدام حسين رحلة طارق عزيز وقال إذا كانت الولايات المتحدة تريد البحث في قرارات مجلس الأمن فليس هناك سببا للسفرِ وكان ذلك يدل على تجاهل بغداد للقرار 678 كما تجاهلت جميع مطالب مجلس الأمن السابقة بالانسحاب من الكويتِ
لا استبعد بأن مبادرة بوش قدرت في بغداد كبرهان على أن التهديد بالعمل العسكري من قبل الولايات المتحدة هو مجرد 'بلف' وعلى الحكومة الأميركية نفسها أن تبحث لها عن مخرج للوضع الذي تورطت فيه بحضورها العسكري للمنطقةِ وكان هذا الرأي ضلالا مطلقا بالطبعِ
أخذ البيت الأبيض والبنتاغون ومجلس الأمن القومي الأميركي منذ زمن بعيد نهج دحر العراق عسكرياِ والشيء الوحيد الذي كان يوقف نهجهم هو انسحاب العراق الطوعي من الكويتِ ومن البديهي أن بغداد اضطرت حتى في هذه الحالة تحمل المسؤولية المادية عن الخسائر الملحقة (ناتج عن قرار مجلس الأمن) وللتعرض للتقييد العسكريِ وبعد أن حدث ما حدث لم يرض أي شيء واشنطن ولا دول الخليج العربيةِ ومع ذلك لم ينو بوش كسياسي يريد الترشيح لفترة رئاسة ثانية الدخول في مخاطرة واتهامه بهلاك الجنود الأميركيين بدون مبرر لو أعلنت بغداد عن استعدادها للانصراف من الكويت سلمياِ وكانت قيادة العراق ترتكب الخطأ الفاحش الدوري بتأويلها أعمال بوش كدليل على تردده وضعفهِ وفي الواقع أن مبادرة بوش لم تكن موجهة الى العراق، قدر توجهها الى الرأي العام الأميركيِ وكانت تهدف قبل كل شيء الى تحييد معارضة نهج حكومة الجمهوريين في الكونغرس الذي كان يسيطر الديموقراطيين على مجلسيهِ وانطلاقا من مصالحهم الحزبية كان الديموقراطيون في مجلس الشيوخ ومجلس النواب ينددون بأعمال بوش أكثر فأكثر بما في ذلك ما يقوم به بصدد الأزمة الكويتيةِ وكان بوش إذ يظهر استعداده للحوار مع صدام حسين يجيب على أولئك المنتقدين الذين كانوا يلومونه على قسوته المفرطة والتبذير وميله الى الحل العسكريِ وكان صدام حسين يساعد بوش ولم يشأ التصرف أفضلِ فكانت عجرفته الخاصة واستخفافه بالتعامل مع واشنطن الرسمية يقوضان الأرض تحت أرجل بوش ويقويان العقليات المعادية لصدام في الولايات المتحدةِ
اعتمد بوش بتحريك قواته الى منطقة الخليج على صلاحياته كرئيس وقائد أعلى للقوات المسلحةِ والآن وبعد أن أصبحت الحرب على الأبواب، كان يريد الحصول على مصادقة السلطة التشريعيةِ ولم تكن هذه المصادقة ضرورية له على الإطلاق لأن كل رؤساء الولايات المتحدة كانوا طوال التاريخ الأميركي قد استخدموا القوات المسلحة نحو 200 مرة وفقط في خمس حالات أعلنوا الحرب شكلياِ غير أن درجة المخاطرة السياسية الناشئة في البيت الأبيض واحدة، لكنها تصغر لو تم الاعتماد على تأييد الكونغرس وتأييد المجتمع بشكل عامِ كانت مبادرة بوش في أساسها عبارة عن 'بوبليك ريليتشن' نموذجية، لو استخدمنا مصطلحا معاصرا وعدت ناجحة جدا وأمنت بغداد هذا النجاح حيث ارتفعت شعبية بوش الى الأعلى بثقةِ
وفي موسكو كانوا خائبي الأمل وقلقين جدا من تصرفات بغداد غير المعقولة جدا بعد أن ضيعت فرصتها بالبدء في الحوار مع معارضها الرئيسيِ ولم يكن 'توقف النوايا الحسنة' بالنسبة لنا موجها لرحيل خبرائنا من العراق فحسب، بل بأنواع مختلفة من الإجراءات الهادفة كالسابق الى حث العراق على الانصراف من الكويت سلميا أيضاِ 

حل أزمة الشرق الاوسط 

ويجب أن أقول بإن الدبلوماسية السوفيتية التي حصلت من الأمريكان في هلسنكي على الالتزام بالعمل من أجل تسوية النزاع العربي - الإسرائيلي فورا بعد حل الأزمة الكويتية، كانت تحفظ هذا الموضوع في مجال بصرها وتعود إليه بشكل دوري في كل اتصالاتها مع الولايات المتحدة ومع العرب والأوروبيين الغربيين على السواءِ وكانت هذه المسألة في جدول أولويات أعمال شيفرنادزه وإن كان ذلك يهيج الأمريكان بصورة ملحوظةِ وكانوا يبدون رأيهم بأن أي نشاط في هذا الاتجاه لن يكون قبل الانتهاء من الأزمة الكويتية وأن أية خطوة ستفهم كتسليم لمطالب صدام حسينِ وكان الجانب السوفيتي ينقض ذلك بثبات ويحاول البرهنة على أن الفائدة السياسية للأوساط الحاكمة والجماهير العربية على السواء ستتجلى في خضم الصراع النشيط بين خصوم صدام حسين وأنصارهِ
وفي نهاية نوفمبر وخلال لقاء نيويورك اضطر بيكر لأن يعد شيفرنادزه بالالتقاء في هيوستن للإدلاء بتصريح مشترك مناسب في هذا الصددِ غير أن بيكر تهرب في هيوستن من تنفيذ الوعد الذي قطعه حيث بحث الوزيران طائفة واسعة من المسائل على الرغم من الضغط المكثف الذي مارسه شيفرنادزه عليهِ ولم يتسن الاتفاق أيضا الى أن يتخذ مجلس الأمن قرارا بإظهار موقف متعادل بين الأزمة الكويتية والنواحي المختلفة للنزاع العربي - الإسرائيليِ وأعطى التأكيدات الثابتة بالانشغال بلا إبطاء بالشؤون العربية - الإسرائيلية بعد تحرير الكويت (وفى بيكر بهذا الوعد)ِ وأظن بأن مثابرة وزير الخارجية السوفيتي لم تكن عديمة الجدوىِ
زار شيفرنادزه تركيا أثناء عودته من الولايات المتحدة بعد أن دعوه إليها منذ زمن بعيدِ وكانت المقارنة في المواقف مع جارنا الجنوبي والذي يجاور العراق أيضا مفيدة في كل الأحوالِ وكنت مرتاحا لأنه تسنى للوزير زيارة أنقرة بعد أن وعدتهم بأن ذلك سيتحقق في أقرب فرصةِ
عاد الوزير الى موسكو قبل افتتاح المؤتمر الرابع لنواب الشعب السوفيتي بقليل والذي كان من المنتظر أن يكون عاصفا لأن الأوضاع الداخلية في البلاد توترت في ذلك الوقت بشدةِ وحمل اليوم الثاني من أعمال المؤتمر في 20 ديسمبر 1990 مفاجأة مثيرة حقيقيةِ
في 19 ديسمبر عملت في الوزارة حتى ساعة متأخرة من الليل، حيث كنا نعد خطاب الوزير في جلسة المؤتمر (السوفيت الأعلى) الذي سيعقد في اليوم التاليِ وكان على شيفرنادزه التحدث للنواب في مجال السياسة الخارجية وكيفية تشكل الظروف الخارجية لخدمة البلاد وتطويرهاِ وتناول الخطاب بالطبع، مشاكل الخليج والشرق الأوسط وأفغانستانِ
كنت أدرك بأن الوزير سيتعرض في المؤتمر لهجمات جديدة وعطفت عليه كلياِ ولم أستطع التصور بأن الوزير ذهب الى المؤتمر مع قرار كان قد اتخذهِ
ألقى شيفرنادزه في المؤتمر خطابا آخر تماما وخاليا من تلك المواد التي حضرناها في الوزارة لهِ كان الخطاب وجيزا وعبارة عن احتجاج ناتج من ألمه الداخلي على ما كان يجري حينذاك في أوساط نخبة البلاد السياسية التي انقسمت الى عدة جماعات وتوغلت أكثر في الخصومات الداخليةِ وكان ميخائيل غورباتشوف نفسه ومن كان يسانده في عملية إعادة البناء هدفا رئيسيا لمختلف الهجماتِ وكان الكثيرون يطلقون السهام على غورباتشوف ويصوبونها في حقيقة الأمر الى شيفرنادزه، وإن كان لديه الكثير من الخصوم المتعصبين والأعداء الخفيينِ سمى شيفرنادزه هذا في كلمته في المؤتمر بالاضطهاد الحقيقي وكان لا يجافي الحقيقةِ لقد ضاق صبرا وصرح من على منصة المؤتمر بأنه سيستقيلِ وأرى بأنها الحالة الأولى في التاريخ السوفيتي عندما يعتزم عضو في الحكومة وبهذا المستوى على إجراء مثل هذه الخطوةِ
كنت أشفق بإخلاص على فقدان جهازنا الخارجي لرئيسه الذي اكتسب أثناء ست سنوات بمنصب الوزير الاحترام والعطف لدى الأكثرية الساحقة لموظفي الخارجيةِ

انتهاء ملحمة الرهائن 

صرح ناطق باسم مجلس قيادة الثورة العراقي في 4 ديسمبر 1990 عن قرار اتخذه، وهو خاص بالسماح ابتداء من 5 ديسمبر لجميع الخبراء السوفيت الذين يرغبون في ذلك بالرحيل من العراقِ واتخذ في 6 ديسمبر قرارا مشابها حيال المواطنين الأجانب الآخرين بمن فيهم الرهائن (أو الضيوف كما يحلو للعراقيين تسميتهم)ِ
هل من المفيد أن نتكلم عن السرور والغبطة اللذين استقبلنا بهما هذا النبأِ وفورا أدلت وزارة الخارجية بتصريح خاص بهذه المناسبة لكي يعرف الناس في أنحاء البلاد بأن كافة المواطنين السوفيت لم يعودوا محجوزين قسرا في العراق ويقل قلقهم على مصائر أقربائهمِ فما الذي دفع قادة العراق الى تغيير موقفهم في المسألة الخاصة بالأجانب بصورة حادة ِ وانطلاقا من تصرفات العراق السابقة من المشكوك فيه أن نربط هذا التغيير بالحب للإنسان والإنسانيةِ ومن المرجح أن يربط ذلك بتغيير الإدراك عن الأوضاع، ويمكن أن نجد الجواب في التصريح الرسمي في قاعة مجلس الأمن المؤرخ في 29 نوفمبر أثناء اتخاذه القرار 678 ِ قيل في كلمة وزير الخارجية السوفيتي ما يلي: نحملها (القيادة العراقية) بصورة خاصة المسؤولية الشخصية عن مصير الأجانب في العراق وسننظر في محاولة اغتيالهم كجريمة ضد الإنسانية مع كافة العواقب المترتبة على هذا الفعل (أما العواقب التي لمح الوزير إليها بصورة واضحة عرفت جيدا هي قفص الاتهام على طراز محكمتي ينورمبرغ وطوكيو)ِ
ونوه الوزير بوضوح إلى أن الاتحاد السوفيتي لا يريد ولا يؤيد ولا يقترح توسيع نطاق العقوبات في مجلس الأمنِ وقال ان هذا الالتزام يؤخذ على عاتقه بلا خسارة لأي حقوق للاتحاد السوفيتي حسب ميثاق الأمم المتحدةِ وإن سمحت حكومة العراق لنفسها بإلحاق خسائر ما بالمواطنين الأجانب المحتجزين ضد إرادتهمِ وأخيرا وردت وفقا للاتفاق المتبادل في كلمات وزراء خارجية الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة وإنكلترا وفرنسا صيغ متشابهة تقريبا كانت تذكر بالبند الثالث للقرار 678 التي تعلق على بعض الأشخاص المسؤولية الشخصية للمخالفات الخطيرة لمعاهدة جنيف الرابعةِ
وصرح ادوارد شيفرنادزه في ذلك الوقت في أحد أحاديثه لكي يصبح كل شيء واضحا: " دع الجميع يعرفون بأننا لن نتوقف من أجل الدفاع عن مواطنينا باستخدام أي وسيلة نراها ضروريةِ وقد حان الوقت لأن نكف عن التعطل في الحالات حيث تمتهن كرامة الإنسان ومصيره وتعد عملة صرف في الألعاب السياسية الماجنة "ِ
وبما أنهم في بغداد وحدهم يعرفون بأنهم إذا سحبوا أو لم يسحبوا قواتهم من الكويت بانتهاء 'توقف النوايا الحسنة' فان عواقب ذات طابع شخصي ستترتب على قادة البلاد نتيجة لحجزهم الأجانب قسرا وخشيتهم بالفعل من أن يصبحوا ضحايا العملية العسكريةِ أدركوا عندها بأن الرهائن الذين استخدموهم كورقة للضغط واللعب لمدة أشهر تحولوا الى مصدر خطر شخصي كبير بالنسبة للقيادة العراقية العلياِ وأظن بأن هذا أهم شيء حسم الأمرِ


يتبع ...
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

mi-17

مشرف
مشرف

avatar








مُساهمةموضوع: رد: كتاب " الكرملين وأزمة الكويت " لنائب وزير الخارجيه السوفيتي السابق الكسندر بيلونوغوف   الخميس يوليو 30 2015, 21:01

الحلقه 23 

على الرغم من أن بغداد وواشنطن لم تتوصلا الى اتفاق عن رحلات وزيري خارجيتهما لأجل اللقاء برئيس الولايات المتحدة والعراق، إلا أن موسكو لم تكف عن بذل جهودها لتنظيم الاتصالات العراقية ـ الأميركية المباشرة وتتصرف في الاتجاهين الأميركي والعراقي على السواءِ
وانحصرت إحدى مهام الوفد برئاسة نائب رئيس مجلس الوزراء السوفيتي بيلوسوف الى بغداد لدفعها الى المرونة وإبداء الاهتمام بالمحادثات مع الولايات المتحدة التي كنا نثق بإمكان حدوثهاِ وطرح بيلوسوف هذه المسألة في حديثه مع صدام حسينِ وتكلم مدير إدارة بلدان الشرق الأوسط وشمال أفريقيا كولوتوشا، الذي كان ضمن قوام الوفد، بالتفصيل عن هذا الموضوع مع طارق عزيز وحاول إقناعه بأن الموقف الذي اتخذته بغداد يلحق بمصالحها الحيوية خسارة جسيمةِ
وكان لسفيرنا في بغداد فيكتور بوسوفاليوك في 2 يناير 1991 حديث طويل مع صدام حسينِ أشار السفير انطلاقا من قرار مؤتمر نواب الشعب الى أن واجب القيادة العراقية ينحصر في إظهار الحكمة والرجولة لكي تحول دون اندلاع النزاع المسلح بالاستفادة من الوقت الباقي قبل 15 يناير في حوار مثمر مع الولايات المتحدةِ ولم يستغن الأمر من جديد عن إلقاء صدام حسين لمحاضرة تاريخية عن حقوق العراق التاريخية في الكويت وقال إنهم في العراق يريدون التعاون مع الولايات المتحدة كدولة عظمى رقم 1 وأن ثلث النفط العراقي كان يوجه قبل أحداث 2 أغسطس الى أميركاِ وألقى ذنب كل شيء على عاتق واشنطن والكويت اللتين دفعتا بغداد جراء سياستهما إلى اللجوء الى القوةِ وقال صدام حسين: 'إذا شنوا الحرب ضدنا فسننازلهم حتى النهايةِ لا تخيفنا قدرة أميركا وإن كنا نعرف أن الخسائر في الأرواح والممتلكات ستكون هائلةِ وحتى إذا دمر الأميركان كل العراق فسنستمر في النضال لأن نجاحنا أسس النضال في العراق'ِ
يمكننا أن نقوم بالتنجيم فقط لو كان الزعيم العراقي يفكر على هذا النحو، أو أنه في حقيقة الأمر يريد إنذار واشنطن بواسطتناِ أما بوسوفاليوك فكان يتصرف وفقا للتعليمات المتوفرة لديه، حاول إقناع صدام حسين بالضرورة الملحة للبحث عن الحل السلمي وأن لا يشتبك في أي حال من الأحوال في معارك حربيةِ
وقامت جماعة من نواب الشعب للاتحاد السوفيتي بالعمل في الاتجاه نفسه في بغداد حيث التقت بصدام حسينِ وكانت تبذل جهودها في هذا الاتجاه الكثير من سفاراتنا في البلدان الأوروبية والعربية والبلدان الأخرىِ وطلبت من عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية أبو مازن لدى استقبالي له في 3 يناير أن يستخدم نفوذ المنظمة وزعيمها ياسر عرفات شخصيا الى حده الأقصى في الأيام القليلة الباقية حتى انتهاء 'التوقف' بغية إقناع بغداد في اتخاذ القرار اللازم والتغلب على غطرستهم التي ستقضي على شعبهم بالحرب وبالتالي الفقر والآلامِ وكان الوقت يجري سريعاِ
لا يعرف فيما إذا أثارت حججنا المعروضة في موسكو وبغداد وواشنطن أو أثرت خطوات الدول الأخرى المتشابهة أو أي أسباب أخرى في اقتراح جورج بوش في لقاء جيمس بيكر وطارق عزيز على أرض محايدة في جنيف في الفترة بين 7 و 9 ينايرِ وافق صدام حسين على ذلكِ وعين اللقاء في 9 ينايرِ
استحسنت وزارة الخارجية السوفيتية هذه التطورات، وكما جاء في بيان رسمي: 'نعلق الآمال على إجراء الحوار الأميركي ـ العراقي لغرض فك الأزمة الحادة في الخليج على أساس القرارات المناسبة لمجلس الأمنِ ويجب أن ينتهي توقف النوايا الحسنة بانتصار العقل السليم ويأتي بالثقة ويعيد العدالة والاستقرار الى منطقة الخليج'ِ
أحال سفير الاتحاد السوفيتي في بغداد في 8 يناير رسالة دورية من ميخائيل غورباتشوف الى صدام حسين بصدد اللقاء الأميركي ـ العراقي وركز فيها الاهتمام على ضرورة عدم إهمال هذه الفرصةِ 

لقاء جنيف بين بيكر وعزيز 

ولكن لم يثمر الحديث بين بيكر وعزيز الذي استمر ست ساعات عن شيءِ وفي الليل المتأخر من 9 يناير هاتف وزير الخارجية الأميركي بيكر، شيفرنادزه ليخبره بشكل عام بما حصل، وأطلعه في اليوم التالي في رسالة خاصة على تفاصيل لقاء جنيف (بعد الاستقالة كان شيفرنادزه يقوم لبعض الوقت بأعمال الوزير في انتظار تعيين خلفه)ِ
واتضح من هذه الأحاديث أن ما قاله بيكر لعزيز باسم الرئيس بوش كان بسيطا: إما أن ينصاع العراق لمطالب المجتمع الدولي ويرحل سلميا من الكويت وإما سيجبرونه على ذلك بالقوةِ ويجب ألا تكون ثمة أوهام ما أو عدم فهمِ وأشير في غضون ذلك من الجانب الأميركي الى أن الأفضلية للحل السلمي، وأكدوا بأن الولايات المتحدة لن تهاجم العراق إذا نفذ قرارات مجلس الأمن، وأن القوات الأميركية ستترك منطقة الخليج بعد ذلك وأنها ستؤيد النداء الذي احتواه القرار 660 الى العراق والكويت الداعي الى تسوية خلافاتهما، ويمكن أن يحدث ذلك فقط بعد انسحاب القوات العراقيةِ وأكد وزير الخارجية الأميركي على استبعاد ربط رحيل القوات العراقية من الكويت بتسوية النزاع العربي ـ الإسرائيليِ وأكد لعزيز الاستعداد للانشغال بمسائل التسوية في الشرق الأوسط حالا بعد انسحاب العراق من الكويتِ
وقال بيكر أن الطريق للسلام لا يزال مفتوحا وأن على بغداد أن تختار في آن واحد طريق المجابهة الحربية وعواقبها الكارثية عارضا إمكانات القوات المتعددة الجنسية المنتشرة بالقرب من العراقِ وأنذر الجانب العراقي بأن حالة الشاه لن تحصل فإذا بدأت الحرب فستصل الى النهاية الحاسمة والسريعةِ وأنذر عزيز كذلك بأن العواقب ستكون وخيمة إذا لجأ العراق لاستخدام السلاح الكيميائي أو البيولوجي أو الى أفعال إرهابية أو تدمير المنشآت النفطيةِ
ونتج من الحديث أن الجانب العراقي لم يظهر أي دلائل على استعداده لتنفيذ قرارات مجلس الأمنِ ورفض عزيز قبول رسالة جورج بوش لصدام حسين لأنه قدر أسلوبها بأنه غير مقبولِ وقال عزيز إن أعمال العراق لم تكن خطأ وانه يتوقع الأعمال العسكرية ضده منذ 2 أغسطس، ويدرك بالكامل ما هي القوى التي نشرت ضده ودرجة فاعلية الأسلحة التي ستستخدمِ ولكنه اعتقد أن العراق سيخرج منتصرا من الحربِ وقال عزيز كذلك إنه مع بداية الحرب فستنجر إليها جميع بلدان الإقليم بما فيها إسرائيلِ



وحسب الرواية الأميركية فقد الكثير من الوقت لمناقشة الأمور الثانوية: كان عزيز يحاول إثبات أن أعمال العراق ضد الكويت ذات طابع دفاعي، وأن قراري مجلس الأمن 660 و 678 باطلا لأن العراق لم يمثل عند اتخاذ القرار الأول بممثله الدائم بل بنائبه، ويكون القرار الثاني باطلا لأنه لم تكن هناك سوابق له وليس لقرار جامعة الدول العربية قوة القانون لأنها لم تتخذ بالإجماع، وأن صدام حسين لم يعط لأحد ما، لا للملك فهد ولا للرئيس حسني مبارك ولا الملك حسين ولا للسفير الأميركي أي تأكيدات في أنه لن يقوم بفعل حربي ضد الكويتِ وقال عزيز أن الكثيرين بالغوا كما زعم، في تقرير منظمة العفو الدولية الخاص بفظائع العراق في الكويت وأن تصرفات العراق في الخليج تتيح فرصة فريدة للقيادة الفلسطينيةِِِالخ
وفي نهاية اللقاء أخطر بيكر بأن الولايات المتحدة قامت باستدعاء خمسة موظفين آخرين من السفارة الأميركية في بغدادِ واذكر أن في اليومين المتبقيين دخلت الكويت تشكيلات هائلة من القوات التي قدر أن تسحب في الاتجاه المعاكسِ وبقي 6 أيام لحظة الحديث قبل انقضاء 'توقف النوايا الحسنة'ِ
أطلع الجانب العراقي بدوره موسكو على نتائج لقاء جنيف وركزوا الاهتمام على أشياء أخرىِ قال السفير العراقي غافل حسين في حديثه معي بأن بيكر طلب من العراق بشكل إنذار نهائي تنفيذ 12 قرارا لمجلس الأمنِ وبالرغم من التهديد ببدء العمليات العسكرية ضد العراق، صرح وزير الخارجية الأميركي بأن بغداد لم تستلم التهديدات الأميركيةِ
وكان السفير يتحدث من جديد عن ضم الكويت النهائي وأشار الى موافقة بغداد على النظر الى مسألة الكويت في إطار الحل الشامل لمشكلة الشرق الأوسط فقطِ وأشار الى أن المشكلة الكويتية يجب أن تحل في الإطار العربي وحده وبلا تدخل من الدول الأجنبية وبأخذ حقوق العراق التاريخية في هذه 'المحافظة' بعين الاعتبارِ
أظن بأن القارئ سيهتم بمحتويات رسالة جورج بوش الموجهة الى صدام حسين والتي رفض طارق عزيز قبولها من جيمس بيكرِ جاء فيها:
'نقف الآن على حافة الحرب بين العراق والعالمِ وهذه الحرب التي بدأت بتدخلكم في الكويت وقد تنتهي بتنفيذ العراق التام دون قيد أو شرط القرار 678 لمجلس الأمنِِِ نفضل النهاية السلمية، وان تنفيذ القرار 678 يكون مقبولا ولن تكون هناك أي مكافأة للعدوان ولن تكون هناك أي محادثاتِ ولا يمكن أن يكون أي حل وسطِ غير أن العراق سيتمكن من جديد من الاتحاد مع المجتمع الدولي عن طريق تنفيذه القرار بالكاملِ وإذا لم تغادروا الكويت بالكامل ودون قيد أو شرط ستفقدون أكثر من الكويتِ ولا يدور الحديث عن مستقبل الكويت التي ستحرر وستتم إعادة حكومتها، بل على الأرجح حول مستقبل العراق وعليكم أن تحددوا الخيارِِ
لقد شعر العراق بتأثير العقوبات التي أقرتها الأمم المتحدة وإذا حصلت الحرب فستحدث مأساة كبيرة لكم ولبلادكمِ
اسمحوا لي كذلك بالإشارة الى أن الولايات المتحدة لن تحتمل استخدام الأسلحة الكيميائية أو السلاح البيولوجي أو تدمير آبار النفط ومنشآته في الكويتِ وسيطالب الشعب الأميركي بأقوى رد ممكنِ زد على ذلك ستتحملون المسؤولية الكاملة عن الأعمال الإرهابية ضد أي عضو في التحالفِ وستدفعون أنتم وحزب البعث وبلادكم الثمن الهائل إذا أصدرتم الأمر بالقيام بهذا النوع من الأعمال الطائشةِ
أكتب هذه الرسالة لا لكي أهدد، بل بغية إطلاعكم على سير الأحداثِ وأقوم بذلك بلا شعور بالرضا لأن الشعب الأميركي لا يريد مشاجرة الشعب العراقيِ

السيد الرئيس، أقر مجلس الأمن المدة لغاية 15 يناير هذا العام بصفة 'توقف النوايا الحسنة' لكي تتمكن الأزمة من الانتهاء بلا قسرِ ويتعلق بكم وحدكم استخدام هذا التوقف، كما ينبغي، أو سيصبح ببساطة فاتحة للعنف المطردِ آمل أن تزنوا خياركم بدقة وستختارون بحكمة لأن الكثير يتوقف على هذا'ِ

أسفوا في موسكو بلوعة لأن القادة العراقيين فاتتهم في المرة الدورية فرصة ممتازة لإنهاء القضية بسلام والانصراف من الكويت بوقارِ ودفعتهم عزة النفس والغطرسة من جديد إلى ما هو أسوأِ 

المحاولات الأخيرة لمنع الحرب 

جرت في 11 يناير المكالمة الهاتفية بين ميخائيل غورباتشوف وجورج بوش بمبادرة الرئيس السوفيتيِ وعلمت عما دار الحديث حوله متأخرا من مقالة يفغيني بريماكوف 'الحرب التي كان يمكن ألا تقع'ِ واتضح أن غورباتشوف أعرب حينذاك عن استعداده لتوجيه ممثله مرة أخرى الى بغداد مع 'مجموعة من الاقتراحات غير المرئية' كما يسمونهاِ وأطلق مساعد الرئيس تشيرنيايف على هذه المقترحات في مذكراته 'خطة بريماكوف' ولا حاجة للاستغراب لو عرفنا موقف الولايات المتحدة من سفيرنا في واشنطن أِ بيسميرتنيخ الذي أحيلت بواسطته مجموعة المقترحات الى البيت الأبيض بتكليف من غورباتشوف والذي سمع ما يلي: لا تعارض الولايات المتحدة رحلة الممثل السوفيتي الى بغداد وعليه أن يقول مرة أخرى لصدام حسين 'ارحل من الكويت'ِ
وقرروا في الكرملين أن أي شيء صالح لن ينتج من هذه الرحلةِ فقد قيل كل شيء من جانبنا على مختلف المستويات بما فيها مستوى الرئيس وليس لمرة واحدةِ ولا أعتقد بشكل عام بأن الكرملين كان بحاجة الى إحياء 'المجموعة غير المرئية' المذكورة في المقترحاتِ ولم تؤد هذه العملية إلا لمزيد من اليقظة لدى المشاركين في قوات التحالفِ
ومع ذلك ما زالت فرصة اللحظات الأخيرة للانحراف عن الطريق المؤدي الى الكارثة قائمةِ وكانت زيارة السكرتير العام للأمم المتحدة لبغداد هذه الفرصةِ ونوقش إمكان هذه الزيارة في مجموعة 'الخمسة' في نهاية نوفمبرِ وتم في 9 يناير أثناء المكالمة الهاتفية بين شيفرنادزه وبيكر الاتفاق على اتخاذ محاولة أخرى للحيلولة دون الوقوع في الحرب بتقديم المساعدة وبكافة الوسائل لدعم مهمة بيريس دي كويلار في بغداد،أعلن عنها رسميا في 11 يناير في هيئة الأمم المتحدةِ وأدلت وزارة الخارجية السوفيتية في اليوم نفسه بتصريح قيل فيه: 'نتوجه الى جميع الأطراف، وبالأخص العراق، بالنداء لتدارك خطورة اللحظة الراهنة وإظهار الحرص على مصير المنطقة وشعوبها'ِ وأشارت وزارة الخارجية الى ما يلي: 'يجب أن تستغل كافة الجهود الدبلوماسية والسياسية بغية إبعاد منطقة الخليج من النزاع العسكري الذي ستكون له عواقب أكثر دمارا بالنسبة إلى شعوب المنطقة، وقبل كل شيء، الشعب العراقي'ِ
كانت لدى كويلار خبرة واسعة في التعامل مع العراقيين وبالأخص في السنوات الست الأخيرة الصعبة لبغداد في الحرب العراقية ـ الإيرانيةِ وكانت بغداد تقدر جهود السكرتير العام للأمم المتحدة لغرض إنهاء الحرب حق قدرهاِ غير أن بغداد رفضت بحزم المحاولة المتخذة في 30 أغسطس 1990 من قبل السكرتير العام والرامية إلى استمالة العراق للانصراف من الكويتِ وجرى لقاء دي كويلار بطارق عزيز في عمانِ وكان عزيز يوافق على إطلاق سراح الرهائن مقابل الالتزام بعدم استخدام القوة ضد العراقِ وخرجت مسألة الكويت من إطار المحادثات وكأنها قد حلت نهائياِ وكان على السكرتير العام أن يلتقي بصدام حسين من أجل بذل الجهد الأخير لتفادي الحربِ



استمر حديثه مع رئيس العراق لساعتين ونصف الساعة ومع طارق عزيز ثلاث ساعاتِ وغادر بغداد ليلة 14 يناير من دون التوصل الى شيء ماِ وقال كويلار بعد العودة الى نيويورك للصحافيين بأن صدام حسين لم يظهر أقل رغبة في الانسحاب من الكويت وأن السلطات العراقية لم تقترح أي شيء يمكن فهمه كخطوة باتجاه السلامِ
أخبر السكرتير العام في مساء 14 يناير بالتفصيل مجلس الأمن عن محادثاته غير المجدية في بغدادِ وكان اتخاذ القرار الخاص بإثبات تبعية الكويت للعراق بجميع الوسائل بما فيها العسكرية المقر من المجلس الوطني العراقي في 14 يناير بمثابة خاتمة زيارة السكرتير العام من الجانب العراقيِ
ومع ذلك توجه بيريس دي كويلار قبل نهاية 'توقف النوايا الحسنة' في مساء 15 يناير الى صدام حسين برجاء ملح و 'نداء دراماتيكي' لغرض تنفيذ مطالب مجلس الأمنِ وانحصرت محتويات النداء فيما يلي:
 دعا دي كويلار رئيس العراق الى 'البدء فورا بالانسحاب من الكويت'، وأكد له بأنه 'في حالة بداية هذه العملية لن يتم الهجوم على العراق ولا على قواته المسلحة'ِ وقال إنه سيبعث بنفسه مراقبين من الأمم المتحدة، إذا اقتضى الأمر، لمنع الحوادث والاستعداد لطرح المسألة في مجلس الأمن من أجل 'إعادة النظر في القرارات الخاصة بالعقوبات على العراق'ِ ووعد بمساعدة عملية سحب القوات الأجنبية من المنطقةِ ووعد أخيرا مشيرا الى تأكيدات الحكومات التي حصل عليها بأنه بعد حسم هذه الأزمة 'ستتخذ كافة الجهود بغية العمل على تسوية النزاع العربي ـ الإسرائيلي على أساس شامل بما في ذلك القضية الفلسطينية'ِ
وكان من المهم الإشارة الى أن نداء السكرتير العام أيد من كل الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن، وتضمن النداء الكثير من الضمانات التي من الممكن في حالة عدم تحقيقها المس بسمعة دي كويلار الوظيفية والشخصيةِ غير أن العراق تجاهل هذا النداء والضمانات المشرفة تماما لهِ
ويرى نائب السكرتير العام للأمم المتحدة لشؤون مجلس الأمن فِ سافرونتشوك بأن العراق كان يتعامل مع جهود السكرتير العام السلمية بلا اهتمام واجب وبلا احترامِ وبعد عدة أيام من بداية العمليات العسكرية أرسلت بغداد الى دي كويلار رسالة مؤلفة من عبارات مهينة بلا استحقاق، وسلكت بعد هذا بصورة أسوأ من خطواتها الأولى: نشرت في الصحف الأردنية حديثا مختزلا بين دي كويلار وصدام حسين، وإن كان الحديث سريا، فيمكننا القول ان بغداد كانت تريد إغاظة السكرتير العامِ فهل كان دي كويلار مذنبا في انهيار الصواريخ والقنابل على العراق ؟ كان هو بالذات لا يريد أن يحصل ذلك (في حدود إمكاناته بالطبع)ِ فقد اختارت بغداد هذا الخيارِ
واعتقد بأنه ليس ثمة حاجة لإثبات أن زيارة دي كويلار لبغداد ونداءه اللاحق كانا يقدمان للقيادة العراقية فرصة فريدة من نوعها للخروج بصورة جميلة من الضربة التي خيمت عليهاِ ومهما كان الأمر، لم يوجه النداء الى بغداد رئيس دولة معينة، بل أعلى شخصية للمنظمة الرئيسية في العالم، وقام بذلك في بغداد ونيويورك على السواءِ وكان ذلك حسب أي معايير، حتى أقساها وأكثرها حزما، كافيا تماما لتفسير سبب ترك القوات العراقية الكويت خلافا لرأي قيادتهاِ

استقالة شيفرنادزه 

التقيت في 20 ديسمبر بالسفير الأميركي في موسكو ميتلوك وسألني إن كان بالإمكان إقناع شيفرنادزه بإعادة النظر في قرارهِ أجبته قائلا: 'كما أعرفه، كلاِ لن يريد أن ينظروا إليه كشخص قادر على اللعب البهلواني'ِ

يكتب ميتلوك في مذكراته بأن 'شيفرنادزه توصل الى نجاح باهر في تأمين مهام إعادة بناء السياسة الخارجية في وقت كان فيه ميخائيل غورباتشوف يتراجع على الجبهة الداخلية'ِ
أثار إعلان شيفرنادزه الاستقالة رد فعل غير متجانس لدى نواب الشعب السوفيت: منهم من كان يفرك يديه مسرورا، ولكن أكثرية النواب أدركوا بأن مغادرة الوزير يجب ألا تترك انطباعا بأن موسكو تغير من نهجها أو لا تعرف ماذا تفعلِ وعلى هذا الأساس اتخذ المؤتمر في 29 ديسمبر قراره الخاص بالمصادقة على 'النهج السياسي والخطوات العملية للقيادة السوفيتية والحكومة بصدد الأزمة في الخليج والإجراءات الخاصة بتأمين عودة المواطنين السوفيت من العراق الى الوطن'ِ وجاء في القرار أن 'المؤتمر يثبت تأييده للقرارات المناسبة لمجلس الأمن المتخذة بعد اعتداء العراق على الكويت، وأشار بالأخص الى التمسك بالبحث عن حل سلمي للأزمة بشكل يتطابق مع هذه القراراتِِِ ويتوجه المؤتمر الى قيادة العراق وشعبه بالنداء الملح الى إبداء الشعور بالمسؤولية العالية تجاه مصير الوطن والسلام العالمي وتنفيذ مطالب المجتمع الدولي المؤسسة على قواعد الحياة المتمدنة والشرعيةِ ويجب أن ترحل القوات العراقية من الكويت ويعاد استقلال البلد وسيادته'ِ
تاليا، حير قرار أعلى هيئة لحكم الدولة في الاتحاد السوفيتي العالم جدا باستقالة شيفرنادزهِ وسروا بها في بغداد فقط وبعض الدول الأخرى فقطِ
سلمت في 30 ديسمبر رسميا نص قرار المؤتمر الى السفير العراقي لأجل إحالته الى بغداد، وأشرت الى أن اتخاذ القرار من أعلى هيئة للحكم في البلاد يظهر الخطورة التي يعيرها الاتحاد السوفيتي لمشكلة تسوية أزمة الخليجِ وقلت انه ليست ثمة في الشؤون الدولية مشكلة أكثر حدة بالنسبة لناِ ويعبر القرار عن أفكار وشعور المواطنين السوفيت حيال الوضع المتشكل ويعد تفويضا لأعمالنا المطردة في هذا الاتجاهِ وفي الختام أعربت عن الأمل في أن 'توقف النوايا الحسنة' الممنوح للعراق وفقا للقرار 678 سيوظف حسب اقتراحات مجلس الأمن وأن السنة الجديدة ستكون سنة سلام لا حربِ


يتبع .....
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

mi-17

مشرف
مشرف

avatar








مُساهمةموضوع: رد: كتاب " الكرملين وأزمة الكويت " لنائب وزير الخارجيه السوفيتي السابق الكسندر بيلونوغوف   الخميس يوليو 30 2015, 21:23

الحلقه 24 

وفي أيام 'توقف النوايا الحسنة' جرت محاولات أخرى ترمي الى حل القضية بسلام؟ فقد تقدم الفرنسيون بمبادرة واعدة بآفاق واسعة جدا، ولقيت حتى انتقادات مباشرة من الأميركان و الإنكليز، في وقت اعترف فيه الفرنسيون بأن بغداد بقيت صماء تجاههاِ
وانتهت بلا أي نتيجة المباحثات التي أجراها في بغداد رئيس نيكاراغوا الأسبق دانييل أورتيغا ورئيسا وزراء اليمن وليبيا وتجاهلت بغداد نداء حافظ الأسد أيضاِ
وكان الانطباع السائد هو أن بغداد حتى نهاية 'توقف النوايا الحسنة' لم تتوقع أن قوات التحالف معتزمة على الحرب، وإن بدت جميع الدلائل على اقتراب الحرب، وكانت بينةِ
وفي 12 يناير أنزل الدبلوماسيون الأميركان علم بلادهم من مقر السفارة الأميركية وتركوا بغدادِ وأغلق الكثير من البلدان الأخرى سفاراته في بغدادِ واستمر القليل من السفارات في العمل حتى 15 يناير من مجموع 70 ممثلية دبلوماسيةِ وكانت تعمل بقوام مقتصر سفارات الاتحاد السوفيتي وكوبا ويوغسلافيا وبعض البلدان العربية وأفريقياِ غير أن هذا لم يؤثر على موقف القيادة العراقيةِ وكان يبقى الموقف الذي حدده صدام حسين أمام كوادر حزب البعث في يناير عندما قال: 'ان قواتكم المسلحة والشعب العراقي العظيم مستعدة للمعركة الحاسمة التي ستؤدي الى هزيمة قوى الشر والكفارِِِ سيكون الانتصار الى جانبناِِِ لسنا من الذين يذعنون للضغطِِِ سترون تلك المصيدة التي سيقع الأميركان فيهاِِِ إذا اشتبك الأميركان فسنجبرهم على السباحة في دمائهم'ِ
يصعب الإدراك على أي أساس كان يتظاهر بالشجاعة وبأي قدر يتصنع عندما يعرب عن توقعاته هذه للقادة العراقيين الذين مهما كان الأمر قد حددوا خيارهمِ
انقضى توقف النوايا الحسنة في 15 يناير وأخبرت في اليوم التالي مجلس السوفيت الأعلى بالحالة المتكونةِ تحدثت بالتفصيل عما اتخذته الحكومة السوفيتية وهيئة الأمم المتحدة والدول الأخرى بغية إيجاد حل سلمي، وكيف فشلت هذه الجهود نتيجة استخفاف بغداد بنصائح الأصدقاء ومطالب المجتمع الدوليِ ولم أخف أن العمل العسكري سيتحققِ وكان النواب يدركون جيدا بما فيه الكفاية الأوضاع في الخليج، حيث كانوا يناقشونها في جلساتهم أكثر من مرة آخرها في 12 ينايرِ
لم احتفظ بنص كلمتي في مجلس السوفيت الأعلى، لذا أورد ما جاء منها في وكالة تاس: 'تركز الموقف السوفيتي بصدد النزاع في الخليج على دفع القيادة العراقية لإظهار الحكمة والمحبة والسلام ولو أدنى مرونة في مسألة الكويت والتخلي عن النهج المؤدي الى الكارثة'ِ
'وأشار نائب وزير الخارجية السوفيتية الكسندر بيلونوغوف الى أن الحالة في الخليج تتحدد كالسابق بذلك الظرف الذي إن نوى العراق أم لم ينو سحب قواته من الكويت وبذلك يكمن مفتاح حل المشكلة'ِ ومع ذلك يرى بيلونوغوف أن 'حل الأزمة الكويتية السياسي محاصر كالسابق بموقف العراق الصلب الى الحد الأقصى'ِ
استمر الكسندر بيلونوغوف في القول انه حسب المعلومات الواردة الى وزارة الخارجية السوفيتية، بما في ذلك اللقاءات مع صدام حسين، يتولد الانطباع بأن القيادة العراقية لا تثق باعتزام حكومة الولايات المتحدة والمشاركين الآخرين في التحالف على اللجوء الى القوة 'ويبدو أنهم في بغداد يعتبرون حتى الآن أن جميع تصريحات قادة الولايات المتحدة لا تخرج عن إطار الحرب النفسية والمحاولات الرامية الى تخويف العراق والضغط عليه'ِ وقال بيلونوغوف: 'نعتقد أن هذا ضلال خطير'ِ وصرح الدبلوماسي بأن الجانب السوفيتي يبذل قصارى جهده بغية 'إيصال حقيقة الموقف بكل وضوح الى القيادة العراقية بكل إخلاص'ِ وقيل لصدام حسين بأنه 'ليست لدينا أية شكوك بصدد الاستنفار الكامل للأميركان الذين يستطيعون في أية لحظة بعد 15 يناير استخدام القوة'ِ وأشار الدبلوماسي الى أن ذلك سيعني 'كارثة بالنسبة للعراق وشعبه قبل كل شيء'ِ
وذكر الكسندر بيلونوغوف أن القيادة السوفيتية طلبت من صدام حسين 'عدم تفويت فرصة المحافظة على السلام في المنطقة وكانت تقول له صراحة إنه إذا سحبت القوات العراقية من الكويت فلن يهاجم أحد العراق وسيؤمن له الأمن وسيتمكن من الحفاظ على احتياطيه الاقتصادي وغيره، وأنه بعد الانصراف من الكويت سيفتح الطريق لتشغيل آلية التسوية في الشرق الأوسط'ِ
ودعا مجلس السوفيت الأعلى، بعد أن أخذ معلوماتي التي قدمتها للنواب بعين الاعتبار، الى مواصلة البحث عن قرار لحل المشكلة سياسيا وأيد في هذا الصدد 'مبادرة السكرتير العام للأمم المتحدة في 15 يناير 1991 والموجهة لتلافي الحرب في منطقة الخليج والقاضية بأنه بعد حسم الأزمة الراهنة ستتخذ كافة الجهود لأجل تسوية النزاع العربي ـ الإسرائيلي بشكل شامل بما في ذلك القضية الفلسطينية'ِ
في 16 يناير 1991 وجدت وزارة الخارجية السوفيتية وزيرها الجديدِ وهو الكسندر بيسميرتنيخ، الذي كان سفير الاتحاد السوفيتي في الولايات المتحدة وقبلها نائبا لوزير الخارجيةِ كان الاختيار موفقا كونه دبلوماسيا محترفا رفيع المقامِ ترأس الخارجية وله خبرة عمل إدارية كبيرة ويعرف جيدا جهاز الخارجية وموظفيها وهو خبير في الشؤون الاميركية ويعرف جيدا الولايات المتحدة وكانوا هناك يعرفونه حسنا أيضاِ ويعتبر هذا بحد ذاته ظرفا إيجابيا هاما آخذين في الاعتبار الأوقات المعقدة التي كان الاتحاد السوفيتي يمر بهاِ
قدم ميخائيل غورباتشوف الوزير الجديد إلينا في جلسة هيئة رئاسة الوزارةِ وقال الرئيس في غضون ذلك كلمات طيبة وملائمة في مثل هذه المناسبات بحق ادورد شيفرنادزه الذي حضر المراسمِ
كان الكسندر بيسميرتنيخ حذرا في البداية بطبيعة الحالِ وبعد أن تعود على الوضع ظهرت جرأته أكثر ولو أنه لم يشعر بالاستقلالية وذلك النفوذ الذي كان شيفرنادزه يتمتع بهِ زد على ذلك ازداد نفوذ يفغيني بريماكوف بعد استقالة شيفرنادزه وبصورة ملحوظة والذي كان يلعب بمسائل الشرق الأوسط الدور الرئيسي وكان على بيسميرتنيخ أن يحسب ذلكِ
وقع الوزير الجديد حالا في حالة معقدة جدا: لم تمض ساعات على شغله منصب الوزير، حتى انتقلت الأزمة الكويتية الى مرحلة الحرب: بدأت قوات التحالف عملية 'عاصفة الصحراء'ِ 

فوضى ليلية في الكرملين رد فعل موسكو الأول 

في ليلة 16 - 17 يناير أيقظني هاتف سكرتارية الوزير واستدعوني على عجل الى الوزارةِ وكان واضحا لي ما الذي جرى: الحربِ
وعرفت في الوزارة من مساعد الوزير، أن جيمس بيكر كلمه بالهاتف وأخبره قرب بداية العملية العسكريةِ وتطورت الأحداث في تلك الليلة على النحو التالي: يكتب الرئيس بوش في مذكراته بأنه كان مهتما جدا بعدم تسريب المعلومات عن توقيت الضربة الأولىِ لذا وضع في واشنطن جدولا خاصا لإخطار المشاركين في التحالف، آخذين في الحسبان درجة ووقت اشتراكهم في العملية وإخطار بعض الدول الأخرى بما فيها الاتحاد السوفيتيِ وقيل في كتاب بوش وسكووكروفت عن هذا ما يلي: 'قررنا لأن يخبر بيكر باندير وبيسميرتنيخ ويكلم تشيني موشي أرينس في إسرائيل قبل ساعة واحدة من البداية'!
تم اختيار ساعة الصفر بعد التنسيق مع القيادة العليا للعمليةِ وعينت في الساعة السابعة مساء بتوقيت واشنطن في 16 ينايرِ
يصف جيمس بيكر في مذكراته الأحداث كالتالي: في الساعة السادسة و 11 دقيقة مساء بتوقيت واشنطن (في موسكو الساعة الثانية و 11 دقيقة بعد منتصف الليل - المؤلف) أيقظت الكساندر بيسميرتنيخ في شقته في موسكو وأخبرته بأن الهجوم على العراق سيبدأ قريبا جداِ وأصر بيسميرتنيخ على أن أحدد له الوقت الأدق، فقلت له بعد ساعة واحدةِ طلب بيسميرتنيخ التأجيل لأن غورباتشوف يريد التوجه الى صدام بنداء أخيرِ ولم أرد لهذا السبب إخبار السوفيت سلفا ببداية القصف وقلت: 'لقد فات الأوان على ذلك يا الكسندر، لأننا تجاوزنا حد الانتظارِ كلمني هاتفيا بيسميرتنيخ بعد 27 دقيقة وقال أن غورباتشوف يطلب من الرئيس الاميركي أن يبدي له معروفا شخصيا بتأجيل الحرب ل 24 ساعة على الأقلِ وأجبته بأن الأحداث قد سبقت هذا الطلب وأن ساعة الصفر تقترب ولا يجوز تأجيل عملية بمثل هذا النطاق'ِ
عندما عرفت بعد عدة ساعات عن محاولة غورباتشوف إيقاف بداية العملية استغربت جداِ فكان كل شيء مقررا منذ زمن وأكثر من مرةِ فإذا كانت بغداد لم تستفد من 'توقف النوايا الحسنة' فأن القوة لابد أن تستخدمِ لذلك لم تكن لمحاولات غورباتشوف أي فرصة للنجاحِ وفي النتيجة بقى رجاء موسكو دون أي اهتمام، وتقوت في آن واحد لدى المشاركين الرئيسيين في التحالف الشكوك في عمقنا كشريكِ وكان تدبير موسكو هذا غريبا، خصوصا أن ليس في حوزتها أي معطيات تسمح ببناء أضعف الآمال على إمكانية تغير موقف القيادة العراقية وأكدت الأحداث اللاحقة ذلك بوضوحِ
وكان في تصرفات القيادة السوفيتية غير المتأمل فيها في تلك الليلة عنصر آخر كان من الممكن أن تكون عواقبه مزعجة جدا، فقد أباح ميخائيل غورباتشوف لنفسه في 17 يناير إطلاق التصريح التلفزيوني التالي: بعد أن تلقيت قبل ساعة تقريبا من بداية العملية من وزير الخارجية الاميركي جيمس بيكر خبر بداية العملية توجهت فورا الى الرئيس جورج بوش باقتراح اتخاذ خطوات إضافية بالاتصال المباشر مع صدام حسين بغية التوصل الى إعلانه غير القابل للتأجيل بالانسحاب من الكويتِ وأصدرت التعليمات فورا الى سفيرنا في بغداد بأن يتصل بالرئيس العراقي ويخبره بتوجهي الى الرئيس بوش وأشرت له الى ضرورة الإعلان عن مغادرة الكويت وأن ذلك لمصلحة الشعب العراقي ومصلحة السلام في المنطقة'ِ
أثارت هذه الإشارة بالذات الى أفعال الرئيس السوفيتي في الاتجاهين الاميركي والعراقي حالا في أذهان الصحافيين (ربما ليس وحدهم)، السؤال بأن غورباتشوف أفشى توقيت بدء العملية لصدام حسين وإذا كان أخطره أم لاِ وكان هذا أول شيء بدأ الصحافيون يسألون عنه السكرتير الصحفي للرئيس ف ِ أغناتينكو الذي التقى بوسائل الإعلام المحلية والأجنبية بتكليف من القيادةِ وأعاد أغناتينكو تصريح غورباتشوف المذكور، وكان من نصيبي أن أعلق عليه وأجيب على الأسئلةِ وكان الصحافيون يسألون الشيء نفسه الخاص بتكليف السفير السوفيتي في بغداد: ألم يفش غورباتشوف السر الحربي و ألم يعرض أرواح الطيارين الاميركان والآخرين للخطر؟ ومن الخير أنه تسنى لي تنحية هذه الشبهات بالقول إن الاتصالات الهاتفية مع بغداد كانت معطلة ووصلت برقية الى السفارة السوفيتية في بغداد بعد القصفِ
وتلقينا في وزارة الخارجية تعليمات لإعداد سلسلة من التوجيهات الشخصية العاجلة لرئيس الاتحاد السوفيتي الى رؤساء بريطانيا وفرنسا والصين وألمانيا وأكثرية البلدان العربية وبعض البلدان الأخرىِ وكان علينا أن نركز الاهتمام الرئيسي فيها على الإسراع في إنهاء العمليات الحربية والضغط المشترك على بغداد لكي تعرب عن استعدادها للانصراف من الكويتِ أنجزنا هذا العمل بسرعة وبدأ السفراء السوفيت إحالة رسائل غورباتشوف الشفويةِ
أردت العودة الى كلمة غورباتشوف التلفزيونية المؤرخة في 17 يناير: كانت وجيزة وواضحة باستثناء المقتضب المذكور أعلاهِ أعرب فيها عن الأسف العميق لعدم التمكن من اجتناب الحرب وأن هذه النتيجة المأساوية جاءت بعد رفض القيادة العراقية تنفيذ مطالب المجتمع الدوليِ وأشار الرئيس الى أننا قمنا من جانبنا بكل شيء ممكن من أجل تسوية النزاع بالوسائل السلمية وأكد أن القيادة السوفيتية ستتخذ كافة الإجراءات لأجل الإسراع بإنهاء الحرب وإعادة السلام'ِ
نبهت الصحافيين لدى تعليقاتي على تصريح ميخائيل غورباتشوف في المؤتمر الصحفي المذكور الى أنه يجب أن تنتهي العمليات العسكرية في أسرع وقت ممكنِ ولذا فإنه ليس على عاتق الاتحاد السوفيتي وحده، بل على كافة الدول العربية مناشدة القيادة العراقية مرة أخرى لأن تثوب الى رشدها وأن تنفذ مطالب المجتمع الدولي العادلةِ
وقلت إجابة على سؤال مراسل جريدة 'فايننشال تايمز' إذا كان من الواجب إنهاء الحرب بعد انسحاب العراق من الكويت أو بعد إعلان موافقته على السحب الفوري لقواته وبلا قيد أو شرط، قلت: 'يجب أن يقرر الذين ينفذون هذه العمليات متى ينبغي إنهاؤها ولكن من وجهة نظرنا إذا صرحت القيادة العراقية الآن أو بعد عدة ساعات بأنها ستنفذ في أقرب المواعيد المطالب التي تضمنتها قرارات مجلس الأمن فنظن ان ذلك سيكون أساسا كافيا لإنهاء العمليات الحربية'ِ
وكانت مسألة حصر النزاع جغرافيا ذات أهمية بالغة في هذه الأيام والأيام اللاحقةِ وذكرت في المؤتمر الصحفي أنه لا ينبغي أن تتسع الحرب لتشمل بلدانا أخرىِ وقلت: 'أشير في هذا الصدد بارتياح الى أن رئيس الوزراء التركي أكد اليوم أن تركيا لن تفتح جبهة ثانية ضد العراق ولن تشارك في النزاع الحربي إذا لم تتعرض نفسها للهجومِ وتجدر الإشارة بموقف إيران المتحفظ والمعقول الذي جرى كما كان المسؤولون الإيرانيون يؤكدون مرارا أنهم لن يشاركوا في النزاع إذا نشبِ وأطلعنا حديثا اليمن بموقف مماثلِ وأريد الإشارة بشكل خاص الى موقف إسرائيلِ يفهم الجميع انه لو جرت إسرائيل الى النزاع العسكري فقد يسبغ هذا على الحرب صفة أخرى وبدرجة معينةِ لهذا السبب لا نستطيع سوى استحسان الموقف الذي تحتله إسرائيل في صدد النزاع الناشب في موقفها عدم الخوض فيه'ِ
كان من الممكن تماما التكهن برد الفعل في العالم على بداية العمليات العسكرية ضد العراق، كونها لم تكن مفاجأة لأحدِ ألقى جورج بوش في كلمة وجهها الى الشعب الاميركي الذنب على عاتق صدام حسين وحده وأكد على الفرق الواضح بين دكتاتور بغداد والشعب العراقي وشدد على أن فيتنام ثانية لن تظهرِ وأطلق المشاركون الآخرون في التحالف تصريحات مماثلةِ
وكان رد الفعل في العالم العربي متنوعا بين الارتياح الواضح من إنهاك صدام حسين أخيرا وبين الشعور بالمرارة والاستياءِ وجرت في بعض البلدان العربية مظاهرات معادية للولايات المتحدة وكان رد الفعل خاملا بما فيه الكفايةِ
وبدوره انهال صدام حسين بالشتائم في كلمة إذاعية في 17 يناير على 'الإبليس بوش' و'الصهيونية المجرمة' و'قوى الشر' الأخرى ووعد بتحطيم المعتدين وتحرير القدس ومرتفعات الجولان ولبنانِ ودعا في اليوم التالي جميع المسلمين في العالم الى الأفعال الإرهابية ضد البلدان المشاركة في التحالفِ
دفعت الضربات الجوية والصاروخية على العراق، موسكو لتقليل تعداد المواطنين السوفيت في هذا البلد للحد الأدنىِ وبقي هناك لغاية 16 يناير قرابة 70 شخصا باختيارهمِ وهم موظفو بعثتنا الدبلوماسية وبعض الأشخاص الذين يؤمنون الرقابة على بعض المنشآت الكبيرةِ غير أن هؤلاء تم إخلاؤهم على عجل أيضا بواسطة السيارات عبر البلدان المجاورةِ وبقي في العراق بعد 24 يناير 13 مواطنا سوفيتيا فقط كانوا موظفي السفارة السوفيتية برئاسة السفير فيكتور بوسوفاليوك وبقوا كل الحرب في هذا القوامِ لحسن الحظ لم يصب أحد منهم بأذى، لكنهم عانوا من مصائب مختلفة أثناء تأدية واجبهم بشرف واستحقوا فيما بعد مكافآت حكوميةِ وكانت سفارتنا في بغداد وحتى مرحلة الحرب الختامية حلقة الاتصال الوحيدة بين القيادة العراقية والعالم الخارجيِ وبما أن الهواتف في المدينة عطلت تماما، اضطر موظفو السفارة الى نقل كافة الأخبار شخصيا فقطِ حيث يذهبون مخاطرين بحياتهم الى حيث كانت القيادة العراقية تقيم في هذه اللحظة أو تلكِ واضطر السفير الى القيام بذلك أكثر من الآخرينِ تصعب المغالاة في تقدير هذا الدور الذي لعبه رفاقنا في بغداد في تلك الظروف ولكنهم بقوا عيون موسكو وآذانها في العراق المحاربِ وكان موظفو السفارة يستجيبون لطلبات مختلف الدول وينفذون تكليفات متنوعة منقولة لهم من موسكو في البحث عن مواطني الدول الأجنبية الذين بقوا هناك لهذا السبب أو ذاك وكان أقرباؤهم قلقين من على مصيرهمِ
لم تكن في السفارة أماكن يمكن الاختباء بهاِ وكان محرك الديزل التابع للسفارة يمنحها الكهرباءِ غير أن احتياطات الوقود شحت وعاش كل الناس في برد وجوع، غير أنهم كانوا يعملون بثباتِ

الحشود في الخليج 

نشرت وسائل الإعلام نداء البرلمان السوفيتي هذا الذي كان في رأيي، الكلام الأخير الموجه الى بغداد قبل أن يحين دور السلاحِ
تواجهت في منطقة الخليج قوى كبيرة ومؤثرةِ وبلغ عدد المشاركين في التحالف المعادي للعراق حتى انتهاء 'توقف النوايا الحسنة' 28 دولة وحتى نهاية الحرب الى 37 دولة دخلت فيه بلدان أميركا الشمالية والأوروبية والعربية والأفريقية والأميركية اللاتينية وبلدان المحيط الهادئ ومختلف مناطق آسياِ ومن المفهوم أن درجة وطابع مشاركة كل دولة كان مختلفا جداِ وشكل العسكريون من الولايات المتحدة ثلثي هذه القوات (كان عددهم بالجملة بمن فيهم أفراد السلاح الجوي أكثر من نصف مليون شخص)ِ وكانت المشاركة الإجمالية لأعضاء التحالف الآخرين 205 آلاف شخص كالتالي: بريطانيا ـ 43 ألفا، فرنسا ـ 16 ألفا، مصر ـ 40 ألفا، سوريا ـ 15 ألفا، الكويت ـ 7 آلاف، بلدان الخليج الأخرى ـ 10 آلاف، المغرب 3ِ1 ألفِِِ 
وشاركت كندا بثلاث سفن حربية وسرب واحد، والسويد بمستشفى ميداني، والمجر والفلبين وسيراليون وسنغافورة بأفراد من الطب العسكريِ وشاركت في مختلف الاتجاهات: استراليا، نيوزيلندا، إيطاليا، إسبانيا، بلجيكا، هولندا، الدانمرك، اليونان، النرويج، باكستان، كوريا الجنوبية، بنغلادش، السنغال، النيجر، بولونيا ورومانياِ
واشتركت اليابان وألمانيا بنشاط في التأمين المالي (أعطى كلا هذين البلدين عدة مليارات من الدولارات)ِ وركز التحالف في منطقة الخليج قرابة 180 سفينة بما في ذلك 6 حاملات طائرات أميركية ونحو 1800 طائرة و3000 دبابة و2800 مدفعِ
وواجهتها قوات العراق المسلحة التي اشتملت على قوات نظامية تعدادها 750 ألف شخص ووحدات احتياط قوامها 480 ألف شخص والجيش الشعبي كما يسمونه بلغ تعداده كما أكدوا 5 ملايين شخص تقريبا وكذلك  5500 دبابة  و 3500  مدفع و 600 مقاتلة وطائرة عمودية وعدة مئات من مختلف أنواع الصواريخِ وكانت التشكيلات العراقية الواقعة في الكويت ومناطق العراق الجنوبية تقدر بنحو 500 ألف فرد و4 آلاف دبابة و2700 مدفعِ
أطلقت الدعاية العراقية على الاصطدام العسكري المقبل 'أم المعارك' وستكون في حقيقة الأمر غير بسيطة بالمرةِ


يتبع .......
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

mi-17

مشرف
مشرف

avatar








مُساهمةموضوع: رد: كتاب " الكرملين وأزمة الكويت " لنائب وزير الخارجيه السوفيتي السابق الكسندر بيلونوغوف   الخميس يوليو 30 2015, 21:33

الحلقه 25 

في 18 يناير أدليت باسم وزارة الخارجية بتصريح رسمي في المؤتمر الصحفي المنعقد خصيصا لوسائل الإعلام المحلية والأجنبية: " في ليلة 18 يناير أنزل العراق ضربات صاروخية على ضواحي تل أبيب وحيفا وبعض المواقع الإسرائيلية المأهولة بالسكانِ ومن الواضح أن هدف هذا الفعل ينحصر في تحويل مشكلة الكويت الى مواجهة إقليمية شاملة وإشعال الحريق في كل الشرق الأوسطِ وكان الاتحاد السوفيتي يعارض أكثر من مرة بثبات وبلا مواربة مثل هذا التطور من الأحداث بما في ذلك خلال اتصالاتنا مع القيادة العراقيةِ ونحن على يقين بأنه لا يمكن حل المشكلة بإحداث مشكلة أخرى، الأمر الذي يشكل خطرا قبل كل شيء على شعوب المنطقة ويحول النزاع الواحد الى نزاع آخر أوسع نطاقا وأكثر تعقيداِ



أننا ندعو في هذه اللحظات الحرجة من جديد القيادة العراقية الى إبداء الشعور بالمسؤولية والواقعية والإدراك بأن تصرفاتها ابتداء من التدخل في الكويت ستؤدي الى ضحايا ودمار للشعب العراقي ومصائب جديدة لكل الإقليمِ يدرك ذلك زعماء الدول العربية الذين يتحملون مسؤولية سلامة شعوبهمِ نأمل في أن العرب لن ينجروا للانفعالات ولن يسمحوا لجرهم الى خطط إشعال ثورة جديدة لمواجهة عسكرية مع إسرائيلِ
وفي حسابات الاتحاد السوفيتي نعتقد أن حكومة إسرائيل ستبدي تحفظها الضروري ولن تختار الطريق الذي سيؤدي الى تفاقم الوضع في الشرق الأوسطِ أن الاتحاد السوفيتي يؤيد من جديد تسوية الأزمة الكويتية على أساس قرارات مجلس الأمن المعروفة وحل كافة حالات النزاع الأخرى في الشرق الأوسطِ وينبغي أن تجد شعوب المنطقة في نهاية الأمر السلام والحياة الهادئة "ِ
وأخبرت الصحافيين بأن القيادة السوفيتية وميخائيل غورباتشوف شخصيا منشغلين بنشاط بأزمة الشرق الأوسطِ فقد وجه الرئيس السوفيتي رسائل عديدة الى رؤساء دول وحكومات البلدان العربية أشار فيها الى خطورة اللحظة وركز اهتمام قادة هذه الدول على ضرورة التحكم بمشاعر العرب المرهفة ومواجهة النوايا لدفعهم الى إشعال الحرب مع إسرائيلِ
وتحدث الرئيس السوفيتي في رسائل بعثها الى رؤساء الدول الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن وبعض الدول الأخرى عن المسألة نفسهاِ
وقلت للصحافيين بأننا ندعو قيادة إسرائيل الى إظهار رباطة الجأش والتحفظ لتعرضها لاستفزاز واضح بغية إضفاء طابع آخر على النزاع الناشئ من احتلال العراق للكويتِ ونحن على يقين بأن مصالح إسرائيل وشعبها متعلقان بتكريس السلام في هذه البلادِ
وقعت حكومة شامير حالا تحت ضغط الرأي العام للبلاد وبالأخص من جانب العسكريين الذين طالبوا بالرد بضربة مماثلةِ وكانت إسرائيل تتصرف على هذا النحو على امتداد عقود وعودت جيرانها على حتمية الجزاء من جانبهاِ والآن، وبينما الصواريخ العراقية تنفجر على أراضيها كانت إسرائيل تتمهل بالردِ وكانت تفعل ذلك لأن الضغط الداخلي على الحكومة كان يعادله ضغط خارجي لا يقل قوة من قبل الذين لم يرغبوا بجر إسرائيل الى هذه الحربِ
وكانت للولايات المتحدة أسابب جوهرية مرتبطة أساسا بمخاوفها حول مصير التحالفِ وأدركت واشنطن وإن أمنت نفسها بتأكيدات العرب المشاركين في التحالف بأن موقفهم لن يتغير في حالة انجرار إسرائيل الى الحرب نتيجة تصرفات العراق خلال الحرب، انها مجرد تأكيدات حكومات فحسبِ ومن الممكن أن يسلك 'الشارع العربي' على غير ذلكِ
تكلم بيكر هذه الأيام مرارا مع شامير ووزير الدفاع أرينس ووزير الخارجية ديفيد ليفي ناقلا إليهم تكليفات بوش ومحاولا إقناعهم بأن الطائرات الاميركية ستستمر ليلا ونهارا في البحث عن المنظومات الصاروخية العراقية لتدميرها وستقضي عليها في أسرع وقتِ وأثرت المنظومات المضادة للصواريخ الاميركية 'باتريوت ' التي وصلت الى إسرائيل تأثيرا سيكولوجيا معينا أيضا على عقليات الساسة والجنرالات الإسرائيليينِ
وفي النتيجة تسنى لشامير التغلب على ضغطهمِ ويرى بيكر أن هزيمة العراق الحربية من قبل قوات التحالف سيكون أفضل جائزة لإسرائيل مقابل رباطة جأشها ولعب ذلك دورا رئيسيا في صبرهاِ يذكر أنه أطلق على إسرائيل 40 صاروخا عراقيا راح ضحيتها 100 شخص تقريباِ
وإن تكلمنا عن الأوساط الرسمية، كان رد الفعل على قصف العراق لإسرائيل متحفظا ومراقبا وفي الأغلب فيه شعور خفي بالرضاِ غير أن اسهم صدام حسين ارتفعت جدا لدى الكثير من العرب العاديين عند كل صاروخ جديد يطلق على إسرائيلِ وكان اللاجئون الفلسطينيون مسرورون بالأخصِ وكان الأسوأ أن بعض الزعماء الفلسطينيين يشاركونهم هذا السرور، الأمر الذي سيؤدي سلبا فيما بعد في غضون استئناف دفع عملية التسوية الخاملة في الشرق الأوسط الى الأمامِ
عواقب سلبية
لهذا السبب بالذات تناولت هذا الموضوع لدى استقبالي في موسكو في 24 يناير عضوي اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية أبو مازن وياسر عبد ربهِ وقلت لهما بأنه لو انجرت إسرائيل الى الحرب وانصاعت لاستفزازات العراق ستكون لذلك عواقب سلبية قصوىِ هناك مثل هذا الخطر لذلك سنستمر في بذل الجهود الدبلوماسية بهدف منع جر إسرائيل الى النزاعِ
ولم يتسن لي في تلك المرة التوصل الى تفاهم متبادل مع المتحدثين فقد أجاباني بأن منظمة التحرير الفلسطينية لا تؤيد احتلال الكويت، غير أن الفلسطينيين في صف واحد مع العراق في مواجهته مع الولايات المتحدة وإسرائيلِ
خططت عملية 'عاصفة الصحراء' من مرحلتين: الأولى، جوية والثانية بريةِ إذا اتضح أن المرحلة الأولى غير كافية على إجبار بغداد سحب قواتها من الكويتِ وكان للمرحلة الجوية أطوارها الخاصةِ عمد الطور الأول الى تعطيل منظومات الاتصال والتحكم في القوات العراقية وشل منظومات الدفاع الجوي لكي يتم تأمين حركة طائرات الحلفاء بحرية في فضاء العراق والكويتِ وكان من الواجب أن تصبح مواقع العراق العسكرية الأخرى أهداف للضربات: هيئات الأركان، الوحدات العسكرية، التحصينات، المستودعات وكذلك وسائل المواصلات بما فيها الجسور والطرقِ ثم يحين دور مختلف منشآت تأمين خدمات الحياة: المحطات الكهربائية، منشآت تصفية المياه، مختلف المنشآت الصناعية والدور الحكوميةِ وضع برنامج واسع لم يهدف الى تدمير بنية العراق العسكرية فحسب، بل تقويض احتياطي البلد الاقتصادي أيضاِ
أنزلت الضربات على هذه الأهداف بواسطة الصواريخ المجنحة وقاذفات القنابل والطائرات المحمولة بحراِ وكان الاميركان يتحملون العبء الرئيسي في الحرب الجويةِ وشاركتهم بريطانيا وفرنسا ودول أخرىِ واستعملت على نطاق واسع أحدث وسائل الحرب ولم يلبث ذلك إلا أن يظهر في النتائجِ تم تعطيل الوسائل العراقية الرئيسية للدفاع الجوي ووسائل الاتصالات في ساعات الحرب الأولىِ ومن ثم سار كل شيء على ما يرامِ وكانت طائرات الحلفاء تتصرف على هواها وبلا خسائر تقريباِ 



واتخذ ميخائيل غورباتشوف محاولة لإيقاف الحرب في اليوم الثاني وهو يراقب كيف تنتشر 'عاصفة الصحراء' على نطاق واسع وبشكل مدمرِ وكلف في 18 يناير سفيرنا في بغداد بالاتصال بصدام حسين وتوجيه السؤال التالي له: لو يحدث توقف في العملية الحربية المستمرة فهل تستطيع أن تصرح بأنك ستنسحب من الكويت؟ وإذا كان الجواب 'نعم' فأن الإمكانية موجودة لطرح مسألة إيقاف الحرب أمام الولايات المتحدة والمشاركين الآخرين في العمليةِ
وبدون أن ينتظر الجواب، تحدث ميخائيل غورباتشوف مع بوش وأخبره بتوجهه الجديد الى بغدادِ وتقدم إليه بمجموعة حجج محاولا الإثبات أن أهداف العملية الاستراتيجية قد تم التوصل إليها ولهذا السبب يمكن وضع النقاط على الحروفِ وقال غورباتشوف ان هزيمة العراق السياسية بينة والخسائر الهائلة التي لحقت بمقدرة العراق العسكرية والصناعية من الصعب تداركها وأن المعتدي قد عوقب وهو الآن ضعيف ومنهك لسنوات عديدة مقبلةِ ونصح غورباتشوف في هذه المناسبة قائلا: أن الوقت قد حان للتفكير في جدوى مواصلة العملية العسكرية الآنِ
من البديهي أن لا أحد في الكرملين لم يتصور أن الاميركان خططوا لشن الحرب الجوية ليس في أيام، بل لأسابيع وبدون توقفِ ولم تترك الحجج التي أوردها غورباتشوف في تلك المكالمة أي تأثير ما على بوشِ
كان الرئيس الاميركي يجري المكالمات الهاتفية بتأدب ويظهر لطفه بوضوح خلال الاستغراب أو التهكم الخفيف بصدد بعض آراء غورباتشوفِ ويمكن إيجاز حديث جورج بوش الهاتفي في الآتي: لا توجد أسس للظن بأن صدام حسين سيوافق على مقترحات ميخائيل غورباتشوفِ ومن الخطأ الاعتقاد بأن قدرة العراق العسكرية التي كانت تمكنه التصرف من موقع القوة في الإقليم غير موجودة الآنِ بقي جزئها الأكبر سالما مما يسمح بتهديد الجيران في المستقبل القريب أيضاِ بالتالي لا يجوز الموافقة على حلول وسط وتقديم الآمال له في أن كلمته أو وعده سيرضي التحالف، لا سيما وأن هذا ليس وقته الآن عندما يقوم بقصف إسرائيل وإلا سيعتبر نفسه منتصرا وسيقول: أنزلت الضربة بإسرائيل وانتهت الحرب فوراِ لذا لا ينبغي أن نحيد عن الطريق المختار ريثما يبات واضحا على الإطلاق أن المهمة قد نفذت وينسحب صدام من الكويت بلا تنازلِ
باختصار، جوبه غورباتشوف برفض جميع النقاطِ ومع ذلك لم تعتبر المكالمة الهاتفية عديمة الجدوى بالمرةِ فأهم شيء فيها أن غورباتشوف تلقى تأكيدات مهمة جدا من الرئيس الاميركي خاصة بمستقبل العراق كدولةِ حيث قال بوش بأنه لا يريد أن يكون في مكان العراق فراغ وإلا سيصبح هذا البلد ضعيفا وعاجزا لتلك الدرجة التي يكون فيها عامل مضر للاستقرار والى هدف سهل لعدوان الجيرانِ
وفي 21 يناير لقينا الرد الحاد والسلبي من بغداد على مبادرة ميخائيل غورباتشوف المؤرخة في 18 يناير بصدد وقف العمليات الحربيةِ ومهما كان هذا الأمر مؤلما، حصل أن بوش يتكهن بالأحداث أفضل من الرئيس السوفيتيِ ففي حقيقة الأمر، كانت القيادة العراقية نفسها تحاصر المبادرات السلمية ومن غير المعلوم بماذا كانت تأمل عندما قاموا عن عمد في 22 يناير بتفجير خزانات النفط في الكويت وإشعال النار فيها؟ِ وهدد الرئيس العراقي في حديث تلفزيوني في 28 يناير باستخدام السلاح الكيميائي والجرثومي ضد السعودية حيث ترابط قوات التحالف وضد إسرائيلِ
وكان ازدياد عدد المشاركين في قوات التحالف وزيادة المساعدات المالية وطرد الدبلوماسيين العراقيين من بعض المطالب وتقوية المطالب بأن يحرم العراق في المستقبل من حيازة الأسلحة الخطرة عوامل ضغط جانبي رافقت العمليات العسكريةِ 

جماعة الأزمة 

تأسست في ذلك الوقت في الاتحاد السوفيتي لجنة الرئيس تهتم بمسائل الخليج (كنا نطلق عليها بيننا 'جماعة الأزمة')ِ دخل في قوامها وزراء الخارجية والدفاع والداخلية ورئيس لجنة أمن الدولة 'كي جي بي' ومساعدا الرئيس تشيرنيايف وإغناتينكو وعضو مجلس الرئيس بريماكوف وأناِ وكان الرئيس نفسه يرأس الجلسة كقاعدة عامةِ وسهل ذلك من الأمر جدا لأن كل القرارات الضرورية كانت تتخذ حالا وفي المكانِ

كنا نجتمع في الكرملين ونبحث في بداية الجلسة موضوع الحرب ومن ثم النواحي السياسية والدبلوماسية المتعلقة بهاِ
كانت اللجنة تجتمع مرة واحدة في الأسبوع وأحيانا أكثر من ذلكِ 

اتصالاتي مع الفلسطينيين واليمنيين 

ضمن جبهة واسعة من الاتصالات مع الدول الأجنبية وجهنا اهتماما خاصا الى الفلسطينيين واليمنيين آخذين في الاعتبار قرب الفلسطينيين من بغداد والانتقال اللاحق الى تسوية الشرق الأوسط وإلى اليمن لصلاته الوثيقة مع بغداد ولأنه عضو في مجلس الأمنِ استقبلت في 17 يناير الدكتور زهدي الطرزي الذي كان يترأس خلال 15 سنة بعثة منظمة التحرير الفلسطينية لدى هيئة الأمم المتحدة ومستشار ياسر عرفات الشخصي الآنِ حاولت إقناعه في الحديث غير الرسمي بحتمية هزيمة العراق إذا استمرت بغداد في المثابرة على عدم ترك الكويتِ وكان زهدي للأسف، يعبر على ما يبدو عن موقف منظمة التحرير الفلسطينية ويرى التنازلات الإقليمية على حساب الكويت صيغة الإنقاذ الوحيدةِ

وفي 24 يناير جرت مشاوراتي السياسية مع عضوي اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية أبو مازن وياسر عبد ربهِ وركزت مناقشاتنا من حيث الأساس على الشؤون العربية - الإسرائيلية واحتلت أزمة الكويت موقعا هاما أيضاِ تكلمت عن خيبة الأمل العميقة والأسف في أن جهودنا لمنع الحرب كما هو الحال جهود الكثيرين من بلدان أخرى، لم تتكلل بالنجاحِ وكان من الممكن منعها تماما لولا عناد القيادة العراقية التي استخفت بمصالح شعبها والعرب عامةِ
وقلت إن إمكانية إنهاء العمليات الحربية ما زالت موجودةِ ويحتاج الأمر الى تصريح بالاستعداد للانسحاب من الكويت فحسبِ وسيعطي هذا الأساس السياسي والمعنوي الجيد لكي نصر أمام المشاركين في التحالف على إيقاف العمليات العسكريةِ
وأخبرت الفلسطينيين بالتفصيل بالخطوات التي اتخذها الاتحاد السوفيتي بهدف منع الحرب وإنهائهاِ وتحدثت عن رد فعل بغداد عليهاِ وأعرت اهتمام المتحدثين الى إحدى النواحي التي تقلقناِ وقلت أن بغداد تدعو جميع العرب والمسلمين الى إنزال ضربات بمصالح دول التحالف في جميع أنحاء العالمِ ونأمل من قيادة منظمة التحرير الفلسطينية إظهار موقف بعيد النظر ومتزن في هذه المسألةِ
وأكد الممثلان الفلسطينيان من جانبهما على أن بغداد تعلم، كما زعم، أن منظمة التحرير الفلسطينية لم تؤيد منذ البداية احتلال الكويتِ غير أن الفلسطينيين في صف واحد مع العراق في مواجهته مع الولايات المتحدة وإسرائيلِ نؤيد انسحاب العراق من الكويت، حسب أقوال أبو مازن، ونعارض تدمير العراق من أجل حمله على الانسحابِ ووصف تصرفات قوات التحالف بالعدوان على العراقِ وألقى أبو مازن مسؤولية النزاع على عاتق بغداد وواشنطن على السواءِ
قلت لهما أن موقف الولايات المتحدة وبريطانيا لا يقبل حلا وسطا وتعتبران أن أي توقف للعمليات العسكرية سيكون لصالح صدام حسينِ عدا ذلك رفض الرئيس الفرنسي أية إمكانية لتقديم مبادرة ما خاصة بالكويت في الوقت الحاضرِ لذا سيصطدم أي اقتراح بإنهاء العمليات العسكرية بدون تصريح صدام حسين بالانسحاب من الكويت بفيتو ثلاثي في مجلس الأمنِ
افتتحت 'عاصفة الصحراء' فصلا جديدا في الأزمة الكويتيةِ وكان الأمر بحاجة الى اتصالات جديدة مع الاميركان في ضوء تطور الحالةِ وبدا لنا أن الطور الحربي الجديد طالب بتوضيح أكبر من الاميركان في موضوع التسوية العربية - الإسرائيلية كما قيل لنا في هلسنكيِ
سافر الوزير الكسندر بيسميرتنيخ الى واشنطن بهدف معرفة جميع المسائل الخاصة بالطور الحربيِ ونجح في تنفيذ مهمتهِ يتحدث جيمس بيكر في مذكراته بأنه لم يكن مستعدا في محادثاته مع بيسميرتنيخ في أمر واحد: الاتفاق على إصدار بيانهما المشتركِ وكان البيت الأبيض يعارض إصدار هذا البيان زاعما أنه يصدر بلا تنسيق مع إدارة الرئيسِ ولكن كما يقال في روسيا الكلمة ليست بالعصفور، فقد نشر البيان على نطاق واسع في أميركا وأوروبا والعالم العربي وكان يستخدم بنشاط في اتصالاتنا السياسية والدبلوماسيةِ
علمنا أن رئيس وزراء اليمن العطاس زار بغداد قبل أسبوع حاملا اقتراحات الرئيس صالح الى صدام حسين بخصوص تسوية الأزمة سلميا وانحصر أهم شيء في أن يعلن العراق استعداده الانسحاب من الكويتِ لم يلق هذا المقترح استجابة إيجابيةِ وها هي ثلاثة أسابيع تمر من هذه الحادثة حتى وجدت نفسي أتحدث مع مبعوث اليمن الداليِ عرضت عليه موقفنا وأن الأحداث تتطور في منطقة الخليج حسب أسوأ سيناريو وعن اعتقادنا بأن الرئيس العراقي ارتكب خطأ كبيرا جدا وربما حتى مأساويِ فمن الواضح أن موقف القيادة العراقية يؤدي الآن الى خسائر متنوعة وخطيرة بالنسبة للشعب العراقي ويؤثر سلبا على إمكانياته المحتملة وكل الأمة العربيةِ وأن الحرب تتخذ طابعا أكثر عنفا ونرى في الوقت الحاضر على الأقل عدم السماح بتصاعد العمليات الحربية لا بالخط الرأسي ولا القطري وعدم توسيع نطاق الحرب جغرافيا وجر دول أخرى الى النزاع حيث سيكون إنهاؤها أصعب بكثيرِ لذا نؤيد حياد إيران وتركيا وأردنا عدم جر إسرائيل الى الحربِ ومن المهم كذلك ان السوريين الذين أرسلوا وحداتهم العسكرية الى السعودية لا يقومون عند حدودهم مع إسرائيل بأية عملية عسكريةِ

ضربات ضد إسرائيل 

في اليوم التالي بعد بداية الحرب نفذ صدام حسين ما كان يهدد به منذ عدة شهور: ضرب إسرائيل بالصواريخِ أطلقت في هذا اليوم على تل أبيب وحيفا 7 صواريخ وفي اليوم التالي 4 صواريخ أخرىِ وكان هذا استفزازا خطرا جدا قادر في حالة نجاحه على اقتراف مصائب جمةِ

ووقع الجهد الأساسي لمنع تفاقم الأحداث على عاتق الاميركان بطبيعة الحالِ
يعتبرون كالعادة، أن التحالف الاميركي - الإسرائيلي ثابت ك 'الصخرة' وآلية صارمة حيث يمكن ضبط كل شيء فيها بدقة كالساعات السويسريةِ ولكن الأمر في الواقع لم يكن على هذا النحوِ فلم تكن العلاقات بين حكومة شامير وإدارة بوش في هذا الوقت عديمة من الغيومِ وكانوا يعتبرون حتى في إسرائيل أن جورج بوش وجيمس بيكر يميلان بموجب عدد من الظروف الى وجهة النظر العربية أكثر من ميلهما الى وجهة النظر الإسرائيلية وأنهما يقدران العلاقات مع العرب كأكثر أهمية وفائدة بالنسبة لهماِ
لهذا لم يتمكن ممثلا بوش النائب الأول لوزير الخارجية إغلبر غر ونائب وزير الدفاع وولفيتز المبعوثان الى إسرائيل سلفا من حل مهمتهما الرئيسية المطروحة أمامهما: الحصول من شامير على تأكيد واضح على أن إسرائيل ستحجم عن توجيه الرد في حالة هجوم صاروخي عراقيِ
بالتالي، اقتربت إسرائيل ودول التحالف من نقطة حرجة في تلك اللحظة التي بدأ العراق قصف الأراضي الإسرائيلية بصواريخ 'سكود 'ِ
كنا في موسكو ننطلق من حتمية إبقاء إسرائيل خارج النزاع مهما حدثِ وكنا نسترشد: أولا، أن مصالح الاتحاد السوفيتي كبلد واقع بالقرب من بؤرة النزاع تتلخص في تضييق نطاقه الجغرافي الى الحد الأقصىِ وكان دخول إسرائيل له عواقب وخيمة حيث سيجر دول أخرى لاحقا للنزاعِ ثانيا، أنزلت أخطر ضربة على آفاق التسوية العربية - الإسرائيلية التي أردنا العمل بها فورا بعد تحرير الكويتِ ثالثا، تعرض العراق التي لم يكونوا يشكون في هزيمته الى تدمير أكبرِ رابعا، حسب العدد وليس الأهمية، لا يمكن أن تقف موسكو بلامبالاة إزاء مصير مهاجرينا في إسرائيل وانفعالات أقربائهم في الاتحاد السوفيتيِ ولهذه الأسباب كان رد فعلنا فورياِ


يتبع ......
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

mi-17

مشرف
مشرف

avatar








مُساهمةموضوع: رد: كتاب " الكرملين وأزمة الكويت " لنائب وزير الخارجيه السوفيتي السابق الكسندر بيلونوغوف   الخميس يوليو 30 2015, 21:52

الحلقه 26 

سافرت في 5 فبراير جوا الى طهرانِ وبعد بداية الحرب لم يكن لدينا مشاورات مفصلة وتراكم من المسائلِ كنا نقدر ان إيران البلد الوحيد الذي يتمكن العراق الخروج منه الى العالم الخارجيِ لذا كان لرأي طهران وزن خاص بالنسبة للعراقِ وتمت لي في طهران أحاديث مع وزير الخارجية علي ولايتي ونائبه م ِ فايزيِ
برأي طهران، ظن العراقيون أن العمليات ضدهم لن تبدأ وأخطأوا التقديرِ قال ولايتي ان العراق لم يراع النصائح والتوصيات والإنذارات الإيرانية والسوفيتية على السواءِ وثمة في عناد العراقيين الكثير من الأشياء الغريبةِ فان ما يحدث الآن كان يمكن التكهن به سلفاِ ومن السذاجة الافتراض أن مئات الألوف من الجنود الاميركان يصلون الى الإقليم لصيد السمكِ ان موقف العراق معادل للانتحار فضلا عن العواقب المهلكة للمنطقة ككلِ
ركز الإيرانيون على أن موقف بلادهم هو الحياد النشيطِ وفسروا إضافتهم لكلمة النشيط، بمعنى اتجاههم لعدم إطالة أمد الحرب والإسراع في إنهائهاِ
وكان من المهم أن أستفسر عن سبب زيارة سعدون حمادي الى طهران حديثاِ وكان الاهتمام بهذه الزيارة يثار نتيجة نقل الطائرات العراقية المكثف الى إيرانِ وكنا نرى أن قوات إيران المسلحة لم تعق تحليقها ودار الحديث بأن مثل هذه العمليات لا يمكن أن تتم خلافا لإرادة القيادة العراقية، بل كانت تنفيذا لأوامرهاِ وصلت الى إيران في نهاية يناير 80 طائرة حربية تقريبا ومجمل ما وصل الى إيران في يناير وفبراير هو 135 طائرةِ
نتج من حوارنا أن نقل الطائرات المدنية والحربية تم بدون موافقة من الجانب الإيرانيِ وانحصرت أهم مهام حمادي في إيران لتوضيح المسألة مع طهرانِ أكد حمادي أن هبوط الطائرات العراقية في إيران جاء للضرورة القصوى المتعلقة بخطر تدميرها من قبل قوات التحالف، ولأن إيران هي المأمن الوحيد العملي للمحافظة على الطائرات العراقيةِ وقيل أن السلطات الايرانية كي لا تنكث بسياسة الحياد اتخذت القرار بإبقاء الطائرات في إيران حتى نهاية الحربِ وخص ذلك طواقمها أيضاِ
تناولنا المسائل الأخرى التي طرحها حمادي كنقل المساعدات المتنوعة الى العراق عبر الأراضي الإيرانيةِ وقالوا انهم في إيران مستعدون لذلك انطلاقا من دوافع إنسانية لمساعدة الشعب العراقي بالمواد الغذائية والأدوية عن طريق الهلال الأحمر الإيرانيِ ولم يلب طلب الإيرانيين باستقبال المتطوعين من البلدان الإسلامية الى العراق عبر إيران (بدأ تسجيلهم في بعض الدول)ِ
وحسب أقوال المتحدثين كان الطرف الإيراني يعيد ويعيد لحمادي فكرة عدم إقبال العراق على الانتحار ويكف عن عناده وينسحب من الكويتِ وكان حمادي يؤكد ردا على ذلك بأن إيران لا تعلم إمكانية العراق الحقيقية وواقعة تحت تأثير الدعاية الغربية المتحيزة وأن العراق واثق من الانتصارِ
وقال الإيرانيون لي انهم استنتجوا أن القادة العراقيين لا يزالون يعتقدون ضرورة مواصلة العمليات الحربية ويبدو أنهم مؤمنون بأنه سيتسنى لهم إبادة 10 - 15 ألف جندي في سير المعارك البرية وان ذلك سيفزع قوات التحالف ويحملها على الهرب من المنطقة أو تغيير الوضع على الأقلِ غير أن جميع هذه الحسابات كانت ساذجة: القوات العراقية غير قادرة بلا إسناد جوي إلحاق خسائر ملموسة بقوات التحالفِ أما المساعدات الإسلامية فان العراقيين يراهنون على شيء مستحيلِ وقال الإيرانيون ذلك بصراحة للعراقيينِ
لم تتوصل بغداد في الحصول على موافقة طهران على الاتجاهات العامة الأخرىِ وقال الرئيس الإيراني هاشمي رفسنجاني لحمادي انه بالرغم من أن العراق يحاول جر إسرائيل الى الحرب فان الإسرائيليين سيكونون متحفظين بشكل معقول ولن يعطوا الفرصة لجرهم الى الحربِ وان الضربات توطد سمعة إسرائيل أكثر، وهذا ليس من مصلحة العراق ولا الإقليم ولا المسلمينِ وأشار الرئيس الإيراني الى أن استعمال بغداد للقضية الفلسطينية في النزاع لعبة خاسرة مقدما وستؤدي الى نسف أهداف الفلسطينيين وان سعي بغداد الى تحويل مجرى الحرب الى مواجهة بين الإسلام والمسيحية تدبير خطر جدا لن يستفيد منه أحدِ وقيل لحمادي ردا على تصريحه إن على إيران عدم التوجه لوقف إطلاق النار الى العراق، بل الى الولايات المتحدة بأنه من المشكوك فيه أن تلقى ادعاءاتهم فهم أحد في العالمِ
وأشرت من جهتي الى أن موقف الاتحاد السوفيتي من المشاكل المتعلقة بالعدوان العراقي على الكويت ثابت لا يتغير ويبنى على أساس قرارات مجلس الأمن التي صوتنا معها وأهمها انسحاب القوات العراقية دون قيد أو شرط من الكويت وهذا الإجراء وحده سيضع حدا للأزمةِ وأن الذنب على العمليات العسكرية يقع منذ البداية على عاتق بغداد التي قدمت إليها كافة الإمكانات للتفادي منهاِ ومع ذلك لا نريد أن يدمر العراق بالكامل وأن يضع ذلك أساسا لتعطشه للثأر في المستقبلِ
واتضح في سير الحديث أن الإيرانيين أنذروا صدام حسين بشكل حازم جدا ضرورة عدم استخدام الأسلحة الكيميائية وإلا فأنه سيواجه العالم أجمعِ
وبحثنا مع الإيرانيين في بعض النواحي السياسية والعسكرية وآفاق الوضع الراهنِ واتضح اتفاق مصالحنا ووجهات نظرنا بشكل واسعِ وأكد الطرفان على ضرورة مواصلة إبقاء الباب مفتوحا للحوار مع بغدادِ
وتوجهت من طهران الى أنقرةِ 

في أنقرة من جديد 

شغلتني في أنقرة خصوصية العلاقات السوفيتية - التركية والمهام نفسها التي كانت في طهران: تدقيق النوايا التركية المقبلة وتفسير موقفنا من الحملة الجوية التي بدأت تقوى جدا ضد العراقِ
اعتبرت تركيا نفسها غير مشاركة رسميا في النزاع، لكنها وضعت قواعدها الجوية تحت تصرف قوات التحالف وكانت الطائرات الاميركية، ومن المحتمل ليست الاميركية فقط، تنزل الضربات على العراق من أراضيهاِ زد على ذلك، نقلت بطلب من أنقرة الى الأراضي التركية 42 طائرة من قوام حلف الناتو خفيفة الحركة في أوربا كما فسر لي ذلك في موسكو السفير التركي فولكان فورال وكانت عبارة عن فصيلة للسلاح الجوي الألماني والإيطالي والبلجيكيِ وقصدوا منها إظهار التضامن الرمزي من قبل حلف شمال الأطلسي لتركيا التي كان الهجوم عليها، كما زعموا، يعادل الاعتداء على بلدان الناتو عامةِ وبالإضافة الى ذلك جاء الأتراك الى الحدود مع العراق بقوات مسلحة كبيرة ( اعتقدوا في طهران أنهم حشدوا ثلث القوات المسلحة التركية وخاف الإيرانيون من تدخل تركيا في العراق لغرض فرض سيطرتها على حقول النفط في الموصل وكركوك )ِ إذن كان لدي الكثير من المواضيع التي تنتسب إلى المجال الحساس، ينبغي معالجتها في أنقرةِ
طرح الأتراك أنفسهم هذه المواضيع وألقوا مسؤولية ظهور هذه الأخبار المغرضة على صحافتهم والتصريحات الإيرانية الرسميةِ
وفي 8 و 9 فبراير تمت مشاوراتي مع النائب الأول لوزير الخارجية ت ِ أوزتشيري ( كان الوزير هذه الأيام في طهران ) وحديث مفصل مع رئيس وزراء تركيا ي ِ أكبولوتِ
قيل لي بوضوح عند رئيس الوزراء وفي وزارة الخارجية بأنه إذا لا تتعرض تركيا لهجوم من جانب العراق فأنها لن تشارك في أية عملية حربيةِ وأوصى أوزتشيري عدم الانتباه الى التلميحات التي تتبناها الصحافة عن موعد افتتاح الجبهة الثانية وكيف ستبدأ القوات التركية عملياتها الحربية ضد العراق ومصير منطقتي كركوك والموصل والأراضي العثمانية السابقة الأخرى ِِِ الخِ وقال نائب وزير الخارجية بأن شبهات طهران بصدد تركز ثلث قواتنا المسلحة التركية قرب الحدود العراقية لا تتفق والواقع (لكنه لم يورد معطياته الخاصة)ِ
وأكد أوزتشيري على أن تركيا تبقى نصيرة محافظة العراق على حدوده التي كانت موجودة في 1 أغسطس 1990ِ
ولاحظت في أنقرة أنهم بدأوا يحضرون التدابير حول مسألة التقييدات العسكرية المستقبلية بالنسبة للعراقِ وقال رئيس الوزراء بأنه إذا بقى صدام حسين في الحكم فينبغي إعادة النظر في منظومة الأمن الإقليمية وخطر الأسلحة الموجودة في الإقليم بما فيها الأسلحة التي ستبقى تحت تصرف القيادة العراقيةِ وقال أوزتشيري في هذا الصدد إن القيادة العراقية الراهنة تشكل تهديدا وخطرا للسلام والأمن في الإقليم وأنه لا يجوز تجاهل مساعي صدام حسين التوسعية بعد شنه الحرب مرتين ضد جيرانه على امتداد السنوات العشر الأخيرة وأن الأحداث أظهرت مقدرة العراق العسكرية الخطيرة جدا التي لا تشتمل على الأسلحة التقليدية فحسب، بل على بعض أنواع الأسلحة المحظورة وكذلك ما أنجزه في مجال الأسلحة النوويةِ
ومن جهتي أشرت الى أن ما تتحدث به الصحافة الغربية عن تغيير في الموقف السوفيتي من الأحداث ليس له أي أساسِ مركزا على أن موقفنا نابع من قرارات مجلس الأمن المعنية التي ينبغي أن تنفذ وأنه يجب إعادة استقلال الكويتِ ووجهت نظر زملائي الأتراك الى أن الضربات الجوية تنزل ضد منشآت العراق النووية والبيولوجية والكيميائيةِ وهذا بحد ذاته أمر خطير للغاية بالنسبة للذين تمتد حدودهم الجنوبية على بعد 300 كلم من العراقِ وتراقب مراكزنا المعنية باهتمام الوضع الإشعاعي والبيولوجيِ ولم نسجل لحد الآن انحرافا واحدا عن المعدلِ غير أنه لا توجد ضمانات بأن هذه المشاكل انتهتِ
اتفقت وجهتا نظرنا في بعض المسائل بالكامل: محاولات العراق لجر إسرائيل للحرب، السعي الى إضفاء طابع المواجهة بين المسلمين وغير المسلمين، عدم التسليم باستخدام أسلحة الدمار الشامل، المحافظة على جغرافية الإقليم السياسية، الاعتراف بأن إنهاء الحرب متعلق على موقف بغداد ِِِ
تركت أنقرة محملا بشعور من الرضا لأني حصلت كما بدا لي (وأكد تطور الأحداث المطر هذا) على تأكيدات راسخة بما فيه الكفاية على عدم وجود نوايا لتركيا للدخول في النزاع الحربي من أجل مكاسب إقليمية على حساب العراقِ
عندما كنت في الشرق الأدنى جرى في موسكو حدث هامِ لم يحصل كمفاجأة، بل كان ينضج بالتدريج تحت تأثير بعض الظروف التي كان ضجر الاتحاد السوفيتي المزداد من القصف الجوي ضد العراق مخرجا مشتركا لهِ وللدقة أثير هذا الانزعاج نتيجة تدمير منشآت هذا البلد المدنية، الأمر الذي أخرج الحملة عن أهدافها الرسمية وهي تحرير الكويتِ وعلى العموم لم تكن الحرب اختيارناِ ولكن عندما انتهى 'توقف النوايا الحسنة' كانت قيادة العراق مستمرة في الغطرسة وتستقبل الحرب كشر لا بد منه جلبتها لنفسهاِ ولكن الأيام تجري واتضح أنه ليست ماكينة العراق العسكرية مستهدفة للضربات فحسب، بل كل البلد وصناعته وبنيته التحتيةِ وصاحب ذلك سقوط الكثير من الضحايا المدنيينِ
وفي 9 فبراير أعلن ميخائيل غورباتشوف في جلسة لجنة شؤون الخليج قرارا بالإدلاء بتصريح بصدد الأفعال المفرطة التي يسمح بها التحالف لنفسه القيام بها في الحرب الجوية ويرسل يفغيني بريماكوف ممثله الشخصي للقاء بصدام حسينِ
أعلن التصريح في اليوم نفسه وكان ذكيا وموجزا وموضوعيا من حيث اللهجة والجوهرِ وكان موجها الى بغداد وواشنطنِ قيل لواشنطن ان طبيعة العمليات الحربية تجاوزت الصلاحيات المقرة في مجلس الأمنِ ووجه الى بغداد في شخص الرئيس العراقي النداء الملح في أن يزن مرة أخرى المخاطر قبل كل شيء لبلده ويظهر الواقعية التي تمكن الخروج الى طريق التسوية المتينة والعادلةِ وأثار تصريح الرئيس السوفيتي حالا سيلا من التعليقات من المستحسنة جدا حتى المنتقدة بحدةِ وكانت التعليقات الأخيرة مميزة بالأخص في الصحافة الاميركيةِ فقد كانت تلوم موسكو بالابتعاد المتعمد عن واشنطن معللة ذلك بتقديرات الكرملين المختلفة وسياسته الخارجية المغرضة وبرغبة غورباتشوف إرضاء المعارضة اليمينية في الاتحاد السوفيتي والأوساط العسكرية السوفيتية وسكان البلد من المسلمينِ وقيل في كتاب بوش وسكووكروفت ما يلي: 'كنا نخشى من تقوية محاولات السوفيت لإنهاء الحرب قبل امتثال العراق لقرارات الأمم المتحدةِ ترك شيفرنادزه منصبه ولم تبق موازنة مضادة لضغط اليمينيين على غورباتشوف الذين طالبوا بالتدخل وإنقاذ الزبون القديمِ وما زالت فرص خروج موسكو من التحالف قائمةِ ولم يكن الاقتراح الذي نقله بريماكوف الى صدام حسين إلا بقليل عما كان غورباتشوف يدفعه الى الأمام بعد يومين من بداية القصر: يعلن صدام أنه سينسحب ومن ثم يوقف التحالف إطلاق النار 'ِ 

يوم عمل واحد لنائب الوزير 

شعرت بضجر الغربيين من أفعال غورباتشوف حتى في اليوم الأول من عودتي من أنقرةِ كان هذا اليوم 12 فبراير متوترا بما يكفي بالنسبة ليِ استقبلت فيه السفير الاميركي ميتلوكِ وردا على سؤاله عن مهام مبعوثنا يفغيني بريماكوف في بغداد شرحت له أن هدف الزيارة ينحصر في إقناع صدام حسين بتنفيذ قرارات مجلس الأمن والاستيضاح فيما إذا كان ثمة فرج ما بتصريح علني للقائد العراقي يحول مجرى الصراع نحو السلامِ
ثم جرى الحديث حول تصريح غورباتشوف واتضح حالا أن الاميركان ضجرون منهِ كان ميتلوك يشدد على أن الجنود الاميركان يخاطرون بحياتهم من أجل تحرير الكويت وأن الولايات المتحدة أخذت على عاتقها أعباء الحرب الرئيسية وهذا من أجل أهدافنا المشتركة، ولهذا السبب يحق للأوساط الاجتماعية الاميركية أن تنتظر من الاتحاد السوفيتي العطف والتأييد المعنويِ وأكد السفير أن بلاده لا تسعى الى تدمير اقتصاد العراق، بل تكتفي بالضروري وتضطر أن تأخذ في الاعتبار وجود منشآتهم العسكرية بغطاء منشآت مدنيةِ
وأوضحت لميتلوك بدوري بأننا نهتم بصدد طبيعة العمليات الحربية ونطاق التدمير في العراق وقيل هذا بوضوح بتصريح غورباتشوفِ ندرك أنه من الصعب تحرير الكويت بدون قطع خطوط توفير لوازم الحياة للتشكيلات المنتشرة هناك وأن التدمير والضحايا امر حتمي في كل حربِ غير أننا نعتقد بأنه من الهام التحديد والتقدير الصائب لما هو مهم لأجل التوصل إلى الأهداف الحربية وما يتجاوز الحدود الضروريةِ
وكان سفير بريطانيا بريتفيت زائري التاليِ اهتم كثيرا أيضا برحلة بريماكوف الى بغداد ولماذا نشأت الحاجة إليها طالما حافظنا على وجود سفارتنا في بغدادِ اضطررت أن أرد عليه بأنه ليس من اليسير على دبلوماسيينا أن يتصلوا مباشرة بصدام حسين في اللحظة الضرورية وهذا أمر هام في هذه اللحظات الحرجةِ وكررت بعد ذلك ما قلته للسفير ميتلوكِ وركزت الاهتمام على أنه إذا لم تصحح قوات التحالف خططها العملياتية ضد أهداف العراق، فان ذلك يعتبر خروجا من إطار الصلاحيات المقدمة لها من مجلس الأمنِ وأكد السفير أن عمليات التحالف مدروسة جيدا وفيها وجهة نظر عسكرية صرف ولا تهدف الى تدمير العراقِ
وكان باتريك يكلير مدير قسم شمال أفريقيا والشرق الأوسط محدثي التالي في ذلك اليومِ اتفقنا على أن تقديراتنا للحالة المتطورة في الخليج ومشاكل تسوية الشرق الأوسط متطابقة أو قريبة من بعضهاِ ولم يحمل ليكلير خلافا عن الاميركي والإنكليزي الدفاع عن طابع ونطاق الحرب الجوية ضد العراق، وأشار الى أن الفرنسيين يشاركون فقط في الهجمات ضد الأهداف العسكرية في الكويت ومنطقة الحدود مع البصرةِ
واضطررت في هذا اليوم لاستقبال السفير ميتلوك مرة ثانية بناء على طلبهِ جاء بنداء إلينا بصدد جلسة مجلس الأمن المخطط عقدها في 13 فبراير والمكرسة لبحث تطورات الحرب في الخليج بطلب من اليمن وكوبا وبعض بلدان المغرب العربيِ 

بريماكوف في بغداد 

كانت مباحثات بريماكوف في بغداد مع صدام حسين أهم حدث بلا شك في 13 فبرايرِ جرت كما كانت الحال عليها في المرة السابقة في نوفمبر بشكل معقدِ لم يستغن الأمر عن عتاب الاتحاد السوفيتي، لكن ظهرت بعض الدلائل المؤملة في نوع أسئلة مختلفة قدمها الرئيس العراقي بالشروط التي يمكن أن يتصورها للانسحاب من الكويتِ وقبل هذا رسم بريماكوف الصورة التي تنتظر العراق في حالة رفضه الانسحاب من الكويت (عملية برية واسعة النطاق لقوات التحالف الموجودة على الأبواب وهزيمة القوات العراقية الحتمية)ِ وتحدث عن توصية الرئيس السوفيتي بأن يعلن العراق عن سحب قواته من الكويت وتحديد أقرب المواعيد لهذا الانسحاب في آن واحد ويجب أن يكون الانسحاب كاملا وبلا شروطِ وأشار بريماكوف كذلك الى أن الوقت قد ضاق وكان من الواجب أن يصرح العراق بصورة إيجابية حتى في هذه المرحلة عن سحب قواته بلا قيد أو شرط حتى يكف إنزال الضربات بالمدنيينِ 

سيكولوجية صدام 

بعد أن تحدثت عن محاولات الاتحاد السوفيتي المتخذة من أجل إيقاف الحرب وما الذي حال دون تحقيقها أثبتت أن المانع الرئيسي كان بغدادِ فمثلا، تم قبل أيام لقاء السفير السوفيتي في بغداد في وزارة الخارجية وصرحوا له بأن العراق ينوي الاستمرار بالقتال، وأن موقفه من الجهود التي تبذلها بلدان المغرب العربي في مجلس الأمن لإيقاف العمليات العسكرية سلبيِ
وأشرت الى أن السكرتير العام للأمم المتحدة وإن لقي رسالة قاسية وحتى مهينة من طارق عزيز، إلا أنه من جديد يقدم خدماته واقتراحاته بهدف تحويل مجرى النزاع العسكري الى سلمي وينتظر الإشارة التي لا تريد بغداد منحها إياهِ
وتحدثت للوزير اليمني ان الكسندر بيسميرتنيخ عاد في 30 يناير من واشنطن حيث أجرى مباحثات مفصلة مع الرئيس الاميركي ووزير الخارجية بصدد النزاع في منطقة الخليجِ وكانت جهودنا مع الاميركان توجه للحيلولة دون تصاعد الحرب ودفع الاميركان الى أن فكرة توقف الحرب ممكنة ومفيدة لو تصدر من بغداد ولو إشارة صغيرة عن استعدادها لسحب قواتها من الكويتِ ونتيجة هذه المباحثات صدر بيان مشترك وكنا مرتاحين من مضمونه لأن مبادئ مهمة سجلت فيهِ
أولا، صرح الاميركان بأن هدفهم ليس تدمير العراق وقبلوا لأول مرة على المستوى الرسمي فكرة إنهاء الحرب فورا ما ان تستلم القيادة الاميركية إشارة الاستعداد العراقي بالانسحاب من الكويتِ ومن المعلوم أن واشنطن كانت ترفض حتى الآونة الأخيرة فكرة أي توقف للحربِ
ثانيا، تسنى لنا إدراج موضوع التسوية الشاملة في الشرق الأوسط في هذه الوثيقةِ ونرى أن هذا أمر مهم جدا وخطوة جادة في طريق تسوية مشاكل الشرق الأوسط بما في ذلك المشكلة الفلسطينيةِ وأردنا ألا يستعجلوا في بغداد رفض ما حمله البيانِ
لم تكن للوزير اليمني معلومات جديدة عما يدور في أذهان العراقيينِ وأعرب عن موافقته بأنه كانت لبغداد الكثير من الفرص للخروج من الكويت، غير أن القضية انحصرت في سيكولوجية القائد العراقيِ
في كل الأحوال تجاهلت بغداد البيان السوفيتي - الاميركيِ


يتبع ...
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

mi-17

مشرف
مشرف

avatar








مُساهمةموضوع: رد: كتاب " الكرملين وأزمة الكويت " لنائب وزير الخارجيه السوفيتي السابق الكسندر بيلونوغوف   الخميس يوليو 30 2015, 22:05

الحلقه 27 

استقبلوا في موسكو في 14 فبراير الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح نائب رئيس الوزراء ووزير خارجية الكويتِ وكانت هذه أول زيارة لمسؤول كويتي رفيع المستوى إلى عاصمتنا بعد احتلال الكويتِ تم في البداية اللقاء في وزارة الخارجية ومن ثم في الكرملين مع ميخائيل غورباتشوفِ
في وزارة الخارجية قدر الصباح عاليا جدا موقف الاتحاد السوفيتي والدور الذي لعبه في اتخاذ مجلس الأمن لقراراته الهامة للكويت وأعرب عن أمله في أن الاتحاد السوفيتي سيبقى من الآن فصاعدا على هذه المواقف المبدئيةِ وأشار الى أن الكويتيين سيسرون بتوقف النيران لكن ليس على حساب الكويت وليس قبل سحب الغزاة قواتهم من الكويتِ وأنذر بأنه لا يجوز الاتكال على وعود بغدادِ وتحدث بألم عن النهب الذي تعرضت له الكويت والحرق المتعمد ل 50 بئرا نفطيا من قبل العراقيين وتصريف النفط بعمد الى مياه الخليج الذي ألحق خسائر هائلة بالكويتِ
وأكد الكسندر بيسميرتنيخ أن التعليمات التي زود بها يفغيني بريماكوف تتلخص في إقناع القيادة العراقية على تنفيذ كافة قرارات مجلس الأمن وبالكاملِ وقيل للوزير الكويتي إن الحديث يمكن أن يدور حول شيء واحد: التصريح بالانسحاب والبدء بلا تأجيل في سحب القوات في ظرف وقف إطلاق النارِ وقال الوزير السوفيتي إن الرئيس العراقي للمرة الأولى لم يرفض فكرة سحب القوات وطلب وقتا للتفكيرِ واقترح إرسال مبعوث له الى موسكوِ ولا يجوز التكهن بنتائج مباحثات موسكو، ولن نسمح للعراقيين بممارسة لعبة ما أو مماطلة في حل القضيةِ
وقال صباح الأحمد إن من المرغوب فيه أن يشارك الاتحاد السوفيتي بشكل ملائم له في ميزان القوى الإقليمي في منطقة الخليجِ وأكد على أن العلاقات السوفيتية مع بلدان الخليج هي مصدر قوة له ولها على السواءِ وأعرب كذلك عن اهتمامه بأن تشارك المؤسسات السوفيتية في إعادة بناء الكويتِ
ولم تحمل المحادثات في الكرملين مسائل جديدةِ

تناقضات بغداد 

أدلى مجلس قيادة الثورة العراقي في 15 فبراير بتصريح سياسي واسع خاص بالوضع المتشكلِ وكان يفترض أن يكون هذا في معنى معين رد القيادة العراقية على الأفكار التي عرضها يفغيني بريماكوفِ بتكليف من الرئيس السوفيتي خلال رحلته الى بغدادِ وكانوا في موسكو ينتظرون بفارغ الصبر رد الفعل هذا، آملين في أنه سيكون بناء ويوقف الحرب خلال أيامِ غير أن البيان لم يلب الأمل هذه المرة أيضاِ فقد احتلت البلاغة فيه الصفحات الخمس الأولى (من سبع صفحات حجم البيان) بالنص المترجم الى اللغة الروسية، بصدد 'خطط الصهيونية والإمبريالية الاميركية اللئيمة والمآرب التي لا تقل عن الشناعة لأعوانهما والصنائع من حكام المنطقة الفاسدين الذين يخالفون إرادة الله'ِ
ووصف البيان أحداث 2 أغسطس ب 'الانتفاضة الإسلامية القومية ضد المؤامرة والمشاركين فيها'ِ أما التحالف فقد وصفوه ب 'اتحاد القوى الغادرة والشرسة وتحالف الكافرين الموجه ضد حصن الدين والمبادئ معقل الحرية و الإيمان والعدل'ِ وعمليات التحالف قدرت 'الحرب القذرة والجبانة' و 'العدوان على العراق الذي قد انتصر فيه لأنه ثابت وجريء ومؤمن بالله وعزيز وقوي روحيا'ِ
وفي القسم الختامي من البيان قيل للمرة الأولى عن استعداد العراق 'للتعامل مع القرار 660 لمجلس الأمن بهدف التوصل الى تسوية عادلة ومقبولة بما في ذلك الانسحاب والخطوة الأولى التي يلتزم بها العراق يجب أن تتعلق بالشروط اللاحقة'ِ ويعتبر أبرز شيء هنا في أن بغداد استخدمت للمرة الأولى كلمة 'انسحاب' وإن حاولت الإبهام وإحاطتها بالكثير من الشروط التي عرضت بصفحة ونصف الصفحة ابتداء من وقف إطلاق النار النهائي والشامل وإلغاء جميع قرارات مجلس الأمن الأخرى وسحب قوات التحالف من الإقليم، وإعادة بناء ما دمرته الحرب على حساب بلدان التحالف، وإلغاء الديون العراقية وإعادة النظر في هيكل الكويت السياسي و 'المحافظة على جميع حقوق العراق التاريخية والإقليمية والبحرية في حجمها الشامل 'ِ وأضيف أيضا انسحاب إسرائيل الشامل من كافة الأراضي العربية المحتلة الأخرى ِِِالخِ
كان من الممكن الإدراك بالطبع أن القيادة العراقية لم ترغب تغيير موقفها 180 درجة في الحالِ غير أن عدد الشروط المفرط والواضح والمتعمد من قبل مؤلفي البيان الذين وضعوه خصيصا لكي يظهر غير مقبول من جانب التحالفِ كان هذا البيان يقوض إمكانات الاتحاد السوفيتي في التأثير على واشنطن وغيرها من العواصم وجهودها في تحويل مجرى الصراع الى السلامِ وكان الحديث مع الاميركان بحاجة الى قاعدة واقعية وبناءة خلا منها البيان تقريباِ
وكانت موسكو تعلق في هذه الظروف الآمال على وصول ممثل صدام حسين الشخصي الى موسكوِ

غورباتشوف يأخذ المبادرة على عاتقه 

وصل طارق عزيز الى موسكو مساء 17 فبرايرِ ولغاية اليوم فان العمليات العسكرية مستمرة لليوم ال 32 وكانت طائرات التحالف تقصف العراق حسب إرادتها وهواهاِ غير أن الوفد العراقي كان يتظاهر بالرزانةِ
جرت المباحثات صباح اليوم التالي على مرحلتين : الأولى في وزارة الخارجية والثانية في الكرملينِ وشارك في المحادثات في وزارة الخارجية سعدون حمادي الذي وصل في قوام الوفد العراقيِ
بدأ عزيز كلامه بانتقاد الذين 'يواصلون العدوان على العراق' والذين اتخذوا موقفا سلبيا من بيان مجلس قيادة الثورة المؤرخ في 15 فبرايرِ وانكشف حقد 'المعتدين' وغدرهم بضرباتهم على بغداد عندما مكث فيها يفغيني بريماكوفِ وأشار الى أن العراقيين ليسوا من أولئك الذين يستسلمون، ثم قال إنه وصل الى هنا وحمادي لأجل البحث عن طرق للتوصل الى قرار لائق وسأل كيف نتصورهِ
ذكر الكسندر بيسميرتنيخ أننا أحرجنا على الدوام مع العراقيين بشأن الاستيلاء على الكويت وأنذرناهم بالعواقب المحتملة وكنا أول من رفع صوته ضد النطاق الواسع للضربات على العراق، ونوه بأننا لا نشك في حزم الشعب العراقي وقدرته في الدفاع عن نفسهِ لكن الحديث يدور الآن حول ذلك القدر من العقل السليم الذي يسمح بالسير في هذا الطريقِ وسألهما مرتين : هل فكرت بغداد في الصيغة التي أحالها بريماكوف : الإعلان الواضح دون قيد أو شرط لسحب القوات والإشارة الى المدة العملية المختصرة لإتمام ذلكِ
هرب عزيز من الجواب بناء على الصلاحيات التي منحت له، كما زعمِ وطرح نفسه السؤال التالي: ماذا ينوي الاتحاد السوفيتي عمله في ضوء تصاعد العمليات الحربية واستمرارها؟ قيل له إذا عين العراق موعد الانسحاب فسنأخذ على عاتقنا محاولة تأمين سحب القوات وفق ظروف مضمونةِ وإذا أصبحت الطريقة السلمية الآن خيار العراق الاستراتيجي فتعالوا نحدد هنا في موسكو الخطوات العملية للتوصل الى هذا الهدفِ
استشهد عزيز من جديد بمحدودية صلاحياته، وحول الحديث الى أن العملية السلمية لا تتكون من عنصر واحد، كما زعم، بل من سلسلة من العناصر الكاملةِ وبما أن الوضع معقد في المنطقة 'فلا تسمحوا بمواصلة العدوان بالتعمق في تفاصيل العملية السلميةِ يجب في البداية الكف عن القصف وسيكون من الممكن بعد ذلك إجراء المباحثات والتشاور ' ِِِ الخ
انتهى الحديث بجملة عزيز بأنه يجب إنهاء الحرب بالرغم من أن العراقيين على استعداد للقتال مائة سنة ولو بالأحجار والعصيِ
بالتالي، لم يكن الحديث بناء في وزارة الخارجيةِ تسنى لنا الحصول على شيء وحيد من عزيز وهو الاعتراف بأن 'الشروط' المقدمة في بيان مجلس قيادة الثورة ليست بالشروط بكل معنى الكلمة بقدر ما هي برنامج أعمالِ كان هذا الاعتراف مهما واتضح أن عزيز لم يكن مستعدا لإجراء المحادثات، بل كان في أحسن الأحوال مرجعا للنقلِ وحسب هذا التوافق رسمت خطة سلوك الطرف السوفيتي في المحادثات مع الكرملينِ
وقد أجراه ميخائيل غورباتشوف بنشاط ولم يرحم عزة نفس المتحدثين وأهم شيء صاغ بصورة ملموسة جملة من الأفعال التي ينبغي على الطرف العراقي القيام بها بلا تمهل لكي يتم الهرب من تعاظم الأحداث وتيارها الجارفِ
أعطى عزيز الرد التالي مجيبا عن سؤال الرئيس السوفيتي، بغية إيضاح ماذا ينوي الاتحاد السوفيتي اتخاذه في المرحلة المقبلة وما هي النصائح التي أردنا إسداءها وكيف نقدر بلوغ السلام المشرف في المنطقة، قال عزيز ان العراق لن يوافق أبدا على الاستسلام وينبغي وقف العمليات الحربية (قال 'العدوان على العراق ') كخطوة أولى للعملية السلميةِ وقدم بيان مجلس قيادة الثورة كوسيلة لتيسير مشاركة الاتحاد السوفيتي في عملية التوصل الى السلام وتأمين نفسه بتأييد واسع في المضمار الدوليِ وأضاف حمادي ان السلام يجب أن يكون مشرفا وأن بيان مجلس قيادة الثورة حمل هذا الهدف بالذاتِ
وأشار غورباتشوف بعد أن نوه بتحفظ الى أن بيان مجلس قيادة الثورة هو خطوة نحو التسوية السلمية، الا أنه من المهم جدا أن نعرف تصرفات العراق اللاحقة وحتى لا تبقى مواقفه متناقضة لانه لم يكف عن تكرار بياناته السابقةِ
رد عزيز بأن المطالب التي احتواها البيان كانت شرعية تماما ويجب أن تصبح الأساس في المحادثات، وأنه ليس ثمة أسباب تدعو العراق للاستسلامِ وزعم عزيز أن الاتحاد السوفيتي عضو دائم في مجلس الأمن ويستطيع أن يضع حدا للعمليات الحربيةِ وكان حمادي يشجع نفسه أيضا ويؤكد قائلا : 'لا نوافق على سلام مهما كلف الأمرِ يجب أن يكون شاملا بالفعل ولن يكون أمامنا خيار آخر سوى مواصلة القتال'ِ
تقدم ميخائيل غورباتشوف للمتحدثين، بعد أن شعر بأنهما محددان بالتعليمات الموجودة لديهما، بخطة متكونة من أربع نقاط:
- على العراق أن يؤكد بوضوح استعداده سحب قواته من الكويتِ
- يمكن أن يبدأ سحب قواته في اليوم التالي من وقف إطلاق النارِ
- يجب أن يحدد بوضوح المدة التي يطلبها لسحب قواتهِ
- يحق للعراق في غضون ذلك أن يطلب ضمانات لتأمين نفسه في سير سحب القوات من الكويتِ
وقال غورباتشوف انه إذا أدلى العراق بمثل هذه الخطة تطويرا لبيان مجلس قيادة الثورة سيفتح الطريق لانعقاد مجلس الأمن، حيث يمكن تحليل الوضع من جميع النواحيِ وأشار يفغيني بريماكوف الذي حضر هذه المحادثات في الكرملين الى أهمية عامل الوقت الذي لا يجوز فقدانهِ
هكذا تولدت 'خطة غورباتشوف' البسيطة والعملية التي كان لقبولها السريع من بغداد فرصة معينة لتحويل النزاع الى التسوية السلميةِ ولكن اتضح بسرعة أن المبعوثين العراقيين لم يتكلما بعد ذلك عن المواعيد المحتملة كلمة واحدة وكانت هذه المشكلة الرئيسيةِ
ذكر ميخائيل غورباتشوف أن الكثير مما كنا ننذر به قد وقع للأسفِ ومن الأفضل أن تستمر الاتصالات السوفيتية - العراقيةِ
قال طارق عزيز ان القيادة العراقية ستحلل بشكل دقيق محتويات هذا الحديث وسترد علينا بلا تأجيل حول جوهر المسائل المطروحةِ
بعد أن علمت وسائل الإعلام في العالم بخطة غورباتشوف، بدأت تنقدها زاعمة أن موسكو التي لا تشترك في الحرب، تحاول الاستفادة منها لمصلحتها وتظهر كصانعة سلام وتنقذ في آن واحد 'زبونها'ِ وتقوى هذا الخط أكثر بكثير بعد أن قال الرئيس الاميركي جورج بوش بعد تأكيده على حقيقة استلامه رسالة الرئيس السوفيتي أن 'خطة غورباتشوف' لا توضح بالمرة ما نحتاج إليهِ واحتلت لندن وباريس موقفا مماثلا من الخطةِ وأظهرت روما والقاهرة تعاطفا معينا معهاِ
ومهما كان الأمر، تلخص المعنى الباطن للحملة المندلعة في تلك الأيام في بث الشعور للرأي العام الغربي والعربي بأن موسكو تريد حرمان التحالف من انتصار مستحق مع جميع العواقب الناتجة عنه بالنسبة للأمن الإقليمي في المستقبلِ ونشرت الصحف الاميركية الرئيسية مقالات انتقادية في 19 و 20 فبراير في هذا الصددِ قيل على سبيل المثال في جريدة 'وول ستريت جورنال في المقالة' الألعاب السوفيتية في الخليج' بأنه 'إذا سحب صدام الآن القوات فمن المرجح أن يحافظ على السلطة والسيطرة على الجيش المضعف بشدة وسيبقى كبيرا ومسلحا جيدا ولم يفقد غير الكويتِ يعتبر تطور الأحداث هذا ضربة صعبة على آمال الغرب في تأمين الاستقرار للمنطقة ِِِ'ِ و 'تدل خطة السلام السوفيتية على أننا استعجلنا الانتصار وهزيمة صدام عسكريا'ِ وكتبت جريدة 'واشنطن بوست' أن السيد غورباتشوف 'يدير العملية الدبلوماسية التي من شأنها تأمين بقاء الزعيم العراقي في الحكم'ِ
وعارضت حتى 'نيويورك تايمز'، التي كانت تعارض أكثر من مرة تصرفات جورج بوش، خطة غورباتشوف أيضا على أساس أن العالم يحتاج الآن الى شيء أكبر من وقف إطلاق النار وسحب القوات: يتطلب الأمر ردع العراق الذي لا يزال يشكل خطرا، لا سيما لو بقي صدام حسين يسيطر على زمام الحكمِ وعلى العراق التخلي عن كل الادعاءات الإقليمية تجاه الكويت وباقي الجيرانِ
وكانت وسائل الإعلام الاميركية، كما أظهرت الأحداث، تعكس بالفعل وجهة النظر الاميركية نفسها المتكونة في ذلك الوقتِ ووصف 'واشنطن بوست' خطة غورباتشوف بعبارة 'القليل جدا والمتأخر جدا'ِ
وفي ضوء كل ذلك، من المفهوم أن الوضع المتشكل بين موسكو وواشنطن بشأن المسائل الخاصة بالعراق غير بسيط بالمرةِ
ويجدر القول ان وسائل الإعلام السوفيتية لم تدع هذه الحملة دون جواب وشددت انتقاد الاميركان ولم تبق على الحياد ومست بعض الشخصيات الرسميةِ وعلى سبيل المثال أشارت الى ملاحظة الكسندر بيسميرتنيخ عندما قال ردا على كلمات جورج بوش عن قصور خطة غورباتشوف بأن 'الخطة موجهة الى القيادة العراقية بينما يرفض بوش ما لا ينتسب إليه'ِ وقال بريماكوف في حديث للتلفزيون السوفيتي بأنه 'ينبغي إيقاف القتلِ لم أقل ان الحرب كانت مبررة من قبل، غير أن مواصلتها أمر لا يمكن تبريره من أية جهة فالشعب يهلك'ِ
لم تفكر الحكومة الاميركية بعد أن استلمت رسالة غورباتشوف مع عرض شامل لنتائج المحادثات الجارية مع طارق عزيز في كيفية إنهاء الحرب، بل في كيفية عدم السماح بأن تحول خطة غورباتشوف من مواصلاتهاِ
يصف سكووكروفت جزع القيادة الاميركية وتصرفاتها في تلك الأيام على النحو التالي: 'كنا نبحث عن كيفية رد الفعل على خطة غورباتشوفِ فإذا انسحب صدام وحافظ على جزء كبير من قوته فلا يعتبر ذلك انتصارا حقيقيا لناِ ووجهنا الى غورباتشوف جوابا فاصلا وأبدينا الامتنان له وأخبرناه بأن العمليات الحربية لن تتوقف'ِ

الجولة الأخيرة للمحادثات مع طارق عزيز

ألقى صدام حسين في 21 فبراير من إذاعة بغداد خطابا حمل لهجة محاربةِ وصف النزاع من جديد باصطدام قوى الإسلام الكريمة بقوى الكفار السوداءِ وقال 'ليس هناك طريق آخر غير الذي اخترناهِ واخترنا طريق النضال وسنسير قدما فيه ِِِ سنستمر في النضال وسنتوصل للنصر'ِ
ودوى في خطاب صدام حسين بصورة غير مفهومة القسم بمواصلة النضال، بغض النظر عن طابع الجهود السياسية التي نبذلها واتجاهاتها التي جاء بها طارق عزيز الى موسكوِ عندما قرأت ترجمة خطاب صدام حسين أحسست بمشاعر مختلطة بصدد الأنباء التي سيحملها إلينا طارق عزيزِ
وصل طارق عزيز في المساء المتأخر من 21 فبرايرِ وبعد وقت قصير وصلنا معه الى الكرملين حيث كان ميخائيل غورباتشوف بانتظارهِ وحضر يفغيني بريماكوف هذا اللقاءِ سأل غورباتشوف طارق عزيز حالا: 'بماذا وصلتم إلينا هذه المرة 'ِ انحصر جوابه فيما يلي:
- العراق مستعد لسحب قواته من الكويت كليا في المدة التي يجب الاتفاق عليهاِ
- يجب وقف إطلاق النار وتوقف العمليات الحربية وسيبدأ الانسحاب بلا تأجيلِ
- في آن واحد مع وقف إطلاق النار يجب أن تلغى جميع قرارات مجلس الأمن وكافة الآثار الناتجة عنهاِ
- يجب أن تنعكس جميع المبادئ المعروضة أعلاه في قرار مجلس الأمن الجديد الذي سيوافق العراق على تنفيذه فوراِ 

تايم أوت 

فضل الرئيس العراقي أخذ وقت مستقطع (تايم أوت)ِ ولم يقل شيئا معيناِ واكتفى بنقل رسالة بواسطة طارق عزيز قيل فيها أن القيادة العراقية تدرس باهتمام كبير الأفكار المعروضة من قبل ممثل الاتحاد السوفيتي وستجيب عليها في أقرب وقتِ ودقق عزيز قائلا بأنه سيصل بنفسه قريبا الى موسكوِ وبات واضحا أنهم في بغداد جنحوا إلى التفكير ببدء الحوار مع التحالف بواسطتناِ هل سيكون مثمرا وسيصل الى نتيجة ناجحة؟ أن التطورات اللاحقة وحدها الكفيلة بالإجابة عن هذه التساؤلاتِ
يكتب سكوكروفت في مذكراته: 'كان يقلقني على الدوام أن صدام حسين سيدلي باقتراح يصعب رفضه ويمكنه من المحافظة على قواته المسلحة حتى لو انسحب من الكويت جزئيا أو كلياِ وإذا أوقفنا المعركة سيصعب جدا استئنافها لو اتضح أن اقتراحاته خدعة فحسب ولن تنفذ 'ِ
قدر سكووكروفت أعمال ميخائيل غورباتشوف على النحو التالي: 'قام غورباتشوف بالكثير لكي يساعدنا في تنظيم الرد الدولي على العراق وعزل زبونه السابق ونعطف عليه جدا وعلى وضعه الصعب داخل بلادهِ ومع ذلك لم نستطع السماح له بالتدخل في دبلوماسيتنا في الخليج وعملياتنا في اللحظات الحرجة'ِ ونقرأ في مذكرات جورج بوش : 'أثار قلقي ذلك الظرف لو أن صدام انسحب من الكويت قبل أن ندمر مدرعاته وأسلحته الثقيلة بالكاملِ وحتم علينا ذلك البدء بالعملية البرية وختم الأمر في أقرب وقت'ِ
بات مفهوما في ضوء ما قرأناه كيف يمكن لواشنطن أن تنظر في المعلومات المستلمة من غورباتشوف عن نتائج رحلة بريماكوف الى بغداد وعن طلب الرئيس السوفيتي إيقاف القصف الجوي وعدم الانتقال الى العملية البرية قبل محادثات موسكو مع طارق عزيزِ


يتبع .....
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

mi-17

مشرف
مشرف

avatar








مُساهمةموضوع: رد: كتاب " الكرملين وأزمة الكويت " لنائب وزير الخارجيه السوفيتي السابق الكسندر بيلونوغوف   الخميس يوليو 30 2015, 22:16

الحلقه 28 

اتضح هنا أن العراقيين أضافوا الى صيغة غورباتشوف إلغاء قرارات مجلس الأمن، وهذا في رأيي غير مقبول لا للغرب ولا للكويت على الإطلاق، لأن هذا يرفع عن العراق كل مسؤولية الدمار الذي سببه والخسارة التي ألحقها، ويجنبه من التقييدات العسكرية المحتملةِ لذلك حاول غورباتشوف فورا فصل المسألة الخاصة بالقرارات عن القضايا الأخرىِ وقال ان الذين يسعون الى الانتقال للعمليات البرية قد يفسرون هذا كشرط مقدم من العراقِ ويمكن طرح مسألة إنهاء مفعول قرارات مجلس الأمن في المرحلة اللاحقة فقط، أي بعد سحب القواتِ
غير أن عزيز عاند للغايةِ وبالرغم من كافة البراهين على ضرر تقديم قضية إلغاء القرارات الى المقام الأول من الأهمية، إلا أنه لم يتزحزح عن موقفه ومن ثم انتقل الى البلاغة طارحا المسالة على النحو التالي: إما إلغاء القرارات وإما الحرب حتى النهايةِ وقال: 'سيحارب العراقيون جميعهم كل الملايين ال 18 بما يقدرون عليهِ وعندما تنتهي أسلحتنا سنلجأ للأساليب الإرهابية'ِ
غير غورباتشوف بحدة الموضوع بعد أن رأى بطلان المناقشة راغبا في إنقاذ المحادثاتِ وانتقل الى موعد سحب القواتِ وصعق عزيز عندما سمع من غورباتشوف بأن الاميركان يريدون سحب القوات خلال أربعة أيامِ وأشار الى أن العراقيين دخلوا الكويت مع عدة فرق ويوجد هناك الآن أكثر من نصف مليون جندي وأسلحة ومعدات عسكرية كثيرة ومستودعات ذخائر ومواد غذائيةِ وقال عزيز 'لا نستطيع ترك كل هذا والانصراف بدون الأسلحة'ِ وبدأ يعين المواعيد مبتدئا بثلاثة أشهرِ
عند ذاك تأجلت المحادثات الى الصباحِ
اقترح ميخائيل غورباتشوف وضع سبع نقاط كما لاحظ يفغيني بريماكوف أساسا للبيان الصحفيِ وبعد أن استمع عزيز الى هذه النقطة قال حالا انها تلائم موقفهم وانه لم ينتظر أن الجانب السوفيتي مستعد للذهاب بعيدا الى هذه الدرجة مقابل المطالب العراقيةِ 

خطة غورباتشوف 

وفي الساعة الثانية ونصف الساعة ليلا، سار مساعد الرئيس السوفيتي إغناتينكو مندفعا الى المركز الصحفي حيث كان 700 صحافي بانتظاره للحصول على الأنباء الجديدةِ وقرأ هناك البيان المخصص للصحافة المذكور أعلاهِ لم يكن طويلا وأتذكره بالكامل تقريبا لكي يكون سير الأحداث اللاحقة أكثر وضوحا للقارئ: 'الرد على الاقتراحات السوفيتية كان إيجابياِ فقد توصلنا الى الاستنتاج بعد مناقشات عميقة ومقارنة وجهات النظر ونرى بالإمكان حل النزاع في الخليج بالطرق التالية:
1- يصرح العراق بسحب قواته بدون قيد أو شرط من الكويتِ
2- يبدأ الانسحاب في اليوم التالي من وقف إطلاق النارِ
3- سيتحقق سحب القوات في المواعيد المثبتةِ
4- بعد انسحاب ثلثي القوات المسلحة سينتهي مفعول العقوبات الاقتصادية التي فرضتها الأمم المتحدةِ
5- بعد انتهاء سحب القوات العراقية من الكويت ستنتهي الأسباب التي أدت الى اتخاذ هذه القرارات ولذا سيكف مفعولهاِ
6- بعد إنهاء وقف إطلاق النار يتم إطلاق سراح جميع أسرى الحرب فوراِ
7- تراقب البلدان التي لم تشارك في النزاع على سحب القوات بتكليف من مجلس الأمنِ
وأخيرا لا يزال العمل جاريا على تدقيق الصيغ العملية والتفاصيلِ وستخبر بالنتائج النهائية لهذا العمل اليوم 22 فبراير كافة الدول أعضاء مجلس الأمن والسكرتير العام للأمم المتحدةِ وهذا ما تسنى لنا اليوم إنجازه 'ِ
وفي الوقت نفسه جرت مكالمة هاتفية بين الرئيسين السوفيتي والاميركي، أخبر غورباتشوف في سيرها بوش عن نتائج مباحثاته مع طارق عزيز التي انتهت تواِ وقال السكرتير الصحفي للرئيس الاميركي مِ فيتسوتير في الصباح ردا على إلحاح الصحافيين بالتعليق على هذا الحدث ان جورج بوش شكر أثناء المكالمة الرئيس السوفيتي على 'جهوده البالغة والمفيدة، وأعرب عن مخاوفه الجدية بصدد بعض نقاط الخطة'ِ ولم يكشف جوهر 'المخاوف'ِ غير أن المعلقين فهموا لم لم تعجب الحكومة الاميركية الدبلوماسية السوفيتية والنقاط السبع المعلنة؟ِ
وفي هذه الأثناء كانت المحادثات السوفيتية - العراقية مستمرة في احد أجنحة وزارة الخارجية في 22 فبرايرِ وكان علينا تنسيق ما تم إنجازه أثناء اللقاء الليلي في الكرملينِ
بدأت محادثات طويلة وجدل ممل حول ثلاث مسائلِ بدأنا من قرارات مجلس الأمن والعقوبات الاقتصاديةِ
أنذر الكسندر بيسميرتنيخ، عزيز، بأننا لا نتمكن من ضمان اتخاذ مجلس الأمن قرار إلغاء مفعول القرارات، بل سنحاول التوصل الى ذلكِ ويجب أن يبدأ في كل الأحوال سحب القوات العراقية الكامل، الأمر الذي سيعني تنفيذ العراق الكامل لمطالب القرار 660. وافق عزيز بصعوبة بالغة على استبعاد النقطة الرابعة من البيان المعلن في الليل بعد أن قدمنا له الحجة الرئيسية المنحصرة في أن الاميركان لن يوافقوا على سحب ثلثي القوات المسلحة من الكويت وسيرون بأن ذلك انسحاب غير كامل في نهاية الأمرِ وكان عزيز يصر على تلقائية إيقاف مفعول جميع قرارات مجلس الأمن بعد أن يترك آخر جندي عراقي الكويتِ وفي النهاية بقيت النقطة الخامسة من حيث المعنى كالصيغة السابقة التي لن ترضي التحالف بلا شكِ
ونجحنا في التوصل الى موافقة على مواعيد سحب القوات ووقت إطلاق سراح أسرى الحربِ
ولكن عزيز صرح فجأة بعد قليل بأنه لا يمتلك صلاحيات كاملة بما نسقناه في هذا اللقاء، واقترح أن يسافر معه يفغيني بريماكوف الى بغدادِ رفض هذا بحزم من جانبناِ وقال بيسميرتنيخ إذا وافقنا على ذلك فسيقول نصف الناس إن محادثات موسكو فشلت وسيقول النصف الثاني ان العراق يواصل اللعب السياسي ويماطل المحادثات ولذا لا يمكن الاعتماد على وعودهِ
واتضح أن السفارة العراقية في موسكو فقدت الاتصالات مع بغداد بسبب الدمار الذي حل هناكِ واقترحنا على عزيز الاستفادة من خطوط اتصالاتنا لكي يقدم تقريره الى بغدادِ كتب عزيز تقريره بالسفارة بواسطة الشيفرة وأرسل من وزارة الخارجية الى السفارة السوفيتية في بغداد ليتم نقله الى صدام حسينِ وبدأ ينتظر رد فعل بغدادِ وفي أثناء انتظار رد فعل بغداد، اتصل ميخائيل غورباتشوف بالهاتف بجورج بوش لكي يطلعه على سير المحادثات مع طارق عزيزِ كلف بوش، جيمس بيكر بسماع أخبار غورباتشوف عبر الهاتف ( ثم اشترك نفسه بالحديث )ِ يكتب بيكر في مذكراته:
'أشرت الى أن سحب القوات العراقية القاضي بغورباتشوف ليس فوريا وبالانسحاب دون قيد أو شرطِ يريد صدام الآن التنصل عن عواقب العدوانِ وقلت أنني على يقين من أن الرئيس سيعد هذه الشروط كلها غير مقبولةِ
لم يعجب غورباتشوف هذا وقال: كنت أتعاون معكم وأحاول أن أؤدي الدور الذي يسمح بالمحافظة على أرواح جنودكم والجنود العراقيينِ نهدف الى إيجاد قرار صارم وعمليِ لا يستطيعون الانصراف خلال أسبوع واحدِ وأجبته: لكنهم دخلوا الكويت خلال يومين'ِ
في هذه المكالمة الهاتفية تلا بيكر لغورباتشوف نص التصريح الذي كان جورج بوش ينوي أن يعلنه كإنذار نهائي مخصص لتقديمه باسم التحالف لصدام حسينِ وحسب أقوال بيكر، عندما دخل بوش في المكالمة، كرر غورباتشوف له الموضوعات الرئيسيةِ واستشهد الآن بما كتبه بوش عن هذه المكالمة:
الابتزاز النهائي
'رد غورباتشوف بشدة على مقترحاته المرفوضة من قبلناِ ولمح الى أننا نقدم عن عمد بمطالب غير ممكنة فيما يخص الانسحاب لكي نواصل عملياتنا العسكرية ِِِ وقلت له بأنه يجب أن يحقق اقتراحنا (يقصد الإنذار النهائي - المؤلف)ِ ان اقتراحنا جدي للغاية ويتلخص في أن تؤيد موقفناِ وإن لم تستطع فعل هذا فاننا نفضل ألا تقاومه'ِ
بعد ساعة واحدة من هذه المكالمة كلف الرئيس الاميركي سكرتيره الصحفي مارلين فيتسوتير إعلان الإنذار النهائي كجهد أخير للحصول من العراق على الموافقة للانصياع لإرادة المجتمع الدوليِ
بالتالي كفوا في واشنطن عن انتظار رد فعل صدام حسين على نتائج مباحثات موسكوِ مع ذلك لم يهمل الرئيس الاميركي مبادرة غورباتشوف بالمرة وذكرها عندما وجه إنذاره النهائيِ وأدلى بوش في 22 فبراير بتصريح قال فيه على وجه الخصوص: 'بعد دراسة بيان موسكو والبحث فيه مع مستشارينا وبعد مشاورات تفصيلية مع شركائنا في التحالف قررت بأن الوقت قد حان للإعلان عما ينبغي للعراق عمله بغية تفادي الحرب البريةِ وينحصر أهم شيء في أن التحالف يمهل صدام حسين قبل ظهر 23 فبراير بالقيام بما يجب أن يقوم به: البدء فورا وبدون قيد أو شرط بسحب القوات من الكويتِ
أردت إيراد بعض المقتطفات من نص الإنذار النهائي المسمى ب 'مقاييس سحب القوات': 'يجب وقبل كل شيء أن يبدأ العراق في الانسحاب الواسع النطاق لقواته من الكويت قبل ظهر 23 فبراير بتوقيت نيويورك وعليه أن ينهي الانسحاب خلال أسبوع واحد ِِِ
تكرر الولايات المتحدة وشركائها في التحالف بأن قواتها لن تهاجم الوحدات العراقية المتراجعة وستبدي في المستقبل أيضا التحفظ طالما يجري سحب القوات وفقا لما عرض أعلاه وطالما لا تحدث هجمات ضد بلدان أخرىِ وستؤدي أية مخالفة لهذه الشروط الى الرد الفوري والشديد من جانب قوات التحالف وفقا للقرار 678 لمجلس الأمن'ِ من الواضح أن إنذار الحلفاء النهائي بلبل جميع تقديرات موسكوِ وأصبحت فرص التوصل الى تسوية سلمية قريبة للصفر عملياِ لأنه صعب علينا تصور (خاصة في ضوء سلوك طارق عزيز في موسكو) أن بغداد ستنصاع لمطالب الحلفاءِ
جاء الرد من بغداد إيجابيا وكما كان منتظرا في ليلة 22 - 23 فبراير بعد أن سرى في القنوات نصف السريةِ وبما أن الإنذار النهائي للتحالف قد أفشي، فمن الهام أن يعلن طارق عزيز في موسكو باسم القيادة العراقية طريقة الخروج السلمي من الأزمةِ
لذلك اجتمعنا في صباح 23 فبراير من جديد في وزارة الخارجية في القوام نفسه: طارق عزيز مع الزملاء ومن الجانب السوفيتي الكسندر بيسميرتنيخ ويفغيني بريماكوف وأناِ
اقترح بيسميرتنيخ حالا وبعد أن أعرب عن ارتياحه بأن الخطة المنسقة استحسنتها القيادة العراقية، أن يلتقي طارق عزيز بالصحافةِ لم يقل عزيز 'نعم' أو 'كلا' وطالب أن نطلعه على الاتصالات السوفيتية الأخيرةِ
تحدث بيسميرتنيخ عن الحالتين: أولا، مكالمة الهاتف بمبادرتنا مع جيمس بيكر وأشار الوزير في سيرها الى عدم منطقية توجيه الإنذار النهائي بعد أن وافق العراق على سحب قواته من الكويت ودعا الى عقد مجلس الأمن بهدف النظر في الحالة وفق هذا الظرف الهام للغايةِ وقال بيسميرتنيخ أن الولايات المتحدة تدافع عن تصرفاتها وتركز الآن الاهتمام الخاص على قيام العراق بالإرهاب البيئي في أراضي الكويتِ
ثانيا، تحدث الوزير عن سلسلة توجهات ميخائيل غورباتشوف الى رؤساء الدول والسكرتير العام للأمم المتحدةِ تلقينا جوابين فقط لحد الآن: يشك الإنكليز في فائدة انعقاد جلسة مجلس الأمن ويؤيد السكرتير العام هذه الفكرةِ
انتهى اللقاء بهذا وذهبنا مع طارق عزيز الى المركز الصحفي لوزارة الخارجية حيث كان الصحافيون بانتظارناِ كانت كلمة عزيز موجزةِ أخبر فيها الحضور بأن مجلس قيادة الثورة صرح أمس بأن العراق يؤيد المبادرة السوفيتية ويقدر عاليا الجهود السوفيتية لبلوغ التسوية السلمية للحالة الراهنةِ بعدها عرج عزيز على النقاط الست وسماها لسبب مجهول بالخطة السوفيتيةِ ولو أنها كانت سوفيتية لكانت أخرىِ ونوه عزيز بأن القرار الخاص لقيادة العراق بسحب قواته فورا وبلا شرط من الكويت يمكن اعتباره الرد على الرئيس الاميركيِ
كان طارق عزيز مستعجلا وذهبنا من المركز الصحافي مباشرة الى مطار 'فنوكوفو' وسافر منه طائرا الى إيران لكي يصل فيما بعد الى العراقِ 

الماراثون الهاتفي لغورباتشوف 

بدأ في ذلك الوقت في الكرملين ماراثون التلفون الذي لا نظير له لميخائيل غورباتشوفِ تكلم الرئيس السوفيتي في 23 فبراير في محاولة تحويل سير الأحداث الى المجرى السلمي مع: رئيس وزراء بريطانيا، رئيس فرنسا ميتران، رئيس وزراء إيطاليا أندريوتي، رئيس مصر مبارك، رئيس سوريا الأسد، مستشار ألمانيا كول، رئيس وزراء اليابان كايفو، رئيس إيران رفسنجاني وبالطبع مع الرئيس الاميركي جورج بوشِ وكانت لكل مكالمة خصائصها وكانت الفكرة الرئيسية من الجانب السوفيتي واحدة: أحدثت قيادة العراق بموافقتها على سحب القوات الفوري من الكويت وضعا نوعيا جديدا يفتح فرص إيجاد حل سلمي للمشكلة في إطار مجلس الأمنِ ويجب أن يستفيد المجتمع الدولي من هذه الفرصة ودرء الخراب وزيادة الضحايا البشريةِ ورأى غورباتشوف أن مجلس الأمن يستطيع خلال يومين التغلب على الاختلافات بين ما تم تنسيقه مع العراقيين في موسكو وبين مطالب التحالفِ
بدأت العملية البرية عند انبلاج فجر 24 فبرايرِ وأعلن في اليوم نفسه بيان الحكومة السوفيتية، أعرب فيه عن الأسف على ضياع فرصة واقعية للتوصل الى أهداف مجلس الأمن بطرق سلمية وبلا ضحايا في الأرواح أو تدمير ماديِ وقيل في البيان أنه بالرغم من هذا، فقد تم اللجوء الى الحل الحربي حسب الغرائز العاديةِ ولكي لا تؤدي هذه الغرائز الى عواقب خطيرة جدا، تقترح موسكو أن يعمل مجلس الأمن بلا إبطاء لغرض النظر الى الوضع المتفاقمِ علما أن مجلس الأمن يعقد اجتماعاته لكنها كانت تتوقف وكان رئيسه يقوم بالمشاورات كون ثلاثة من الأعضاء الدائمين في المجلس مشاركين في التحالف المعادي للعراق الذي أضاف الآن الحرب البرية الى الحرب الجوية ضد العراقِ
لا أريد هنا التوسع في تفاصيل المسائل العسكريةِ لكن لابد من الإشارة الى أن الطور البري ل 'عاصفة الصحراء' خطط بصورة ممتازة ونظم جيدا وحقق فاعلية بالرغم من أن قوات لعدد كبير من الدول تدربت على مختلف أنظمة الخدمة العسكرية نفذتهِ
كان القائدان لهذه العملية الحربية هما الجنرال الاميركي نورمان شوارتسكوف والجنرال السعودي خالد بن سلطانِ وكانت القوات الاميركية وبعض الدول الأوربية خاضعة للجنرال الاميركي، فيما تولى الجنرال السعودي مسؤولية قيادة قوات البلدان العربية والإسلاميةِ وكان الدور الرئيسي لشوارتسكوف عند المساواة الشكلية للقائدين، إذ كانت القوة الضاربة الرئيسية تحت تصرف الجنرال الاميركيِ
وكانت السياسة أيضا تدخل أيضا في التخطيط للعملية وإجراءاتهاِ ولم ترغب الحكومات العربية المشاركة في التحالف أن تدخل قواتها أراضي العراقِ ولذا كان استخدامها يتحدد بأراضي الكويت فقطِ ولهذا ركز الجنرال خالد اهتمامه على ميدان العمليات الحربية في الكويت حيث سيحارب العرب فيهِ وكانت لشوارتسكوف مهام أوسع لأن قواته وبالأخص الطائرات انتشرت في كافة اتجاهات الجبهةِ وأظن بأنه لم يحدث في القرن العشرين أن شارك في معركة واحدة مثل هذا العدد الكبير من الدول كما كان في سير العملية الحربية لتحرير الكويتِ
وبعد أربع ساعات من بداية العملية توجه صدام حسين بنداء منفعل الى القوات المسلحة العراقية حثهم فيه ب 'لا ترحموا العدو'ِ وجاء في أول بيان حربي نقلته إذاعة بغداد أن 'هجوم العدو فشل كليا 'ِ وقيل في بيان آخر مذاع بعد 15 ساعة من بداية العملية البرية أن 'قوى العدوان لم تستطع بلوغ أهدافها المعلنة وتكبدت خسائر فادحة نتيجة للضربات الماحقة التي أنزلها بهم حماة الحق والدين'ِ وفي الحقيقة، كانت الصورة معاكسة تماماِ فقد كان هجوم الحلفاء يتطور باندفاع وبدون ردع أو خسائر في الأرواح تقريباِ وضعفت عزيمة القوات العراقية في الكويت نتيجة القصف الجوي المكثف والمستمر خلال أسابيعِ ورأت القوات أنها غير محمية من الضربات الجوية ولهذا لم تصمد في وجه ضربات الدبابات المهاجمة للتحالف ومشاة البحرية الاميركيةِ وهكذا تم خرق الدفاعات وبدأ التراجع غير المنظم الذي تحول بسرعة الى هروب فعليِ وكانت الهجمات المضادة نادرة وغير فعالةِ ولكي ينقذ الجنود العراقيون أرواحهم كانوا يلجأون للأسر بالآلافِ
في الوقت نفسه، أعاد الجنرال شوارتسكوف تجميع قواته الرئيسية خفية الى الجناح الأيسر وأنزل ضربة قوية جانبية وبدأ التقدم السريع الى عمق العراق في اتجاه البصرة لكي يطوق القوات العراقية الموجودة في الكويت والمناطق المجاورة لهاِ ونشأ خطر الحصار الكبير واضطرت بعض الوحدات العراقية بما فيها تشكيلات من الحرس الجمهوري لترك مواقعها على عجل والتراجعِ وفي النتيجة، لم يكن الوضع يشكل على النحو الذي كانت القيادة العراقية تأمل فيه قبل بداية العملية الحربيةِ 

محاولة أخيرة 

ان هذا الموقف جدير بالطبع بكل الاحترامِ ولكن لم تكن له للأسف، فرص النجاح، لأنه خالف العقليات الموجودة عند أعضاء التحالف وهي إملاء إرادتهم على بغداد وعدم مساواتهاِ وكان من السذاجة الأمل في أن التحالف سيتخلى عن الإنذار النهائي الذي قد وجه الى بغداد، لا سيما في ظروف الكارثة البيئية التي بدأت في الكويت بذنب العراقِ
وانحصرت فرصة النجاة من الحرب البرية في تنفيذ شروط الإنذار النهائي من قبل بغداد التي لم ترد أو لم تجد في نفسها القوة لأجل اختيار هذا الطريقِ
استمرت مكالمة غورباتشوف وبوش حتى 45 دقيقة قبل انقضاء موعد الإنذار النهائيِ ووصف سكووكروفت هذه المكالمة بعدة سطور: " كان غورباتشوف يائسا بوضوحِ ولم يتحقق اقتراح واحد من اقتراحاته وكان يحاول بكافة الوسائل وحتى ابتهل للرئيس في نهاية المكالمة للحصول على تأجيل لكي يدعو صدام لكي يثوب الى رشدهِ وكان الرئيس (بوش - المؤلف) صبورا ووديا معه لكنه لم ينثن 'ِ ويكتب مساعد الرئيس أِ تشيرنيايف في يومياته أن غورباتشوف كان يحاول إقناع الجميع مشيرا الى زيارة طارق عزيز الأخيرة الى موسكو في أن حسين سينسحب لأن ليس لديه مخرج آخر من الورطةِ ولم يقل له أحد حتى أولئك الذين ارتبط معهم بعلاقات ودية: لا تتململ يا ميخائيل ! أن كل شيء قد تقرر قبل أسبوعين'ِ
ولم تثمر عن شيء مكالمة بيسميرتنيخ مع بيكرِ ولا جلسة مجلسة الأمن التي أطلع فيها المندوب السوفيتي أعضاء مجلس الأمن على العمل المنجز على طريق التسوية السلمية للنزاع والفرص المتاحةِ ولم يلق التأييدِ
وفي النتيجة أخبر بيكر نظيره السوفيتي قبل 10 دقائق من كلمة بوش التي وجهها للأمة بإعلانه شن الحرب البرية ( كانت تدور خلال ساعة ) والانتقال الى طور جديد للعمليةِ
وخلافا لجميع الأحاديث استمر هذا الحديث دقيقة واحدة فقطِ وبالفعل عن أي شيء يمكن التكلم، فقد كان كل شيء واضحاِ


يتبع .....
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

mi-17

مشرف
مشرف

avatar








مُساهمةموضوع: رد: كتاب " الكرملين وأزمة الكويت " لنائب وزير الخارجيه السوفيتي السابق الكسندر بيلونوغوف   الخميس يوليو 30 2015, 22:25

الحلقه 29

كقاعدة عامة، تحتاج كل مبادرة دبلوماسية الى ساحة انطلاق ما أو دافع سياسي أو شيء ما في هذا المعنىِ وظهرت ساحة الانطلاق هذه بعد يومين من بدء المعارك البريةِ
وفي 26 فبراير عقد مؤتمر صحفي بتكليف القيادة صرحت فيه:
'أريد إحاطتكم علما بأن وزير الخارجية العراقي جاء في الليل الماضي الى السفارة السوفيتية في بغداد وبعث إلينا رسالة صدام حسينِ وأبلغ في الرسالة قرار القيادة العراقية سحب جميع قواتها من الكويت فورا وفقا للقرار 660 لمجلس الأمنِ وأشير في رسالة صدام حسين الى أن الأمر بسحب القوات قد صدر وبدأ انسحابهاِ وأشير كذلك الى أن مدة الانسحاب ستكون وجيزة جداِ وتعتقد القيادة العراقية أن هذه الخطوة الجديدة سترضي جميع الأطرافِ
وأبلغكم بأنه فور استلامنا رسالة صدام حسين أخطرنا رسميا الاميركان بأن العراق بدأ تنفيذ القرار 660 لمجلس الأمنِ وفي اليوم نفسه أعطينا التعليمات لمندوب الاتحاد السوفيتي لدى الأمم المتحدة لكي يقترح عقد اجتماع عاجل لمجلس الأمن لبحث مسألة وقف إطلاق النارِ
لهذا نعتقد أن من الضروري استخدام هذا التطور بشكل لازم كما يمليه العقل والضمير للحد من سفك الدماء بعد أن توافرت كافة الظروف الموضوعية'ِ
وبعدها انهالت الأسئلة بطبيعة الحال وكان السؤال الأول يتناول المواعيد 'الموجزة'، أجبت: 'لا أشك في شيء واحد، سيؤدي وقف إطلاق النار في هذه الظروف لأن يكون في حده الأدنىِ
ومن المفهوم أن الانسحاب يتحقق مع استمرار العمليات الحربية والقصف الجوي والمدفعي والصاروخي على رؤوس المنسحبينِ أن كل هذا يشوش بطبيعة الحال مجرى الانسحاب العاديِ وستتغير الحالة لو أعلن وقف إطلاق النار في الأرض والجو والبحرِ ومن البديهي أن كل هذا عجل في تنفيذ المهمة التي وضعها المجتمع الدولي منذ البداية: التوصل الى تحرير الكويت وإعادتها كدولة مستقلة ذات سيادةِ
واهتم مراسل 'ديلي إكسبريس' الإنكليزية بسبب سلوك الاتحاد السوفيتي الحالي كأنه يلعب دور ممثل العراقِ أجبت على سؤاله على النحو التالي: 'ننطلق من مواقف إنسانية عامة وطبيعية وكل ساعة تمضي تزق الأرواح أكثر فأكثرِ انه من الواضح بالنسبة لنا ان إنهاء العمليات الحربية سيكون للصالح العام وليست ثمة أسباب واقعية خطيرة لمواصلتها'ِ
وطرحت الكثير من الأسئلة أجبت عليها جميعهاِ وقبل أن أنهي المؤتمر أعربت عن أملي في أن قوات التحالف ستظهر موقفا مسؤولا الى الحد الأقصى لكي تتخذ القرار الصحيح الوحيد في الظروف الراهنة: إنهاء العمليات الحربيةِ
يلاحظ القارئ أنه لم يكن هناك حتى تلميح الى رفض بغداد الادعاء بالكويت، بل العكس ما تم تأكيده: ستكون الكويت بعد مدة معينة عراقية من جديد مثلما سقطت القسطنطينية المسيحية في الماضي تحت ضربات الأتراك في نهاية الأمرِ وأعطى هذا التصريح ولهجة الكلام المشاكسة والنداء الموجه للعراقيين للاحتفال بالنصر على التحالف المكون من أكثر من 30 دولة، باعثا للرئيس الاميركي للإعلان بأن التحالف سيستمر في العمليات الحربية بالشدة السابقةِ
وبما أن الوضع في مجلس الأمن يواجه مأزقا فيما يخص وقف إطلاق النار، أخبرت موسكو بواسطة السفير السوفيتي في بغداد القيادة العراقية بأمانةِ لكنها من جديد لم تتخذ القرارات اللازمةِ وفضلوا هناك على التقدم الجزئي فقطِ وطلب عزيز وحمادي في ليلة 26 -27 فبراير من سفارتنا أن تنقل الى الممثل الدائم لدى الأمم المتحدة (العراقي) رسالة عزيز الى الأمين العام للأمم المتحدة ورئيس مجلس الأمن (ممثل زمبابوي في فبراير) والتي جاء فيها أن الانسحاب الكامل للقوات العراقية من الكويت سيتم في غضون عدة ساعات وأن العراق يوافق على تنفيذ قراري مجلس الأمن 660 و662 و 674 بشرط أن يتخذ مجلس الأمن قرار وقف إطلاق النار فورا ويعترف بسيران مفعول القرارات 661 و 665 و 670 ِ وفي الوقت نفسه وجه صدام حسين رسالة الى رئيس الاتحاد السوفيتي طالبه فيها باتخاذ تدابير أنشط لأجل وقف إطلاق النارِ وأشير في غضون ذلك الى أن قرار اعتراف القرار بقرارات مجلس الأمن اتخذ 'إجلالا للاتحاد السوفيتي' ولجهوده في إعادة السلامِ
كان مثل الاعتراف عذبا بالطبع بالمقارنة مع انتقادات نصف سنة من جانب بغداد لنهج الاتحاد السوفيتي من الأزمة الكويتيةِ وللأسف لم تثر الشكوك مغزى هذه الخطوة وتوقيتهاِ
استجابة لطلب بغداد أحيل نداؤها الى الأمين العام ورئيس مجلس الأمن وإلى المرسل إليهما بواسطة ممثل العراق الدائم بأسرع وقت ممكنِ غير أن النداء الجديد لم يكن له أي أثر كما كان منتظراِ فقد رفضت محاولة بغداد في مساومة مجلس الأمن وفرض شروط عليه بحزمِ وطلب رئيس مجلس الأمن من الاتحاد السوفيتي أن يبلغ بغداد من جديد بأن الأمر يتطلب أن تعترف بلا قيد أو شرط بكافة قرارات مجلس الأمن ال 12 بلا استثناءِ قمنا بذلك بلا إبطاء إدراكا منا بأن كل ساعة توسع نطاق هزيمة العراقِ وفي اليوم الثالث بعد بداية العمليات البرية لم يعد يتكلم أحد على مقاومة منظمة للقوات المسلحة العراقية، فقد تحطمت في كل الجبهات وأصبحت قوات التحالف سيدة الموقف واحتلت القوات الاميركية 15 % من الأراضي العراقية تقريباِ
واتضح لبغداد على ما يبدو أنها خسرت الحرب، وأن مواصلة هجوم الحلفاء قد تؤدي الى انهيار النظام العراقي، عندها انصاعت لمطالب مجلس الأمن وأحال ممثل العراق الأنباري مساء 27 فبراير الى رئيس مجلس الأمن رسالة طارق عزيز الجديدة التي جاء فيها: 'يشرفني أن أخبركم رسميا بأن حكومة العراق توافق بالكامل على تنفيذ القرار 660 لمجلس الأمن وجميع قرارات مجلس الأمن التالية'ِ وطلب الوزير (طارق عزيز) أن يخبر بذلك أعضاء مجلس الأمن وأن ينشر الرسالة بصفتها وثيقة رسمية لمجلس الأمنِ
في موسكو كانت الليلة 27 - 28 فبراير عندما هاتف بيكر وزيرنا بيسميرتنيخ وأبلغه أن قوات التحالف ستكف عن العمليات الحربية ضد العراق في الساعة الثامنة صباحا بتوقيت العراق، نظرا لموافقة العراق على تنفيذ قرارات مجلس الأمن وإتمام تحرير الكويتِ
وبعد مرور وقت قصير من هاتف بيكر، توجه الرئيس جورج بوش من البيت الأبيض الى الشعب الاميركي ليبلغه بالنجاح الذي توصل إليهِ وأشار الرئيس مقدرا القوات الاميركية حق تقديرها الى أنه لا يوجد بلد واحد لا ينظر الى هذا النصر كنصره الخاصِ وقال ان هذا انتصار الكويت وجميع الشركاء في التحالف وهيئة الأمم المتحدة والإنسانية بشكل عامِ وقال بوش ان وقف إطلاق النار الدائم يتوقف الآن على العراق أن:
- يطلق فورا سراح جميع أسرى الحرب ومواطني البلدان الاخرى وينقل رفات من هلك منهمِ
- يطلق سراح جميع الكويتيين الموقوفينِ
- إبلاغ السلطات الكويتية بوضع وأماكن وطابع الألغام البرية والبحريةِ
- مراعاة جميع قرارات الأمم المتحدة المعنية بما في ذلك قرار أغسطس بضم الكويت والاعتراف بالتزام العراق دفع التعويضات عن الخسائر والأضرار التي سببها عدوانهِ
- تعيين قادة عسكريين لحل مسائل وقف إطلاق النار سوية مع القيادة العسكرية لقوات التحالفِ وينذر العراق في غضون ذلك بأنه في حالة إطلاق النار على عساكر التحالف أو إطلاق الصواريخ على أي بلد ستكون قوات التحالف طليقة في استئناف العمليات الحربيةِ
وذكر بوش بأنه كان يقول على الدوام ان النزاع لم ينشب مع الشعب العراقي، بل مع قيادته وقبل كل شيء مع صدام حسينِ وأن التحالف لجأ الى الحرب بعد أن أصبحت الوسيلة الأخيرة، ويأمل في أنه سيحين الوقت الذي سيقود فيه العراق أشخاصا مستعدين للحياة بسلام مع الجيرانِ وأيد بوش أن يعمل مجلس الأمن على إعداد التسوية مع العراقِ
كان تحويل المسألة لإبقائها في إطار مجلس الأمن يستجيب للخطة السوفيتية أيضاِ
بعد ثلاث ساعات تقريبا من كلمة بوش نقلت إذاعة بغداد الخبر وأكدت أن العراق 'أحرز الانتصار' وأن رئيس الولايات المتحدة 'اضطر للموافقة على وقف إطلاق النار'ِ ولهذا السبب وجهت الأوامر للقوات العراقية بالكف عن العمليات العسكريةِ 

لماذا أوقف بوش الهجوم؟ 

لماذا أصدر الرئيس بوش الأمر بوقف إطلاق النار في الوقت الذي كانت فيه عمليات قوات التحالف تتطور بصورة ناجحة جدا؟ من ثم بعد سنة أو سنتين ستوجه إليه الكثير من الانتقادات من الأوساط الاميركية: لماذا لم تستفد حينذاك من الحالة الملائمة التي لا يستطيع صدام حسين أن ينجو منها نهائيا؟ ولحد الآن وفي كل مرة تحاول بغداد التخلص من مراقبة الأمم المتحدة وتعمل خلافا لالتزاماتها الدولية يظهر عدم الرضا عن موقف جورج بوش من جديد ومن جديدِ هل كانت لدى الرئيس الاميركي إمكانية لكي يتصرف على غير ذلك؟ وإن كانت لديه، فقد كانت محدودة للغاية ولسمح للجنرال شوارتسكوف لمواصلة العمليات الحربية خلال عدة أيام إضافية كما خطط لذلك في بداية الأمرِ
لم يعط تحرير الكويت في الواقع والتزامات العراق الرسمية بتنفيذ القرارات ال 12 لمجلس الأمن، أي فرصة بديلة لبوش سوى الإعلان عن وقف إطلاق النارِ ولننظر الى هذه المسألة من عدة نواح، ولنبدأ من الناحية العسكريةِ الحلفاء انتصروا بصورة مقنعة، غير أن هذا لم يعن أبدا ان قوات العراق صفيت بالكامل أو حتى انهزمت جزئياِ ففي الكويت لم تتركز القوات القوية، بل حشد فيها أقل القوات العراقية إعداداِ وعلى ما يبدو كان من الممكن أن يقضى عليها لو استمرت المعارك الطويلة والدامية والمنهكة في سبيل الكويتِ لكن الوحدات الأكثر قدرة على القتال تمركزت في شمال الكويت أو سحبت على وجه العموم بالقرب من بغداد وهذه عانت من الحرب أقلِ ونخص بذلك خيرة قوات الحرس الجمهوريِ وكانت تحت تصرف بغداد 20 فرقة قادرة على القتالِ لذا كان إطالة أمد الحرب وخيما وسيزيد الخسائر الاميركية بالأرواح لأن القوات الاميركية كانت تعمل في العراق نفسه وليس في الكويتِ
زد على ذلك، جرت كل العمليات الحربية الرئيسية في ساحات صحراوية مكشوفة حيث كانت السيطرة الاميركية المطلقة في الجو والتي أعطت الأفضلية للقوات البرية الاميركية أمام الوحدات البرية العراقيةِ وهذه الأفضلية تزول في المدن بالكامل تقريباِ كانت القيادة الاميركية تدرك أن معارك المدن يصاحبها عدد كبير من الخسائر بالأرواحِ ولهذا السبب لم يخطط لدخول قوات التحالف بشكل عام الى المدن العراقيةِ كما لم يقض أن تحتل هذه القوات الأراضي العراقية لمدة طويلة وبنطاق واسعِ لم يكن تحت تصرفها لتجهيز الاحتلال لا موارد بشرية كبيرة ولا أي شيء آخر لتوسيع السيطرة على المنطقةِ
بالإضافة الى ذلك وقعت في مؤخرة القوات الاميركية وحدات عراقية قادرة تماما على القتال وأثبتت ذلك بالفعل فرقة الدبابات 'حمورابي'- التي فلتت من الطوق الذي فرضته المعاركِ
ولنلتفت الآن الى الناحيتين القانونية والسياسيةِ تم التوصل الى هدف العملية العسكرية وهو تحرير الكويت بناء للقرار 678 لمجلس الأمنِ ولم تبق لقوات التحالف أسس قانونية لأجل الاستمرار في العمليات العسكرية ضد العراقِ ولم تستطع واشنطن إغفال ذلك وعدم أخذه بنظر الاعتبار، لا سيما وأن مجلس الأمن كان منشغلا جدا بأزمة الخليجِ
واصطدم الاميركان أيضا بصعوبات سياسية طبيعيةِ حيث بدأ أقرب حلفائهم السعودية ومصر اللتان كانتا أكثر أنصار العملية البرية المطالبة بعد النجاح المتوصل إليه بإنهاء العملياتِ وأدرك الاميركان بأنه قد تنشأ مخاطر انهيار التحالف في حالة عدم إصغائهم الى رأي العربِ ولم يتمكنوا في واشنطن إلا أن يأخذوا بنظر الاعتبار ازدياد العقلية المعادية للأميركان بسبب التدمير الذي تعرض له العراق في سير الحرب الجويةِ
وأخيرا، أهمية العامل السوفيتيِ فقد كان موقف موسكو يضجر واشنطنِ ولم يكن بوسعهم إلا أن يعبأوا بهِ يكتب بيكر في مذكراته: 'ناضل السوفيت بعنف في سبيل إنهاء الحرب البرية وظهرت الآن مواقف حقيقية بأنهم يستطيعون شق التحالف بدعواتهم المستميتة والمستمرة لمجلس الأمن لوقف القتال'ِ بالتالي، لم تكن جهودنا عديمة الجدوىِ
وكانت عقليات السياسة الداخلية تملي على بوش أيضا أن 'يعيد الشبان الاميركان الى وطنهم' في أسرع وقت وأن لا يحولهم الى محتلين وألا يحملهم وقتا طويلا بظروف درجة حرارة تزيد عن 40 مئوية في الظلِ وكان كل تأجيل ينذر بخسائر إضافية في الأرواح من شأنها تقليل ما نجحت فيه الولايات المتحدة والرئيس بوش بتحرير الكويت ولجم العراقِ
ذكرت أعلاه تغيير الموقف السعوديِ فقد أثير قبل كل شيء مخاوفهم من ان إضعاف العراق المفرط قد يؤدي الى تفكيك تكامله وفي النتيجة ظهور دولة شيعية مستقلة في الحدود مع السعودية والتي ستنتهج الأصولية الإيرانيةِ لهذا السبب كانت الرياض في غضون خصائصها كلها تخشى من آثار سقوط صدام حسينِ وكانت الرياض تأخذ العامل الإسرائيلي أيضا بنظر الاعتبارِ وكانت لواشنطن نفسها مخاوف من 'لبننة' العراقِ
وأظن بأن تصريحات صدام حسين العديدة بأن الحرب ثمرة مؤامرة ضده شخصيا باطلةِ فعندما قام الشيعة في الجنوب والأكراد في الشمال بانتفاضة ضده مباشرة بعد وقف إطلاق النار، راقبت القوات الاميركية بكل هدوء كيف نكل الحرس الجمهوري بالدبابات والهليكوبترات بالثوار بلا رحمةِ ولو كانت الولايات المتحدة تريد إيقاف هذا التنكيل فكان يكفي سلاحها الجوي يوم واحد لذلكِ
غير أن هذا الأمر لم يكن في جيوبوليتيك واشنطنِ وكان صدام حسين ونظامه في ذلك الوقت ضروريين لتوحيد العراق وانطلق الحلفاء من هذا العامل بالذاتِ ومن الواضح أنه عندما دعا الرئيس الإيراني هاشمي رفسنجاني العراقيين علنا لإسقاط صدام حسين، لم تلق خطوة طهران هذه أي تأييد من جانب الحلفاءِ
استقبلت موسكو الإعلان عن وقف إطلاق النار بيسرِ واعتبر الكسندر بيسميرتنيخ في مؤتمر صحفي عقد في 28 فبراير هذا الحدث بالكبير والهامِ وعبر عن ترحيبه بتحرير الكويت وإعادة استقلالها وسيادتها وتوحد أراضيها وعودة حكومتها الشرعية الى البلادِ وأشار الوزير الى أن المجتمع الدولي أظهر للمرة الأولى إرادة واحدة في وجه استيلاء دولة على أخرىِ وانتهاء النزاع الحربي كان نتيجة لجهود جماعية من كافة الدول التي شاركت في البحث عن تسوية، والتي رأت أنه من الممكن منع حدوث نزاعات من هذا النوع في المستقبل واستيلاء بلدان على أخرىِ واشترك في أحداث هذه السابقة التاريخية الكثير من الدول، بما فيها الاتحاد السوفيتي الذي مارس، بثبات، نهجه نحو الحل السياسيِ وتناول الوزير العلاقات السوفيتية ـ العراقية أيضاِ وأشار الى أنها تعرضت لتغييرات أثناء الأزمةِ وتحولت من علاقات صداقة قريبة وتعاون في مختلف المجالات الى علاقات شاذة بما فيه الكفاية عندما وقف الاتحاد السوفيتي الى جانب القوى التي كانت تسعى الى أن يسحب العراق قواته من الكويتِ غير أن علاقاتنا ستتطور في المستقبل أيضا وسيبدأ عصر جديدِ لقد استخلصنا جميعا من هذا النزاع خبرة كبيرة ستأخذ في الاعتبار، ليس الجهود الدولية فحسب، بل فيما يخص العلاقات الملموسة مع دول الخليجِ
ورأى الجانب السوفيتي انه من الواجب حل دائرة واسعة من المهام حددها على النحو التالي:
استبعاد احتمال نشوب عمليات حربية في منطقة النزاع بالكاملِ
البدء في مجلس الأمن النظر بعمق في مسائل التسوية النهائية للنزاع العراقي ـ الكويتيِ
البدء بوضع منظومة أمنية لما بعد الأزمة في الإقليم تضمن عدم السماح بالاصطدام الحربي في المنطقة مستقبلاِ
العمل سوية مع الدول العربية وإسرائيل وجميع أطراف النزاع لوضع تسوية للمشكلة في الشرق الأوسط التي تعتبر مصدرا لعدم الاستقرار وانعدام الثقة وسباق التسلح في الإقليمِ

بغداد تماطل حتى آخر لحظة 

اضطررت هذه الأيام للانشغال كثيرا في مجلس الأمن الذي انتقل إليه العمل السياسي بقدر كبير وقت الحربِ وانعقدت بمبادرتنا ليلة 25 - 26 فبراير جلسة مجلس الأمن السرية الرسمية وأخبر فيها ممثلنا فورنتسوف أعضاء مجلس الأمن بمحتوى نداء صدام حسين الى رئيس الاتحاد السوفيتي واقترح ممثلنا اتخاذ قرار وقف إطلاق النارِ غير أن هذا الاقتراح لم يحظ بالتأييد المطلوبِ لذا استمر النظر في هذه المسألة في الجلسة غير الرسمية حيث اتضح نهائيا أن نداء صدام حسين الى القيادة السوفيتية يعتبر غير كاف لأنه يجب أن يكون هناك نداء مباشر الى مجلس الأمن، زد على ذلك تتطلب موافقة العراق الرسمية على 12 قرارا للمجلس وليس أولها فقطِ ولم يكن هذا رأي الولايات المتحدة وإنكلترا وفرنسا فحسب، بل تمسك به أكثرية أعضاء مجلس الأمن، والمشاركون العرب الرئيسيون في قوات التحالفِ
وكما حصل في الماضي أفسد الجانب العراقي نفسه هذه المرة أيضا الأوضاع في مجلس الأمن، حيث أصر ممثله في المجلس الأنباري واستمر بعناده على رفض سيادة الكويت ملحا على أن هذا لا يعد أكثر من 'مفهوم جغرافي' فحسبِ وعندما تحدث عن موقف حكومته من تسوية النزاع لم يذهب أبعد من النقاط الثلاث المعروفة المعلنة من قبل طارق عزيز في موسكو على الرغم من ان الأحداث الحربية ألغت أساسها في حقيقة الأمر: انسحاب القوات العراقية الطوعي من الكويتِ
غير أن الأمر لم ينحصر حتى في موقف ممثل العراق لدى الأمم المتحدة المتأخر عن الحياة، بل جهودنا لوقف إطلاق النار التي كانت تسقط على الأرض من أساسهاِ وكانت كلمة صدام حسين نفسه المعلنة من إذاعة بغداد في 26 فبراير عقبة رئيسية في هذا الطريقِ وصف جورج بوش هذه الكلمة بالفضيحةِ وإليكم مقتطف واحد من كلمة الزعيم العراقي للتوضيح: 'أن الكويت جزء من بلدكم سلخ منه في الماضيِ وأمرت الظروف اليوم أن الكويت ستبقى في تلك الحالة التي ستبقى فيها بعد سحب قواتنا المقاتلة منها ِِ وسيتذكر العراقيون ولن ينسوا أن الكويت أصبحت في 8 أغسطس 1990 جزءا شرعيا ودستوريا وفعليا من العراق ِِِ ويجب أن يتذكر كل إنسان أن بوابة القسطنطينية لم تفتح أمام المقتحمين المسلمين من المحاولة الأولى.


يتبع .....
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

mi-17

مشرف
مشرف

avatar








مُساهمةموضوع: رد: كتاب " الكرملين وأزمة الكويت " لنائب وزير الخارجيه السوفيتي السابق الكسندر بيلونوغوف   الخميس يوليو 30 2015, 22:34

الحلقه 30 

كانت الأزمة الكويتية تقترب بالتالي من نهايتها حيث دامت سبعة أشهر تقريبا وفقدت فيها الأشهر الخمس الأولى لإقناع بغداد وكرس شهر ونصف الشهر لإجبارها بالقوة على ما كان ينبغي أن تقوم به منذ البداية: الانسحاب من الكويتِ واستمرت الحرب البرية 100 ساعة بالضبطِ
دعوت في وزارة الخارجية في 1 مارس السفير الكويتي عبد المحسن يوسف الدعيج الذي لم يخف سروره، وهنأنا بعضنا البعض الآخر بمناسبة انتهاء الملحمة المؤلمة التي بدأت في 2 أغسطس بنجاحِ
وبتكليف من الرئيس السوفيتي طلبت من السفير نقل تهانينا بمناسبة تحرير البلاد وإعادة سيادتها وتوحد أراضيها واستقلالها الى أمير وشعب الكويتِ وقلت: 'ندرك ذلك الشعور الذي يحمله الشعب الكويتي وهو الفرح والبهجة بتحرير الوطن، وفي الوقت نفسه المرارة عندما يرى الدمار الحاصل وأمامه عمل كبير من أجل إعادة بناء البلاد وتضميد جراح العدوانِ
وأبدى السفير الكويتي، مستشهدا بالمكالمة الهاتفية التي جرت بينه وولي العهد رئيس مجلس وزراء الكويت، الشكر للاتحاد السوفيتي على مشاركته في جهود تحرير البلادِ وقال: 'ندرك جيدا أنه لولا موقف الاتحاد السوفيتي الكريم الذي أيد بوضوح قرارات مجلس الأمن كافة الخاصة بالكويت لما أمكن تحرير بلادنا في فترة وجيزة'ِ
وظلل سرور السفير وجميع أهل الكويت بالطبع التدمير الملحق ببلادهم: أشعل العراقيون النار في قرابة 800 بئر نفطية وتطلب إطفاؤها عدة أشهرِ ولم يكن في العاصمة كهرباء ودمر العراقيون قبل انصرافهم منظومة إسالة الماءِ وكان من الضروري إعادة بناء كل شيء عمليا، وكان أمام البلاد عمل جبار لغرض إنعاشها مجدداِ

في الطريق الى التسوية 

اتخذ مجلس الأمن في 2 مارس ب 11 صوتا وصوت واحد ضد (كوبا) وامتنعت عن التصويت الصين والهند واليمن القرار 686 المكرس بالكامل لمواجهة الحالة الجديدة الناشئة بعد وقف إطلاق النار، وهدف الى توطيده وإعداد الظروف الملائمة للتسوية السياسية النهائيةِ ولم تكن للاتحاد السوفيتي أسس للشك في ضرورة وفائدة هذا القرارِ
عين مجلس الأمن في هذا القرار ثلاثة اعتبارات:
رسائل وزير الخارجية العراقي التي أكد فيها موافقة العراق على تنفيذ كافة قرارات مجلس الأمن ال 12 وإطلاق أسرى الحرب فوراِ
إيقاف العمليات الحربية من قبل القوات الكويتية والدول التي عاونتها وفقا للقرار 678 (هكذا كان يطلق على قوات التحالف بلغة الأمم المتحدة)ِ
إنهاء الحضور العسكري للدول المذكورة في العراق بأسرع وقت ممكنِ
وطالب مجلس الأمن العراق بما يلي في ضوء تنفيذ قرارات مجلس الأمن المتخذة من قبل:
إلغاء كافة أعماله الموجهة ضد الكويت فورا (قصد القوانين والوثائق الأخرى المتخذة من قبل العراق في هذا الصدد)ِ
الاعتراف من حيث المبدأ بمسؤوليته وفق القانون الدولي عن أي خسائر أو دمار سببه للكويت أو الدول الثالثة وكذلك مواطنيها وشركاتها نتيجة التدخل غير الشرعي للعراقِ
البدء في رد الممتلكات الكويتية من قبل العراقِ
وتضمن قرار مجلس الأمن كذلك مطالب أخرى على العراق تنفيذها وهي:
يعين قادته العسكريين لأجل اللقاء بقادة القوات المتعددة الجنسية بهدف تسوية النواحي العسكرية لوقف العمليات الحربيةِ
يضمن فورا الالتقاء بجميع الأسرى لغرض إطلاق سراحهم وإعادة رفات القتلىِ
يقدم كافة المعلومات والمساعدة للكشف عن الألغام العراقية والمتفجرات الأخرىِ
وأخيرا توجه مجلس الأمن الى جميع الدول أعضاء هيئة الأمم المتحدة والمنظمات الدولية بطلب تقديم المساعدة في إعادة بناء الكويتِ
ويجب القول ان الاتحاد السوفيتي كان يؤمن بأنه في أيام السلام الأولى، عدا المشاركة في تهيئة هذا القرار، يؤمن الاتصال بين بغداد والأمم المتحدة وكذلك يؤمن الاتصالات بين القيادة العراقية وقيادة قوات التحالفِ وكان هذا العون لازما في المراحل الأولىِ
وأكد طارق عزيز رسميا قبول العراق القرار 686ِ
ووقع الجنرال نورمان شوارزكوف وزميله السعودي خالد بن سلطان من جهة ومن الجهة الأخرى نائب رئيس هيئة الأركان العراقية الجنرال سلطان هاشم أحمد وقائد الفيلق الثالث الجنرال صلاح عبود محمود في 3 مارس في القاعدة الجوية العراقية الواقعة في صفوان بالقرب من الحدود الكويتية وثيقة شروط وقف إطلاق النار ونظام التفاعل المستقبليِ



وهكذا وضع الحد رسميا ل 42 يوما للعمليتين الجوية والبرية اللتين جاءتا بالظفر لقوات التحالف وبالهزيمة للجانب الآخر (العراق)ِ
صحيح أن الدعاية العراقية لم تعترف بذلك، معتبرة ما حصل انتصارا للعراقِ غير أن الشعب العراقي دفع ثمن عواقب هذا 'الانتصار' سنوات طويلةِ
وفي 5 مارس أعلنت إذاعة بغداد ان العراق وافق على الاعتراف ببطلان ضم الكويت وعلى إعادة الممتلكات الحربية والغنائم بما في ذلك الذهب والعملة الصعبة والطائرات وآثار المتحف الكويتي وغيرها مما نقل الى العراقِ واستمر العراق في تنفيذ مطالب هيئة الأمم المتحدة بما فيها المنصوص عليها في القرار 686ِ

جيمس بيكر في موسكو 

بعد عودتي من فيينا حيث التقيت بوزير خارجية النمسا موك (منذ يناير 1991 أصبحت النمسا عضوا في مجلس الأمن وتولت رئاسته في مارس)، الأمر الذي ألقى عليها مسؤولية جسيمة بتنظيم الوثائق الخاصة بتطبيع أزمة الخليجِ لذلك كانت المحادثات مع النمساويين مهمة جدا من وجهة النظر التنظيمية والسياسية، انشغلت بدوري في تنظيم الوثائق وكل ما يتعلق بزيارة جيمس بيكر الى موسكوِ

جرت المحادثات مع بيكر في 15 مارسِ وكان هناك الكثير من المواضيع ذات الاهتمام التي ينبغي النظر فيها، بل كانت في مركز الاهتمام مسألة تسوية الشرق الأوسطِ وقرروا في واشنطن في ذلك الوقت أن سمعة الولايات المتحدة ازدادت بعد الظفر في عملية 'عاصفة الصحراء'، لذلك يمكنها الإقبال على العمل بنشاط لحل مشكلة الشرق الأوسطِ ودفعهم الاتفاق مع الاتحاد السوفيتي في هلسنكي ونداءاتنا الملحة لغرض توحيد الجهود بهدف العمل على تسوية هذه القضية ولبها المشكلة الفلسطينيةِ
دارت المحادثات مع بيكر حول التسوية الشرق أوسطية بشكل بناءِ واقترح بيكر تغيير رعاية الأمم المتحدة للمؤتمر الدولي لحل مشاكل الشرق الأوسط الذي كانت إسرائيل ترفضه قطعيا برعاية مشتركة أميركية وسوفيتيةِ وأرضانا هذا المقترحِ وافترض هذا بالطبع، إعادة العلاقات الدبلوماسية بين الاتحاد السوفيتي وإسرائيل وإن كان في هذا الأمر الكثير من المشاكلِ ولكن الكسندر بيسميرتنيخ أكد لبيكر أن هذه المشكلة لن تكون عقبة في رعايتنا المشتركة المستقبليةِ
والآن عن نظام الأمن في منطقة الخليج بعد الأزمة، انحصر موقفنا في ما يلي:
يجب أن تلعب دول المنطقة الدور الرئيسي في تحديد مقاييس النظام بعد الأزمة لأنها وحدها تستطيع تحديد ذلك التوازن لحقوقها ومصالحها، الأمر الذي سيمكن من تأمين التعاون السياسي الواسع والتعاون الآخر فيما بينها في المستقبل البعيد الأجلِ
يجب ألا توجه التسوية بعد الأزمة ضد بلد ما كما لا ينبغي أن يدور الحديث عن إنشاء تكتلات مغلقة منفصلة بعضها عن البعض الآخرِ
من المهم أن توضع في أسس الاتفاقات المستقبلية مبادئ القانون الدولي الرئيسية وخاصة مبدأ عدم التدخل بالشؤون الداخلية وعدم استخدام القوة وتسوية النزاعات بالوسائل السلمية والاعتراف بحقوق دول الإقليم كافة في السيادة والوحدة في إطار الحدود القائمة والمعترف بها دولياِ
تكون الاتفاقيات المتعددة الأطراف والاتفاقيات الثنائية مستجيبة لمبادئ الفصل الثامن لميثاق الأمم المتحدة والمثبتة بضمانات دولية مناسبة من جانب مجلس الأمن والدول الخمس الأعضاء الدائمين فيهِ
تتمكن هيئة الأمم المتحدة ومجلس الأمن من لعب دور هام في تشكيل نظام الأمن الإقليمي، وخاصة في وضع الضمانات الدولية لمتانة الحدود بين دول الخليجِ
تتطلب دروس الأزمة الكويتية تحقيق خطوات مشجعة في الحد من سباق التسلح في المنطقةِ
يجب ألا يتجاوز الحضور العسكري الأجنبي مستواه في 1 أغسطس 1990ِ
وكانت ثمة مبادئ أخرى، لكني لم أعرضها أعلاه وما هو موجود يعرض أفكارنا بشكل كافِ وانحصر الهدف في أنه بعد سحب القوات المتعددة الجنسية من منطقة الخليج يمكن أن ينشأ في الإقليم بالتدريج نظام يضمن سلامة شعوب المنطقة ويمنع تكرار أحداث العقد الأخير المأساويةِ
هذه المواضيع لم تثر في موسكو مناقشات جدية خلال المباحثات مع بيكرِ غير أن ميخائيل غورباتشوف أحال الى بيكر آراءنا المناسبة في هذا الصددِ وأحيلت كذلك بواسطة سفاراتنا في بلدان المنطقة وبعض الدول الأخرى وعممت في هيئة الأمم المتحدةِ

'أم القرارات' 

خلال مارس جرى العمل في نيويورك على تهيئة القرار الذي سيضع النقطة النهائية للنزاع في الخليجِ وربما لم يتطلب قرار واحد لمجلس الأمن ذلك القدر من الجهد كهذا القرار، حيث كان ينبغي أن يحدد شروط علاقات العراق مع باقي العالم لسنوات عديدة في المستقبلِ

اتخذ القرار 687 في 3 أبريل بعد أن استمرت جلسة مجلس الأمن خمس ساعات تقريباِ ودل ذلك على الاهتمام الكبير الذي أبدي بمحتويات هذا القرار الذي صوت الى جانبه 12 عضوا في المجلس وعارضته كوبا وامتنعت اليمن والإكوادور عن التصويتِ ولم تحدث في ممارسات مجلس الأمن قرارات بمثل هذا المقدار من الكلمات
(أربعة آلاف كلمة تقريبا) وأطلق عليه بعض المنكتين في الأمم المتحدة 'أم القرارات' على غرار أم معارك صدام حسينِ
أود الإشارة الى بعض مبادئ هذا القرار فقطِ أولا، لم يلغ هذا القرار القرارات ال 13 السابقة، بل على العكس أبقاها سارية المفعولِ وحافظ بذلك في يدي مجلس الأمن على آلية المراقبة الواسعة للضغط على العراق كعقوبة على العدوان وعدم احترامه لمجلس الأمن ومنع إمكان حدوث شيء مماثل من جهته في المستقبلِ ثانيا، أسس القرار عدة هيئات دولية وأعطى الحجم الأكبر من التكليف للأمين العام للأمم المتحدةِ وأسس بشكل خاص:
ممثلية للأمم المتحدة في العراق والكويت بهدف مراقبة المنطقة منزوعة السلاح على طول خط الحدود بين العراق والكويت (عرض المنطقة 15 كلمِ 10 كلم في عمق الأراضي العراقية و 5 كلم في عمق الأراضي الكويتية)ِ
تشكيل لجنة الأمم المتحدة لتصفية أسلحة العراق الكيميائية والبيولوجية وإمكانات إنتاجها وإنتاج السلاح النووي وأية صواريخ باليستية مداها أكثر من 150 كلمِ
لجنة الأمم المتحدة لتعيين الحدود العراقية ـ الكويتية وفقا لتخطيطها في 4 أكتوبر 1963 وفق الاتفاقية العراقية ـ الكويتيةِ
لجنة الأمم المتحدة للتعويضات لأجل الإشراف على صندوق التعويضات الذي يجب أن يدفع منه للتعويض عن الأضرار التي سببها العدوان العراقي على الكويت والبلدان الأخرى والأشخاصِ
وأبقى القرار 687 نظام العقوبات الاقتصاديةِ وسهل بعض الشيء من إجراءات الحصول من لجنة العقوبات على رخص لتصدير بضائع مدنية وشدد على مراقبة تصدير العراق النفطي وأبقى بالكامل الحظر على إمدادات الأسلحة الى العراقِ
وتناولت بعض البنود إعادة الممتلكات المسروقة من الكويت وإطلاق سراح الأسرى الكويتيين والأجانب الآخرين وحظر القيام بأعمال إرهابية وتأييدهاِ وطالب العراق بتقديم كافة المعلومات والتعاون مع الهيئات الدولية القائمة والمنشأة حسب القرارِ
وقرر مجلس الأمن إبقاء المسألة في جدول الأعمال والعودة إليها بصورة دورية بما في ذلك تقدير التقدم في تحقيق المطالب التي يجب أن ينفذها العراق بدقةِ
ومن الواضح أنه تم التعامل بحزم مع العراق ولكنه عادلِ لأن العراق نفسه أثار هذا بسلوكه وأعماله المعادية للقانونِ بالإضافة الى أن ذلك يعد درسا ليس له وحده، بل لأي معتد محتمل كما أشير في كلمة ممثل الاتحاد السوفيتي في مجلس الأمنِ
وقضى القرار بأن وقف إطلاق النار سيصبح نافذا رسميا بعد حصول الأمين العام للأمم المتحدة ومجلس الأمن على البيان الشكلي من العراق عن قبوله والتزامه بتنفيذهِ
ويكتب نائب الأمين العام في ذلك الوقت سفرانتشوك بأن الأمين العام اضطر لإنفاق عدة أيام لكي يتوصل الى إجبار العراق تحريريا على إعطاء موافقته على هذا القرارِ
وواجه القرار 687 في بغداد موجة من الانتقادات العنيفةِ ولكن العراق اضطر للخضوع للأمم المتحدة لأن القوات الأميركية كانت تحتل مواقعها نفسها التي كانت فيها لحظة وقف إطلاق النار، ومستعدة لاستئناف العمليات الحربية لو خطر في بال القيادة العراقية رفض القرارِ لذلك سلكت بغداد على النحو الذي طالبوها بهِ اتخذ مجلس قيادة الثورة القرار المناسب وصادق عليه فيما بعد البرلمان العراقي، وأشار رئيسه سعدون حمادي الى أن أعضاء مجلس قيادة الثورة 'وجدوا أن ليس أمامهم خيار آخر ويجب الموافقة عليه بالرغم من أنه غير عادل لغرض إحباط المؤامرة الأميركية الصهيونية'ِ
وفي 6 أبريل أرسل وزير الخارجية العراقي رسالة الى رئيس مجلس الأمن، كانت مسهبة وكرست كلها عمليا لإثبات رداءة القرار 687 من كافة النواحيِ غير أن الجملة الأخيرة الموجزة جدا كانت أهم ما في هذه الرسالة التي جاءت وفق الترتيب التالي للكلمات: 'ليس للعراق خيار إلا قبول هذا القرار'ِ
حلل أعضاء مجلس الأمن هذه الرسالة خلال عدة أيام وتوصلوا في النهاية الى استنتاج بعدم وجود حاجة للدخول في مناقشات خطيرة جراء الانتقادات والعتاب الذي تضمنته والموجه الى مجلس الأمنِ واستحسن رئيس مجلس الأمن بول نوتردام (ممثل بلجيكا) في رسالة جوابية قبول العراق القرار 687 وقدرها كخطوة إيجابية أولى في اتجاه تنفيذه بالكاملِ
وعنت رسالة رئيس مجلس الأمن أن وقف إطلاق النار يعتبر منذ هذه اللحظة نهائياِ وهكذا وضعت اللمسة الأخيرة على النزاع المسلح الذي بدأ باستيلاء العراق على الكويت منذ ثمانية أشهرِ


يتبع .........
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

mi-17

مشرف
مشرف

avatar








مُساهمةموضوع: رد: كتاب " الكرملين وأزمة الكويت " لنائب وزير الخارجيه السوفيتي السابق الكسندر بيلونوغوف   الخميس يوليو 30 2015, 22:40

الحلقه 31 والاخيره 

إذن، استغرقت بغداد في الأخطاء الفاحشة للغاية حول تقدير الأوضاع وتوزيع القوى واعتدت على الكويتِ وكان رد الفعل ضدها فوريا وواضحا تماماِ ولم تكتف بالأخطاء الأولى فحسب، بل قامت بسلسلة من الخطوات أحرجت موقفها أكثر فأكثرِ
وبعد الاستيلاء على الكويت، لم يعق بغداد شيء من الترقب وتحليل ما يحدث لمعرفة كيفية التصرف فيما بعدِ وكان العقل الواعي والسليم يتطلب تحديد موقف جدي للغاية من قرار مجلس الأمن الأساسي الأول، وبالأخص من القرار الثاني الذي فرض العقوبات الاقتصادية، والاستنتاج بأن مواجهة المجتمع الدولي بأسره خاسرة أساساِ
امتلكت بغداد في تلك اللحظات الكثير جدا من الإمكانات لكي تنظم بصورة جميلة الإحجام عما دبرِ وبرزت إمكانات الحصول على شيء ما عن طريق المحادثات اللاحقة مع آل الصباحِ وبدلا من هذا نزعت بغداد قناعها كنصير للكويت الحرة وأعلنت عن ضمها، وقطعت بالفعل طريق الحياد بمبادرتها الخاصةِ
أذهلت هذه الخطوة العالم بطابعها المتحدي وعدم عقلانيتها من ناحية الحقيقة واختيار اللحظة على السواءِ وهكذا حرضت بغداد تلقائيا العالم على نفسها أكثر، لأنها لم تمثل الجانب الذي التجأ لخرق القانون الدولي واستخدم القوة فحسب، بل كغاز لبلد آخر أيضاِ
أتذكر أنني كنت مذهولا جدا من جراء تلك اللامبالاة الهادئة التي تلقت بها بغداد ردود الفعل على أعمالها في العالمِ هل كانت هذه رغبة اللاعب الذي اعتزم المخاطرة بكل مبلغه في البنك، عدم رؤية الوقائع، الثقة بعد ارتكاب الخطأ، الاستخفاف المتعجرف بآراء الآخرين، عدم القدرة على الاعتراف بالخطأ، أو مزيج غير مألوف لهذه العناصر وعناصر أخرى؟
لقد كانت محتويات الأحاديث مع طارق عزيز وسعدون حمادي وأحاديث قادة الدول الأخرى ورجالها تفرض أسس ما ذكرناهِ ومهما كان الأمر، كانت بغداد في كل خطوة جديدة لها تكدس الخطأ تلو الآخر وتحرج وضعهاِ نشير على سبيل المثال الى اختطاف الرهائن، التدخل في مقرات السفراء وحصار السفارات في الكويت، نهب البلد المحتل، التعسف والتهكم ضد الكويتيين، التهديد بنسف كافة آبار النفط في الخليج واستخدام الأسلحة الكيميائيةِِِالخِ هذه الأفعال كانت تؤلب التحالف وتكثر من صفوفه وتوطد الانطباع بأنه لا يمكن إرجاع بغداد الى صوابها إلا بالقوةِ

مراهنات خاطئة

يمكننا التسليم بأنهم في بغداد تمكنوا في مرحلة المواجهة الأولى، عندما بدأت القوات المتعددة الجنسية ترابط في الجزيرة العربية، من التفكير في أن كل شيء سيتحدد كإجراء للدفاع عن السعودية ولم يروا أبعد من ذلك مما ينتظرهمِ وسلكوا تجاه مجلس الأمن العناد والتحديِ ولكن ألم يصبح الأمر واضحا عندما أعلنت الولايات المتحدة زيادة تشكيلاتها العسكرية في منطقة الخليج بنحو 200 ألف شخصِ
وكنا ننذر ممثلي القيادة العراقية في موسكو باقتراب الحرب وهزيمة العراق الحتميةِ فلماذا عاندت بغداد؟
ثمة عدة تفسيرات لذلكِ أولا، لا يستبعد أن بغداد كانت تقدر الاستعدادات الأميركية وباقي الحلفاء كأعمال للتخويف، وتعتبر تهديداتهم للانتقال الى مرحلة استخدام القوة بالبلفِ وبعبارة أخرى، كانوا يعتقدون حتى لحظة معينة متجاهلين جميع الشواهد، بأن جورج بوش لن يستخدم السلاح خوفا من ان ذلك سيؤدي الى خسائر كبيرة في الأرواحِ لا سيما وأن بعض وزراء الدفاع السابقين والجنرالات المتقاعدين توقعوا وصول الخسائر بالأرواح الى 20 - 30 ألف شخص وحتى أكثر من هذا الرقمِ وكانت بغداد تمعن في زيادة هذه المخاوف بتلويحها باستخدام السلاح الكيميائي والضربات الصاروخية وأفعال إرهابية وخراب هائل في المنطقةِ
ثانيا، يمكن لبغداد أنها استنتجت من خصائص الوضع الداخلي في الولايات المتحدة، حيث كان الديموقراطيون يسيطرون على الكونغرس بمواجهة الرئيس الجمهوري والكثير من المقالات الانتقادية في وسائل الإعلام ضد الإدارة الأميركية والنقاشات الحادة التي جرت بالأخص حول استخدام القوة ضد العراق بأن هذا عامل لصالحهاِ
ثالثا، من الممكن أن بغداد كانت تراهن على عدم متانة التحالف وتمني نفسها بزعزعته خاصة بعد استخدامها مشكلة الرهائنِ وحاولت بغداد المساومة مع السعودية وقامت بخطوات ملموسة مع دول أخرىِ
رابعا، يمكن أن بغداد كانت تريد استعمال عامل الوقت الذي كان يعمل في درجة معينة لصالحهاِ من جهة تقريب المرحلة الى وقت غير ملائم لشن الحرب بسبب رمضان والحج وظروف الطقس الرديئةِ ومن جهة أخرى فإن الزمن سيضاعف مشاكل التحالف المالية والتكاليف الأخرى المتعلقة بإعالة القوات المتعددة الجنسية في منطقة الخليج وإنفاق مليارات الدولارات عليهاِ وافترضوا في بغداد أنهم لو استطاعوا تأجيل الحرب حتى فبراير فلن تحدث أبداِ
وهكذا، لم يتحقق أي من هذه التقديراتِ حيث حصل الرئيس بوش على موافقة الكونغرس بدون صعوبة وثبت التحالف نفسه كالصخرة وفشل رهان بغداد في جر إسرائيل الى الحرب وإضفاء صفة جديدة لها بهذه الطريقةِ
وأخيرا، لم تهب دولة عربية واحدة لنجدة بغداد وكان رد فعل 'الشارع العربي' معتدلا تماما ومخيبا لتأكيدات طارق عزيزِ
لم يحدث هذا الفشل لتقديرات بغداد بحد ذاتهِ فقد كان كل فشل نتيجة جهود جبارة من جانب إدارة بوش والمشاركين الآخرين في التحالفِ ولعب وضع الرأي العام العالمي دوره في الميل لصالح استخدام القوة مع تفاقم أخطاء بغدادِ
وعندما أصبحت الحرب الجوية ضد العراق واقعة فإن عناد بغداد في رفض ترك الكويت كان خطأ فاحشا للغايةِ ومن المحتمل أن القيادة العراقية كانت تبني الآمال على أن الأمور في البر ستسير بشكل أحسن بالنسبة إليها مما هي عليه الحال في الجوِ ومن المعلوم أن بغداد كانت تؤكد على الدوام قبل بداية مرحلة الحرب الجوية بأن الحرب على الأرض ستكون طويلة وستصاحبها خسائر هائلة بالأرواح للأميركانِ لا يعرف فيما إذا كانوا في بغداد يثقون بالفعل في ذلك أم لاِ فقد هيأت المرحلة الجوية من الحرب بيسر إتمام المرحلة البرية بنجاح بالنسبة إلى التحالفِ

العلاقات السوفيتية ـ العراقية

كان بين الاتحاد السوفيتي والعراق نوع من العلاقات الخاصة وقضت مبادئ معاهدة الصداقة والتعاون المعقودة بينهما عام 1972 بإجراء المشاوراتِ ويبدو أنهم في بغداد انطلقوا من حقيقة لو تم حتى التلميح بكلمة واحدة الى خططهم حيال الكويت لسمعوا 'كلا' مدويةِ ولهذا السبب تكتمت بغداد في الكشف عن خططها مع موسكو بشكل كاملِ
ومن الممكن ان للقرار العراقي بإهمال الاتصالات مع موسكو خلفية إضافية أخرىِ فقد لاحظوا في العراق نطاق الأزمة السياسية التي يمر بها الاتحاد السوفيتي والتدهور الاقتصادي الذي يمر بهِ ومن المرجح أنهم لم يتوقعوا من الجناح السوفيتي رد فعل قويا ما بسبب تورطنا في المشاكل الداخلية مع ما يربط ذلك بمصالحنا المباشرة في العراق، وقبل كل شيء الماليةِ ولم يسقط في الحساب وجود آلاف الخبراء السوفيت في العراقِ
وكانت بالفعل ثمة أسس للتفكير على هذا النحوِ ولكن ظروفا جديدة مهمة ظهرت لا يمكن تجاهلهاِ أقصد التغييرات النوعية في المجتمع السوفيتي المتعلقة بالعلنية وانتشار الديموقراطية وإعادة النظر في الآراء السابقة في العالم المحيطِ وظهر في المجتمع الكثير من الأشياء الجديدة والمواقف من الحياة الدولية والمقاييس التي كانت تقدر بهاِ وأظن أن هذه الناحية كانت معروفة من قبل القيادة العراقية بدرجة أقلِ واعتقد أن حدة رد الفعل السوفيتي للاستيلاء على الكويت كانت مفاجأة لبغداد في درجة كبيرةِ وكانوا يعولون على سلبيتنا ولم يفترضوا ذلك القدر من المبدئية الذي ظهر في الموقف السوفيتيِ وكان هذا خطأ كبيرا جدا آخر ارتكبته بغدادِ

بعض نتائج ودروس أزمة الكويت

كانت أزمة الكويت صدمة خطيرة للمنطقةِ وفي الوقت نفسه كانت اختبارا لحصانة وقوة المجتمع الدولي في التغلب على التحدي الذي شكله العدوان العراقيِ وإن حقيقة فشل العدوان وعودة الكويت كدولة مستقلة ذات سيادة يعد بلا أدنى شك إنجازا مبدئياِ ولو سارت الأمور على غير هذا النحو وحصلت بغداد على فائدة من أعمالها العدوانية والمخالفة للقوانين فإن ذلك سيكون مقدمة لأعمال عدوانية جديدة ليس للعراق فحسب، بل لأحد ما آخرِ في هذه الحالة تكون إعادة القانون وعقاب المعتدي إنذارا بينا ومقنعا لكل من يحاول خرق سلام وأمن الجارِ
ومن المهم من الناحية المبدئية كذلك أنه ليست الدولة التي مست مصالحها وخرقت واجهت العدوان لوحدها، بل المجتمع الدولي كله الذي عمل باسم مجلس الأمنِ
وأثبتت الأمم المتحدة بمثال الأزمة الكويتية بأنها تستطيع بشرط التعاون اللازم بين أعضاء مجلس الأمن الدائمين في إطار ميثاق الأمم المتحدة أن تتغلب حتى على تحد فاضح كالعدوان المسلح وأن تنفذ واجبها الرئيسي بحماية أمن وسلام الشعوبِ
لقد قوضت 'الحرب الباردة' كل إمكانات وسمعة الأمم المتحدة وحكمت عليها بالعجز في وجه أساليب القوة التي كانت تلجأ إليها الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي والصين وبعض الدول الأخرىِ وأعادت الأزمة الكويتية الثقة في هذه المؤسسة الدولية بعد أن استطاع مجلس الأمن اتخاذ القرارات المبدئية التي يمكنه بواسطتها مواجهة العدوانِ وحسم الأمر بالقرار 687 الذي يعد مرحلة مهمة جدا في عمل المنظمة الدولية وسابقة للمستقبلِ
وبالعكس، يدل الانحراف عن إجراءات الأمم المتحدة كما حدث في حالة قصف الناتو ليوغسلافيا بأن غريزة استخدام القوة لم تزل حتى الآنِ غير أن هذا يبرز أهمية أخلاقية وسياسية وقانونية لما توصل إليه المجتمع الدولي في سير التغلب على العدوان العراقي ضد الكويت وكان امتحانا جديا اجتازه 'الخمسة' الأعضاء الدائمون في مجلس الأمن بصورة لائقة تماماِ
لقد كان ثمن الأزمة الكويتية باهظا في الأرواح المفقودة وآلام الملايين والخسائر المادية الناتجة عن الدمار الذي أحدثه العراق في الكويت والتكاليف الهائلة للعمليات الحربية نفسها من أجل تحرير الكويت والجهود في تأمين الحظر على الواردات والصادرات والخسائر التي تكبدتها مختلف البلدان نتيجة العقوبات الاقتصادية المفروضة على العراقِ
وضحية العدوان كانت الخسائر الفادحة نتيجة أفعال النهب والتخريب وإشعال آبار النفط والكارثة البيئيةِ
ولحق بالعراق نفسه خسائر فادحة جدا في الحربِ وبالأخص أثناء مرحلتها الجوية، نتيجة تدمير المنشآت الصناعية والبنية التحتية وتدهور اقتصاد البلدِ وشكل مستوى صناعة الطاقة وإسالة الماء ومنشآت البنية التحتية نسبة 30 ـ 40 % فقط من مستواه ما قبل الحربِ ويعاني العراقيون تضخما ماليا هائلا ودخولا منخفضة وصعوبات في العملِ وازداد عدد وفيات الأطفال مرتينِ وهذا يدل على الكثيرِ وأصبح وضع السكان الاجتماعي أصعب بكثير منه قبل الاعتداء على الكويتِ
ونتيجة لسياسة حكام بغداد وقع البلد في عزلة سياسية واقتصادية وغيرها مع جميع العواقب الناتجة عن ذلكِ
والآن، عن نتائج أزمة الكويت الأخرىِ تسبب العدوان على الكويت بسلسلة من الأحداث نتجت عنها زيادة ادعاءات الولايات المتحدة بلعب الدور الرئيسي في الشؤون الدولية بعد عمليتها الناجحة في 'عاصفة الصحراء'ِ واقتنع الأميركان بقدرتهم على شن حروب جديدة وبصورة فعالة، استنادا إلى تفوقهم العسكري - التكنولوجيِ وقدمت بغداد في هذا المعنى الإمكانية الرائعة لواشنطن في وضع نموذج للحرب الجديدة وتطويره في أثناء ستة أسابيع وفي الوقت نفسه اختبار الأسلحة المعاصرة في ظروف الحربِ

المظلة الاميركية

وأظهرت الولايات المتحدة بصورة واضحة إمكاناتها بعد أن أصبحت المنظم الرئيسي لقوات التحالف للتوصل الى نصر مقنع بخسائر ضئيلةِ واكتسبت نتيجة ذلك ثروة سياسية هامة زاد من سمعتها كونها الزعيم القابل على الفعل وممتلك القوة ومن الأفضل عدم خوض النزاع معهِ وتعمل هذه الثروة السياسية الآن في الشرقين الأدنى والأوسطِ
وأرغم عدوان العراق، الكثير من الدول العربية على النظر بصورة جديدة في مسألة تأمين أمنها الخاصِ وساعدت بغداد جيدا واشنطن في هذا المعنى، حيث تتقوى بعض أجزاء العالم العربي بالمظلة الأميركية وبشكل خاص في منطقة الخليجِ
وأصبح الانشقاق العميق في العالم العربي نتيجة أخرى لعدوان العراقِ ورسم الخط الفاصل الرئيسي بين الذين دخلوا في سبيل الدفاع وصد العدوان في التحالف المعادي للعراق وبين الذين لم يسلموا ولم يرغبوا بدعوة القوات الأجنبيةِ
وكان وسيبقى الموقف من النظام العراقي ونهجه السياسي ومساعيه مصدر خلافاتِ وأصبحت الشقوق في الصف العربي عميقة بقدر أنه بعد قمة القاهرة عام 1990 لم يلتق العرب على امتداد عشر سنوات (تسنى لهم عقد هذا اللقاء في أكتوبر 2000 فقط من أجل بحث مسألة يتحد العرب فيها على الدوام وهي: تأييد الفلسطينيين في مواجهتهم لإسرائيل)ِ
وما عواقب الأزمة الكويتية المباشرة بالنسبة إلى بلادنا الاتحاد السوفيتي؟
لا يجوز الإجابة عن هذا السؤال بمدلول واحدِ فقد كانت الأزمة بحد ذاتها ضربة موجعة ضد مصالح دولتنا في الإقليم بالطبعِ فقد أعيرت عندنا على امتداد سنوات عديدة الأولوية للعلاقات مع العراق ولم تسرنا الثقة الزائدة بالنفس التي ركبت الولايات المتحدة بعد الأزمة بالذاتِ ولم يوقع المبادرون بخلق هذه الأزمة أنفسهم في حالة حرجة فحسب، بل أوقعونا معهمِ
وأعطت الأزمة الكويتية دروسا لموسكو بعدم اتخاذ القرارات بمراعاة الأسس الأيديولوجية ولكن بالقانون الدولي والأخلاقيات العامة والعدلِ كان هذا امتحانا، ولحسن الحظ نجحت موسكو في تخطيهِ
وأدت الأزمة الى إعادة علاقات الاتحاد السوفيتي الدبلوماسية مع المملكة العربية السعودية والبحرين وأعطت دفعة للعلاقات مع إسرائيل وأرست حجرا قويا للعلاقات مع بعض الدول العربيةِ
وساعدت هذه التطورات على ان تلعب موسكو دورا في تطبيع الوضع في الشرق الأوسطِ
يمكن كتابة الكثير جدا عن عواقب الأزمة الكويتية السياسية والاقتصادية والعسكرية وغيرها، فقد كان لها الكثير من النواحي وشعر كل بلد له يد فيها بآثارها المتعلقة بخصائصه ووضعه الجغرافي وغيرهاِ وأحدثت الأزمة بعض السوابق التي كانت إنذارا لجميع الحكومات والشعوبِ


انتهت 




الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

mi-17

مشرف
مشرف

avatar








مُساهمةموضوع: رد: كتاب " الكرملين وأزمة الكويت " لنائب وزير الخارجيه السوفيتي السابق الكسندر بيلونوغوف   الخميس أغسطس 13 2015, 23:56

اقتباس :
الاأمير بندر بن سلطان سفير المملكة العربية السعودية لدى الأمم المتحده ألتقى بعد طارق عزيز بالرئيس السوفيتي غورباتشوف وعرض عليه بإسم الملك فهد مساعدات للسوفيت بقيمة 4 مليارات دولار لكي يتخلى السوفيت عن دعم العراق والسماح لقوات التحالف الدولي على كسر شوكة العراق!!!

ردا على تعليقك بخصوص تخلي السوفيت عن صدام حسين مقابل منحه 4 مليارات دولار من السعوديه
اورد لك شهاده رئيس البنك المركزي السوفييتي عن هذه الحادثه 



الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 

كتاب " الكرملين وأزمة الكويت " لنائب وزير الخارجيه السوفيتي السابق الكسندر بيلونوغوف

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 2 من اصل 2انتقل الى الصفحة : الصفحة السابقة  1, 2

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
المنتدى العسكري العربي :: الأقســـام العسكريـــة :: التاريخ العسكري - Military History :: الشرق الأوسط :: حرب الخليج الثانية-