المنتدى العسكري العربي
عزيزي الزائر / عزيزتي الزائرة

مرحبا بك في المنتدى العسكري العربي

يرجي التكرم بتسجيل الدخول اذا كنت عضو معنا او التسجيل ان لم تكن عضو وترغب في الانضمام الي اسرة المنتدى

سنتشرف بتسجيلك

شكرا

ادارة المنتدى



 
الرئيسيةس .و .جالقوانينبحـثالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 معركة توكلنا على الله الثانيه ...... تحرير جزر مجنون يونيو 1988

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة

mi-17

مشرف
مشرف

avatar








مُساهمةموضوع: معركة توكلنا على الله الثانيه ...... تحرير جزر مجنون يونيو 1988    الإثنين يونيو 29 2015, 00:50

هذه شهاده الفريق اول الركن نزار عبد الكريم الخزرجي " رئيس اركان الجيش العراقي السابق " حول واحده  من اهم معرك التحرير الكبرى والتي جرت في السنه الاخيره من الحرب العراقيه - الايرانيه 
هذه المعركة هي معركة " توكلنا على الله الثانيه " والتي جرت في يونيو 1988 واستطاع فيها الجيش العراقي تحرير جزر مجنون الغنيه بالنفط 






اعتبر العراق مستنقعات هور الحويزة عائقًا رئيسًا إزاء أي تحركات إيرانية، وهي كذلك بالفعل إذا ما اتّبعنا المقياس النظامي لاستخدام القوات المسلحة في التقدّم والهجوم. ولذلك لم يخطر في بال القيادة العامة، ولا استخباراتها إمكانية تنفيذ عملٍ رئيسٍ معادٍ من هذا الاتجاه، عدا أن المعلومات الاستخبارية عن هذا القاطع كانت محدودةً، وكذلك العمليات الاستطلاعية فيه.

كانت إيران قد بدأت استعداداتها في وقتٍ مبكرٍ، ومنذ بداية عام 1984 لتحقيق مباغتة استراتيجية بالاندفاع عبر مستنقعات هور الحويزة في هجومٍ رئيسٍ يستهدف قطع طريق بغداد - البصرة، والاندفاع للتواصل مع هور الحمار حيث ينشط فيه بعض أذنابها من المخربين الموالين لها. وأطلقوا على هذه العمليات اسم «عمليات خيبر».


نشرت القيادة الإيرانية قواتها الضاربة في مناطق قريبة شرق المستنقعات، وشنّت في ليل 21 - 22 شباط/ فبراير 1984 هجومها الرئيس، كما أسلفنا في منشور سابقٍ، بثلاث هجمات برمائية باستخدام الزوارق المطاطية لقطعات الصولة، وبزوارق بأحجام مختلفة لنقل القدمات المعقبة وأسلحة الإسناد، واستهدفت بهجومها هذا منطقة البيضا وجزر مجنون ومنطقة غزيل.
كان النجاح الوحيد الذي حققته عملية خيبر هو الاستيلاء على جزر (حقلي) مجنون الشمالي والجنوبي. وفي بداية آذار/مارس من العام نفسه شنّت قواتنا هجومًا مضادًا تمكَّنت فيه من استعادة مجنون الجنوبي، عدا السدة الشمالية منه التي بقيت تحت سيطرة العدو.

صرَّح علي أكبر هاشمي رفسنجاني، رئيس مجلس الشورى الإيراني بعد انتهاء معارك مجنون، وسيطرتهم على حقول نفط مجنون الشمالي: «... أصبح لدينا أكثر من الكفاية من احتياطي النفط لتعويضنا عن الخسائر الفادحة التي لحقت بنا على أيدي العدو».

طبيعة المنطقة
-----------

هور الحويزة عبارة عن مستنقع واسع يبلغ طوله نحو 75 كلم، وعرضه نحو 20 كلم، تمرّ الحدود الدولية العراقية - الإيرانية من الجزء الشرقي منه. يحدّه نهر دجلة من الغرب، وقضاء العزير التابع لمحافظة العمارة شمالًا، وقضاء القرنة التابع لمحافظة البصرة جنوبًا. عمق المياه فيه يتراوح بين 1.5 و3.5م. تكثر في المناطق الضحلة منه النباتات المائية وأدغال القصب والبردي التي تغطي أجزاء واسعةً منه تساعد في الاختفاء. يتحدَّد التنقّل عبره بممرات مائيةٍ تُسمى السبل، يعرفها ويتنقل عبرها أهالي الهور. ويعتبر هور الحويزة، وهور الحمار الواقع بين دجلة والفرات، مأوى للمجرمين الهاربين من العدالة، والفارين من الخدمة العسكرية، وبعض المتعاونين مع العدو.

تقع جزيرتا مجنون الشمالية والجنوبية في القسم الجنوبي الشرقي من الهور، وهما عبارة عن سداد ترابية متقاطعة مقامة حول الآبار النفطية لحقل مجنون والبالغة نحو 50 بئرًا، وتحوي 20 في المئة من احتياطي النفط في العراق، أُوقف الإنتاج منها بعد نشوب الحرب.




تخترق الهور سدة حدودية، وتمتد منها سداد ترابية في العمق، وعمل العدو على ربط بعضها إلى داخل أراضيه، واستخدمها طرقًا لمواصلاته، وأهمها طريق البرّ الإيراني - سدة التجفيف الجنوبية - حقل مجنون الشمالي - حقل مجنون الجنوبي. وهناك طريق أخرى هي البرّ الإيراني - سدة الدسم - سدة الوصل - حقل مجنون الشمالي. المنطقة المحصورة بين الحافة الأمامية لقطعاتنا والسدة الشمالية لمجنون الجنوبي مغمورة بالمياه، وبعمق يتراوح بين مترين و3م، وترتبط هذه الجزر بالبرّ العراقي بسداد وعقد ترابية أهمها لسان عجيردة بطول 20 كلم. يوجد جنوب الهور نهر السويب لتصريف مياه الفيضانات إلى شطّ العرب، وكذلك القناة الحدودية، وقناة الإغمار الرقم 4. أما في جنوب شرق الهور فالأرض مفتوحة شرق كشك البصريّ، وتصلح لحركة الآليات، أما شمالها فإنها تتأثر بمناسيب هور الحويزة. كما أن هناك طرقًا عديدة أنشئت من جانبنا عندما كانت قواتنا داخل الأراضي الإيرانية.

الاستحضارات
----------


صُمِّمت المعركة على أساس القيام بعبور برمائي لاقتحام مجنون ولسان عجيردة، مع إحاطة مدرعة من الجنوب الشرقي لهور الحويزة لضرب الاحتياطات المدرعة للعدو، ومنع احتياطاته الرئيسة من التدخل، وتنفيذ إنزالٍ سمتيٍّ في الوقت نفسه على الطريق التي تربط مجنون الشمالي بالبرّ الإيراني، لحجز العدو في الجزر ومنعه من التملّص والانسحاب. تقوم القوات الجوية بضرب مقرات العدو، ومنع احتياطاته من التنقّل إلى ساحة المعركة، وإسكات مصادر نيرانه.

لتنفيذ تصميم المعركة هذا توجَّب القيام بالكثير من الاستحضارات الكبيرة من الجهات التي ستهيئ ساحة العمليات لهذه العملية المعقدة في مراحلها كلها، مثل تأمين معدات ووسائل لنقل القوات والتشكيلات لعملية برمائية بهذا الحجم، فضلًا عن تدريب مقاتلي الوحدات والتشكيلات على العمليات البرمائية، والقتال في المستنقعات والأدغال وعلى السداد في آنٍ واحدٍ. ولعل أهم الجهات التي قامت بدورٍ بارزٍ في استحضارات هذه العملية المعقدة هي : 

أ - جهد الدولة المركزي (الجهد الحربي المدني)

في هذه المعركة، وفي معارك سابقة أنجز جهد الدولة المركزي أعمالًا جبارة، وبأمر من الرئيس القائد العام نصّ على: «تقدّم الوزارات كلها، ومن مصادرها، كل التجهيزات والمعدات والأشخاص التي تحتاجها القوات المسلحة من جهد لساحة العمليات وبتنسيق بين هذه الجهات والأركان العامة ودوائرها المعنية».

وضع هذا الجهد الضخم بإمرة قيادة مدنية جديرة، ارتبطت مباشرة بديوان رئاسة الجمهورية لتسهيل أعمالها وتسريعها. قام الجهد المدني العامل للمجهود الحربي بفتح وتسوية وتبليط آلاف الكيلومترات من الطرق في السهول والجبال، وأنشأ المئات من السداد في الأهوار وعلى ضفاف الأنهار، وحفر الآلاف من المقرات والملاجئ والخنادق والسواتر، وأعدّ وهيّأ ساحات العمليات في مختلف الجبهات تحت قصف نيران العدو ليلًا ونهارًا، فعزّز بعمله إمكانية الصمود والصراع. كان كادر المجهود الحربي من المدنيين من مهندسين وفنيين وسائقين وعمال. وفي الجانب الطبي شارك أطباء ومخدِّرون وممرضون وذوو مهن عديدة أخرى، واستُشهد وجُرح العديد منهم.

قام الجهد المركزي، وفي وقت قياسي، بإنشاء ساحة عمليات مماثلة لجزر مجنون وسدادها، وغمرها بالمياه بواسطة مضخات عملاقة نصبها لهذا الغرض، لتتدرَّب عليها القوات المكلَّفة بعمليات العبور والاقتحام. وفي الوقت ذاته، وبكتمان شديد، أنشأ العديد من البحيرات المغلقة في المواضع الأمامية لقواتنا، لتكديس الزوارق التي ستنطلق منها قطعات الصولة والقدمات المُعقبة، كما قام بتأمين المقتربات والطرق، وتجفيف مناطق بطلب من القيادات الميدانية. وكان العمل يجري بتعاون وثيق مع الهندسة العسكرية، وبإشراف دائرة العمليات في رئاسة أركان الجيش. وكان جهد الدولة المركزي موجودًا في المكان في أثناء المعارك، جاهزًا لتلبية أي طلب أو موقف يستجد في خضّمها أو بعدها.

ب - هيئة التصنيع العسكري

قام التصنيع العسكري بتهيئة ما تحتاج إليه القوات في هذه العملية البرمائية الكبيرة، لعبور مانعٍ مائي تغطي معظمه أحراش وأدغال، بعرض كيلومتر ونصف كيلومتر إلى كيلومترين، ولعشرات الآلاف من المقاتلين بأسلحتهم وتجهيزاتهم ومعداتهم من البندقية حتى المدفع والدبابة، وأهمها:
- 140 طوفًا بحريًا.
- 300 زورق مطاطي.
- 2000 زورق بأحجام مختلفة.
- 2700 دعامة جسر فليني للمشاة.
- 830 دعامة جسر خفيف للعجلات.
- عشرات الآلاف من ستر النجاة.

ج - الهندسة العسكرية

قامت الهندسة العسكرية بجهدٍ كبير في تهيئة وإعداد ساحة العمليات بالتعاون مع جهد الدولة المركزي، إضافةً إلى تدريب قوات العبور على استخدام القوارب والتجديف وقيادة الأطواف البرمائية ونصب الجسور، وشاركت أيضًا بمعدات هندسية منها:

- جسر بونتونات (Ponton) بطول 500م.
- 12 دبابة تجسير.
- 48 طوفًا وبرمائية هندسية.
- التدريب والتنسيق.

جرى تدريبٌ شاقٌ للقطعات المشاركة في مسارح عمليات مماثلة لساحات المعركة في الاتجاهات كلها، وجرى التركيز على تعليم القطعات التجديف لمسافات طويلة.

وبحكم توقّعنا توقُّف محركات الزوارق، لاحتمال التفاف الأدغال والنباتات المنتشرة والممتدة على سطح المستنقعات حول مراوحها، جرى تدريب كتائب مدفعية الفيالق على إجادة رمي نيران التمركزات الخطية لمعالجة الوجود المعادي على السداد والسواتر الترابية. وجرى بناء خطة نارية محكمة ومنسّقة من خلال خلية الإسناد الناري، وممثِّلي دائرة العمليات والقوات الجوية وطيران الجيش، ومديرية المدفعية وآمرية الصواريخ، حُدِّدت فيها الأهداف والواجبات، وتم التنسيق بين جميع الأسلحة. كان المسؤولون في القيادة العامة ورئاسة أركان الجيش ودوائرها يتابعون باستمرار التحضيرات وتأمين المتطلبات مباشرة.

قوات العدو
---------


كان حجم قوات العدو في جزر مجنون ولسان عجيردة، وفي المنطقة المقابلة لكشك البصريّ، أربع فرق من حرس الخميني ومعهم لواء، والفرقة المدرعة 92، وثماني كتائب مدفعية موزّعة كما يلي:

- مجنون الجنوبي
خمسة أفواج من حرس الخميني وسريّة دبابات في السدة الشمالية.
- مجنون الشمالي
15/20 فوجًا من حرس الخميني، وأربع كتائب مدفعية.
خمسة أفواج من حرس الخميني في سداد شرق عقدة الروطة.
فوج من الفرقة 92 في سدة التجفيف الجنوبية.
في المنطقة مقابل مخفر كشك البصريّ - مخفر الأسيود - مخفر الشهابي تنفتح ألوية الفرقة المدرعة 92، وفرقة حرس الخميني.
لواءان من حرس الخميني في لسان عجيردة.
بإمكان العدو دفع احتياطات، وبحجم ثلاث فرق من حرس الخميني خلال 6 إلى 12 ساعة.

قواتنا
-------

- الحرس الجمهوري
خمسة فرق: منها 2 مدرعات و2 مشاة، وفرقة قوات خاصّة، وبإسنادها 28 كتيبة مدفعية.

- الفيلق الثالث
أربع فرق: منها فرقة مدرّعة، وأخرى مشاة آلية وفرقة مشاة ولواءا مغاوير وفرقة مدرّعة (احتياط).وبإسناد القطعات 18 كتيبة مدفعية.

- الفيلق السادس

فرقة مشاة ولواءا مغاوير وبإسناده ست كتائب مدفعية.

- القوات الجوية
خمسة أسراب هجوم أرضي، وسرب ميراج متعدّد الأغراض، وسرب دفاع جوي، ومفارز من طائرات التشويش الإلكتروني وطائرات التصوير.
في الاحتياط سربا هجوم أرضي، وسربا ميراج متعددا الأغراض.

- طيران الجيش

100 سمتيّة نقل قطعات.
40 سمتيّة إسناد وقيادة واستطلاع.

الخطة
----

اعتمدت خطة تحرير جزر مجنون على قيام قواتنا بالتعرض على العدو في جزر مجنون في الساعة 4.15 في 25 حزيران/يونيو 1988 باقتحامها برمائيًّا، مع إحاطة مدرّعة من جنوب شرق الجزر باتجاه الشمال والشمال الغربي لضرب احتياطاته، ومنع انسحابه وتدميره، وعلى قيام قوتنا الجوية بضرب مقراته واحتياطاته البعيدة، ومنعها من التدخل في المعركة.
قيادة قوات الحرس الجمهوري: تقوم بالهجوم على مواضع العدو في الجزء المتبقي من حقل مجنون الجنوبي وحقل مجنون الشمالي، وباستعادة الأراضي الوطنية والسيطرة على سداد التجفيف التي تربط مجنون الشمالي بالبرّ الإيراني بمسافة كيلومترين.
الفيلق الثالث: يقوم بالاندفاع من منطقة كشك البصريّ باتجاه الشمال الغربي، وباحتلال مفرق الشهيد باسم وعقدة سدة الربط بين البرّ الإيراني ومجنون الشمالي، وبالسيطرة على مناطق المدفعية وقطع طرق إمدادت العدو.

الفيلق السادس: يقوم باحتلال لسان عجيردة وعقدة الربط بين لسان عجيردة والأرض الكائنة شمالها لقطع إمدادات العدو باتجاه مجنون.
القوة الجوية: تضرب وتدمر مقرات العدو ومناطق مدفعيته، وتمنع احتياطاته من التدخّل في المعركة.

طيران الجيش: يقوم بالإسناد المسلح والإنزال السمتيّ والقيادة والاستطلاع.
فُتح المقرّ المتقدم للقيادة العامة في منطقة الدير شمال البصرة في الساعة 20.00 في 24 حزيران/يونيو 1988.
تكامل وصول أعضاء القيادة العامة وضباط ركنهم وضباط خلية الإسناد الناري، وتم إرسال ضباط الارتباط برسائل إلى قادة الفيالق المشاركة لإخبارهم بفتح مقرّ القيادة العامة لإدارة معركة يوم الغد.

سير المعركة
---------


في الساعة 3.45 شرعت المدفعية في تنفيذ الخطة النارية بقصف مواضع العدو بأكثر من 850 مدفعًا وقاذفة صواريخ لمدة 30 دقيقة، مع ضرب مدفعية العدو ومقراته بصواريخ اللونا والمدفعية الثقيلة، وفي الساعة 4.15 شرعت التشكيلات بالصولة بإسناد الرمي المباشر للدبابات التي اندفعت إلى المواضع الدفاعية الأمامية لقطعاتنا، وبإسناد السمتيّات المسلحة وطائرات الهجوم الأرضي.

- قيادة قوات الحرس الجمهوري

أ - الصفحة الأولى
احتلال السدة الشمالية لمجنون الجنوبي
انطلقت في الساعة 4.15 الموجة الأولى من قدمة الصولة المؤلفة من لواءي مغاوير حرس جمهوري، ولواءي مشاة حرس جمهوري، واللواء البحري 26 قوات خاصّة حرس جمهوري، بزوارق الصولة لاحتلال أهدافها على السدة الشمالية التي تبعد عن خطّ شروع قطعاتنا نحو كيلومترين. أعقبتها الموجة الثانية المؤلفة من لواءي مشاة آليين باستخدام عجلات القتال البرمائية BMP1. ثم الموجة الثالثة بلواء مدرع محمول على أطواف الهندسة العسكرية، ولواء مدرع آخر على جسر نصبته كتيبة التجسير. وفي الساعة 7.00 أكملت القوات احتلال أهدافها بعد تدمير العدو في السدة الشمالية، وفي العمق حتى السدة الجنوبية لمجنون الشمالي.




ب - الصفحة الثانية
احتلال مجنون الشمالي، وسدة الربط الشمالية مع البرّ الإيراني
في الساعة 7.30 شرعت قوات الصفحة الثانية بالهجوم، وكانت مؤلفة من لواءي مشاة حرس جمهوري، ولواءي مشاة آليين حرس جمهوري، ولواءي قوات خاصّة حرس جمهوري، ولواء مدرع بإسناد نيران مدفعية الحرس، ونيران دبابات الألوية المدرعة، والسمتيّات المسلحة. وفي الساعة 10.00 أكملت القوات احتلال أهدافها، وشرعت في التفتيش لجمع معدات العدو، وأسر من تبقى من جنوده. وفي الساعة 13.30 تم إنزال فوج قوات خاصّة حرس جمهوري بالسمتيّات على سدة الربط الشمالية، ودفعت قيادة الحرس الجمهوري لواء المشاة 20 حرس جمهوري لإدامة التماس معه.

الفيلق الثالث

في الساعة 4.15 من فجر 26 حزيران/يونيو شرعت فرقة المشاة 41، ولواءا مغاوير الفيلق بالهجوم على مواضع العدو في السواتر المواجهة لدفاعات الفرقة الأمامية، بإسناد ناري وسمتيّ ورمي مباشر من دبابات ألوية الفيلق المدرعة، وفي الساعة 5.30 تمكَّنت ألوية الفرقة والمغاوير من احتلالها. وفي الساعة 6.00 اندفعت فرقة المشاة الآلية الأولى باتجاه الشمال الغربي، لضرب احتياطات العدو القريبة والسيطرة على مدفعيته، وعلى سداد الربط لقطع طرق انسحاب العدو من مجنون الشمالي، وأعقبتها الفرقة المدرعة السادسة باتجاه الشمال الشرقي لضرب احتياطات العدو البعيدة، ومنعها من الاشتراك في معركة مجنون. وفي الساعة 8.30 طلب قائد الفرقة الآلية الأولى إرسال عجلات نقل ووحدات مغاوير لنقل أسرى العدو. وفي الساعة 10.00 تم احتلال مفرق الشهيد باسم، والسيطرة على قناة السليمانية. وفي الساعة 11.30 تمت السيطرة على سداد الربط، واندفعت بعض تشكيلات الفرقة المدرعة السادسة بعيدًا إلى الشرق فهاجمت ودمرت محطة قطار بستكاه، على خطّ سكة حديد المحمرة - الأحواز، ودمرت معظم القوات الإيرانية الموجودة على البرّ الإيراني شرق مجنون.

الفيلق السادس

في الساعة 4.15 شرعت أرتال الفيلق في الصولة على مواضع العدو بإسناد ناري وسمتيّ في لسان عجيردة، وبثلاثة أرتال، الرتل الأول هاجم العدو راجلًا على سدة عجيردة، والرتل الثاني اندفع شمالها، والرتل الثالث جنوبها في عمليات إحاطة بقوات محمولة بالزوارق من الجناحين، ومن ثم الإنزال خلف مواضع العدو التي تواجه وتقاتل الرتل الراجل. وفي الساعة 6.40 تمكَّن لواء المغاوير المحمول بالزوارق من تخطي دفاعات العدو على السدة الرئيسة بمسافة 5 - 7 كلم، وهاجم مواضعه في اللسان الجنوبي المتفرع من سدة عجيردة، واحتلها بعد قتال شديد. وفي الساعة 7.30 وصلت أرتاله العقدة الوسطية في لسان عجيردة، وبذلك تم إكمال الصفحة الأولى من المعركة. في الساعة 8.30 شرعت الأرتال في تنفيذ الصفحة الثانية من الخطة، وفي الساعة 14.30 وصلت ألوية مغاوير الفيلق إلى التقاء سدة عجيردة بسدة الوصل، وفي الساعة 15.00 تم تنفيذ توجيهات رئيس أركان الجيش بالإنزال السمتيّ في مثلث عجيردة، وفي الساعة 15.30 وصلت أرتال مغاوير الفيلق إلى سدة الدسم، واتجهت جنوبًا إلى مجنون الشمالي، وأدامت التماس مع قوات الحرس الجمهوري، وبذلك يكون الفيلق قد أكمل أهدافه كلها.




في اليوم التالي تم سحب تشكيلات الفيلق الثالث المدرعة والآلية من الأعماق التي وصلتها في العمق الإيراني إلى داخل الحدود العراقية، وبذلك انتهت معركة تحرير جزر مجنون التي سُميت «توكلنا على الله الثانية».

أُغلق مقرنا في الدير شمال البصرة في منتصف نهار 26 حزيران/يونيو 1988.

في اجتماع القيادة العامة بعد انتهاء معركة «توكلنا على الله الثانية» مباشرة، الذي حضره نائب القائد العام (وزير الدفاع) ورئيس الأركان ومعاونه للعمليات ومدير الاستخبارات العسكرية وحسين كامل المشرف على الحرس الجمهوري، عُرضت الخطوط الأولية لخطة تحرير المناطق المحتلة في الطيب والزبيدات شرق مدينة العمارة في قاطع الفيلق الرابع. وكانت ملامحها الرئيسة تتمحور على تعرّض الفيلقين لاستعادة العوارض المحتلة من العدو، والاندفاع في العمق إلى تدمير آلته الحربية، وقتل وأسر أكبر عدد من قواته، على أن تُنفَّذ في موعد لا يتعدى نهاية الأسبوع الثاني من شهر تموز/يوليو. وأقر القائد العام ذلك، وأمر بإعداد الخطة لمناقشتها في الاجتماع المقبل. وفي استرجاع بعض حوادث المعركة الأخيرة أشدتُ بأداء قيادة وقوات الفيلق الثالث والحرس الجمهوري، فبادر حسين كامل المشرف على الحرس بالادعاء أن أداء الفيلق السادس لم يكن بالمستوى المطلوب، وحاول الغمز من قناة قائده اللواء يالجين عمر عادل. فنظر الرئيس القائد العام نحوي فقلت: «سيدي الرئيس، المشرف على الحرس الجمهوري لم يكن هناك، أنا كنت هناك وقد زرتُ قائد الفيلق، واطلعتُ على الصعوبات التي تواجهها قواته في سداد عجيردة، فكان هادئًا وحازمًا وإجراءاته جيدة وملائمة، بذلت قطعاته جهدًا كبيرًا للتغلب عليها، لثقتها به وبجدارته». فعلق القائد العام قائلًا: «إن أداء الفيالق في التوكلات لا يقل عن أداء الحرس، وهذا ما يُسعدنا».


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

mi-17

مشرف
مشرف

avatar








مُساهمةموضوع: القدم التي بقيت هناك    الإثنين يونيو 29 2015, 15:05

التالي هي رواية ايرانيه لماحدث في معركة " توكلنا على الله الثانيه "
المقاله هي جزء من كتاب كتبه عسكري ايراني اسمه " ناصر حسيني بور"  جرح واسر من قبل الجيش العراقي في هذه المعركه 
الكتاب بعنوان " القدم التي بقت هناك " ويحكي عن تجربه العسكري الايراني في الحرب و الاسر في العراق والتي امتدت لثلاث سنوات 






الجمعة 24 حزيران 1988م - جزيرة مجنون - جادة الخندق

كان الوقت فترة بعد الظهر، ورطوبة الهواء تثقل الصدور كالرّصاص. انتهت مناوبتي وجاء البديل. نزلت من غرفة الرّصد الصّغيرة فوق البرج ليحلّ "ولي ياري" مكاني.
من أعلى البرج كنت قد سجّلت تحرّكات العدوّ حتّى عمق تموضعه على الخط الأول، والثاني، في الاستمارات الخاصّة بالاستطلاع. كانت تحرّكات العدو، وعبور آلياته نحو "الكسارة"، و"البيضة"، و"الصخرة"، و"الهدامة"، و"الكرام"، والمرور المتواصل على طريق العمارة- البصرة، وخلف قناة "صويب" المستحدثة، والطرق التّرابيّة المؤدّية إلى جزر مجنون، تنبئ عن هجومٍ واسعٍ سيحدث عمّا قريب..
كنّا نرسل تقارير الرّصد يوميًّا إلى مسؤول استطلاع المقرّ السادس للحرس. أشيع منذ عدة أيّامٍ بأنّ العدوّ ينوي القيام بهجوم مضادٍّ في جزيرة "مجنون".
بعد عمليات خيبر وبدر , أجرى العراقيّون مجموعة تدابيرٍ احترازيةٍ لمنع تقدم القوّات الإيرانية، ضخّوا الماءَ من نهر دجلة إلى منطقة "هور العظيم"، ووضعوا أسلاكًا شائكةً أمام خطوطهم المتقدّمة، أسلاكاً حلقيةً ونفقيّة وعنكبوتيّة، وأضافوا موانعَ وأفخاخًا انفجاريّةً وألغامًا مضادةً للأفراد.

أثناء عودتي من الرّصد، التقيت بـ "علي يوسفي سوره"، من شباب كتيبة قائم شهر، تعطّل قاربه في الطريق المائيّ قبل وصوله إلى مقر الكتيبة، كنت في السابق قد تعرّفت عليه حين خضعنا معًا لدورةٍ تخصّصيّةٍ في المتفجّرات في ثكنة القدس في همدان، لم يكن يخطر ببالي أن أرى عليًّا في جرز مجنون. قال لي "عبد العلي حق كو"، قبل أيام، إنّ أحد شباب كتيبة قائم شهر يسأل عنك، ويحاول الوصول إليك، كان "علي يوسفي" متخصّصًا ماهرًا في التّخريب، وكان يقلّد "كويتي بور"، و"حسين فخري" في اللطم والأناشيد بشكل مذهل 

أوصلت "علي يوسفي" إلى مركز كتيبته، وذهبت إلى خندق الاستطلاع، كان بيته قد دمّر في خرّمشهر وكان والداه يعيشان في مجمع متضرّري الحرب "أميديّه". قال لي: عندما تحرَّرت "خرّمشهر" ذهبت إلى المنزل قبل الذّهاب إلى المسجد الجامع، وجدت أنَّ المحتلّين قد دفنوا في حديقة منزلنا اثنين من أبناء المدينة! 

كان "عليّ" رقيقاً حسّاسًا، وكانت أمنيته بأن تخترق رصاصات العدوّ أضلاعه، وأن لا يضمّه قبر ! كل كلماته كانت دروسًا: "إن كان لا بدَّ لي من قبرٍ، فاكتبوا على شاهده، (لا نعرف من يرقد هنا!)
 
كان التحاقي بجمع شباب الاستطلاع نوعاً خاصاً من اللطف. فقد كانوا رفاق أخي الشهيد, فبعد شهادته تآخيت مع "عزت الله ولي بور"، قائد وحدة الاستطلاع في مقرّ "كردوي كردستان"، وأصرّ على انتقالي إلى وحدته، رغم معارضة جماعة "التخريب" في البداية، ولكنّه لم يتراجع عن طلبه حتى تحقّق.

كان غروب هذا اليوم حزيناً، تماماً مثل غروب أيام الجمعة!
قبل نصف ساعة من الغروب، بدأت قوات المدفعيّة الثّقيلة بصبّ حِمم نيرانها على مواقع العدوّ، للمرة الثانية بعد قصف يوم الأمس بعد الظهر.
إنّها الساعة التاسعة ليلاً، الجزيرة هادئة يلفّها السكون. جلسنا نتسامر أنا و"ولي زرجام"، و"حسن وكيلي"، و"أصغر دلروز"، خارج الخندق فوق الجسر العائم. كالعادة انتهى بنا المطاف بالمزاح. لا أعلم كيف انتقل بنا الحديث إلى الشباب الأيتام في الجبهة من الذين فقدوا أمهاتهم! من بين الأربعة كنا أنا و"أصغر" و"ولي" بلا أمّهات. توفيت والدتي وأنا في سن التّاسعة. قال "ولي":
- سيّد! هل تعرف بأنّ مصيبتنا، - أنا وأنت وأصغر-، أسهل بكثير، وبدون "وجع رأس"؟!
- كيف تكون بلا "وجع رأس"؟!
- ليس معروفاً ما سيحصل لنا في الحرب، عدم وجود الأمّ في هذه الحالات نعمة! إذا استشهدنا يكون بالنا مرتاحًا، ولا نقلق على حزن الأمّ، وحرقتها. ليت كلّ الشهداء بلا أمّهات، فلا شيء في الدنيا أصعب من مصيبة الأمّ بولدها!

  كنا نتابع الحديث حين نادانا "عبد العلي حق كو" قائلاً:
تجمّعوا! "ولي بور" يطلبكم إلى موقع (دشمة) القيادة!

كان "عزت الله ولي بور" قد عاد من اجتماع المسؤولين في مقرّ "خاتم3". تحدّث عن وضع العدوّ، والحشود، الجديدة في المنطقة، وقال: وفق المعلومات الواردة إلينا، فإنَّ العدوّ يستعدّ لشنّ هجومٍ على الجزيرة.

نقل لنا بعض المعلومات عن لسان العقيد العراقي "محمد الفاتح"، قائد لواء المشاة 429 الذي أُسِر قبل أيام في "شلمجة". فهمنا من كلامه، أنّ يومَ الغد سيشهد معركة غير متكافئة بيننا وبين العدوّ.

أعلمنا "ولي بور" عن القوات العراقيّة التي نقلت إلى خطّ التّماس منذ أيام: "اللواء 601 مشاة" من الفيلق الثالث، "الفرقة 25" من الفيلق الثالث، كتيبتان من "الفرقة 16"، قوات لواء كوماندوس القادسية، وكتيبتان من القوّات الخاصّة في الحرس الجمهوريّ.. وكلّهم جاؤوا إلى جزيرة "مجنون".

قال "ولي بور": في هذه اللحظات، وأنا أتكلّم معكم, تقوم هذه الوحدات بتفريغ حمولتها، والتّموضع في مواقع "البيضة"، و"الصخرة"، و"الهدامة"، والطرق المؤدّيّة إلى الجزر، و"قناة صويب".

اليوم، شاهدتُ بنفسي، ومن فوق برج المراقبة، تحرّكات العدوّ، وعبور قواته. كان الخطّ مزدحمًا جدًّ, فالتقرير الذي رفعته، وما قد أخبرنا عنه، كان يشير إلى احتمال هجوم كبير.
بعد فتح "الفاو" و"شلمجة"، قال "محسن رضائي" لـ"حيدر بور" قائد لوائنا: الخطوة التّالية للعراقيّين ستكون نحو الجزيرة، انتبهوا جيّداً، هنا آخر الخطّ! سمعت كلام السّيّد محسن من "ولي بور". كانت دراسة المعطيات العسكريّة توصلنا إلى استنتاج أنه: بما أنَّ درجة الحرارة فوق الـ 50 فإنّ العدو لن يقوم بأيّ هجوم، لأنّ الحرارة المرتفعة تؤثّر على تجهيزاته، المدافع البعيدة المدى لا تتحمّل هكذا حرارة، فالقصف المدفعيّ الزائد يؤدّي إلى إعطاب "سبطاناته".

كان طقس اليوم بعد الظهر أفضلَ، مقارنةً بالأيّام الماضية، انخفضت الحرارة بضعَ درجات. لم تكن عند العدو مشكلة في العمل من الغروب إلى مطلع الفجر، كانت مشكلته في النّهار والحرارة المرتفعة. كان العدوّ قد نظّم أهدافه، وثبّت مواقع رماياته من خلال إطلاق القذائف الفوسفورّية، والدّخانية، على طرقات "الخندق"، وخطوط الدّعم والإسناد الخلفيّة, كطرقات "سيّد الشهداء"، و"بدر"، و"قمر بني هاشم"، و"صاحب الزمان"، و"الشهيد همّت"، والطريق المفتوحة حديثًا المعروفة باسم "شفيع زاده"..

وفق معلومات شباب الاستطلاع، فإنَّ الجيش العراقي قد جهّز في الخط الثاني، مقابل جزيرة مجنون فقط، 130 راجمة كاتيوشا!
بعد التوجيه والاستشارة ومناقشة الوضع، عيّن "ولي بور" شباب الاستطلاع كأدلّاء للكتائب.

"ولي زرجام"، و"نعمت الله بايدار"، و"ولي ياري خواه"، و"الله خواست بركاني"، و"علي برز درست"، و"آيت الله برور"، و"ترابعلي توكل بور" لكتائب الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، والإمام علي عليه السلام.

وعيّن "بيران" لقوات القاسم بن الحسن عليهما السلام.
"حسن وكيلي" رابط الاستطلاع، وعامل الإشارة، بالمحور. بقي "عبد العلي حق كو" فقط من شباب الاستطلاع كمنسّق الأعمال في الخندق.

هذه الليلة طلب شباب الاستطلاع المسامحة من بعضهم بعضًا، وتفرّقوا كلٌّ إلى القوّة التي ينبغي عليه العمل معها كدليل. أردف "حسن وكيلي" "بيران" خلفه على الدراجة النّاريّة إلى موقع "الخندق". كان بيران يردّد دائمًا: "حسن" رجلُ جميع المهمات الصّعبة في وحدة الاستطلاع.

أعطاني "بيران"، قبل أن يرحل، كلّ وثائقه وكتاباته كي أحفظها له.
كانت ليلة قاسيةً ومرّةً. حين ودّعني، عانقني بشدّة، وقال:حين أعود هذه المرّة سنذهب معًا إلى "تنك سبو"، وعدني السّيّد "هدايت" بزيارتنا، ولكنّه لم يفعل!

التحق كلٌّ منّا بكتيبته. و.... تفرّق جمع شباب الاستطلاع إلى الأبد!

صَدَقَ "علي يوسف بور" حين قال: إنّ عمرَ صداقات الجبهة قصيرٌ. كنت أحسب أنّني سأبقى لسنواتٍ طوالٍ بالقرب من شباب الاستطلاع في هذا الخندق. تعوّدت على: حنان "بيران مستوفي زاده"، وخجل "الله خواست بركاني"، وقلّة كلام "عبد العلي حقّ كو"، وكثرة حركة "حسن وكيلي"، ومزاح "ولي زرجام"، وجدّية "علي برزدرست"، وحلم "آيت الله برور"، والبسمة الدّائمة على محيّا "عزت الله ولي بور".

تحوّل مسير المعركة ومصيرها في هذا الشهر بشكل مُذهل. حين ذهب الشباب، انقبض قلبي، وشعرتُ بأنّي لن أرى أغلبهم بعد اليوم. طلب منّي "الله خواست" أن أسامحه على ما فعله أمس الأول, حين كنا نسبّح معًا، أمسك برأسي ممازحًا، ودفع به تحت الماء حتى كدت أختنق. قال لي: إنّ عنصر الاستطلاع ينبغي أن يتمكّن من البقاء تحت الماء لمدة دقيقة وثلاثين ثانية، وقد أخفقت أنا في الثواني الأخيرة! في ذلك اليوم، انزعجت منه قليلاً، ولكنّ محبّتي له لم تنقص أبدًا. حين ذهب الشباب، لم يبق إلّا أنا، و"عبد العلي حقّ كو".

كان "ولي بور" مطّلعًا على هوايتي، وتعلّقي بالرّصد، والمنظار، والبرج. كنت "عاشقًا" للبرج والرصد ومنظار الـ"20×120".
كنت أمازح "ولي بور" قائلاً: إن "طبخوني" على البرج، فإني لن أشبع منه!

تشعرُ فوق البرج بأنّك أطول من الجميع، وأكثر ارتفاعًا وعلوًّا، وبخاصّة لدينا نحن ذوي الطموحات الكبرى، كنّا نحلّق بعيدًا، وكنا نحاول دومًا أن نثبت أنفسنا في الحرب.

كنتُ منجذبًا إلى التحليق عالياً، فوق البرج تَرى ولا تُرى، تُعطي "الإحداثيات" للإسناد الناري, كي يصحّحوا إحداثيات الرّمي على مواقع الدبابات، ومنصّات المدافع التي تقصفنا. العدو يحاول التركيز عليك، ورميك بقذائفه، منظر الخنادق والطّرقات والسّيّارات و...

إنّها الساعة العاشرة والنصف مساءً.

امتثالاً لأمر "ولي بور" يجب أن اذهب إلى برج المراقبة. أوصلني "الله خواست" إلى البرج على الدّرّاجة النّاريّة. منذ عدّة أيام كنّا
قد ذهبنا معًا لرصد نقاط استقرار الدبابات، خلف قناة "الصويب"، مقابل جزر مجنون الشمالية،وإعداد تقرير عنها.

"الله خواست" كتلةٌ من النّشاط والمثابرة.
كان يقول لي، ونحن فوق البرج: سيّد نحن لسنا هنا لرَصَد واستطلاع الجزيرة، أو لقسمٍ من خوزستان فقط، نحن نرصد دفاعاً عن 35 مليون إيراني. عندما كان يرى خطوط العدو عبر المنظار قال لي: "هل أمعنت النّظر، حتى الآن، في شكل نهرَي دجلة والفرات؟!" ويتابع: "هناك يتقاطع دجلة مع الفرات ليشكلا مجرى (اروند)، ثمّ يصّبان في الخليج الفارسيّ، إنّ هذا الفرات هو دموع تلتقي بدجلة! إنّها دموع الخجل والحياء من الإمام الحسين عليه السلام، دمع الفرات يتضاعف في دجلة أضعافًا!" كان إنسانًامن ذوي القلوب الصّافية.

ودعت "الله خواست" قرب البرج، وحين افترقنا مازحته قائلاً:
"الله خواست"! لن أنسى بأنّنا استطلاع لـ 35 مليون إيراني.
كان عليّ أن أدوّن مشاهداتي عبر المنظار الليلي في تقارير إلى "ولي بور". المسافة بين البرج وخطّ التماس مع العدو 4كلم، وتشاهد من البرج مناطق "البيضة والصخرة والحالة وهمايون والكرام".

كنت أصعد السلّم المعدنيّ للبرج، حين هتف "خسرو مرتب"، مسؤول مدفعية اللواء من فوق البرج, بقيتْ بضعُ درجات لأصل إلى غرفة الرّصد الصغيرة، أطلّ برأسه وقال:
- من أنت؟
- أنا "حسيني بور"، أرسلني "ولي بور" إلى هنا!
كنت أعرفه، فلطالما رأيته في "كردستان".. هو من "بهبهان"، من القادة الشجعان في الحرب. لم يكن يعرفني. كان صديقاً لأخي الشهيد. بعد نصف ساعة من لقائنا كان جليد الغربة قد ذاب بيننا.

كان إنسانًا بسيطًا بلا تكلّف. تناولنا العشاء معًا، خبز، وجبنٌ وبندورة. الليل هادئ وساكن، لا يقطع صمته سوى أصواتِ الضّفادع والزيزان، بين حقول قصب الجزيرة. كانت عيوني مركّزة على المنظار ترصد أوضاع خط التماس، حين سألته عن الهجوم العراقي المرتقب، قال: "بعد ساعات ينكسر هذا السّكون".

كان لديه معلومات لا أعرفها، مع علمي بأنّ العدوّ يستعدّ للهجوم إلا أنّ كلمته، و"الآه الباردة" التي أطلقها من صميم قلبه، أفهمتاني أشياء وأشياء.
صلّينا في غرفة الرصد فوق البرج. تمنيت في قلبي لو يطول البرج ويرتفع أضعافً, كي أرى بشكل دقيق ما يجري بعيدًا على الجادة الاستراتيجيَّة "للعمارة - البصرة" و"هور الشيطان".

أُعطيَ الأمر بالتأهّب لجميع الوحدات، والكتائب، المستقرّة (المتموضعة) في جادة الخندق23. حقول القصب التي كانت تتماوج تحت ضوء القمر ـ كانت الشاهدة على أصوات مناجاة وأدعية لشبابٍ سيلتحقون بعد ساعات قليلة بالفيض الإلهي. كل ما كنت أراقبه في المنظار، من آليات، ومدرّعات، وحاملات دبابات، وزوارق، وتجهيزات ثقيلة في المنطقة الممتدّة من "الهدامة" إلى موقع "الروطة" و"الحالة" -، كان يدلّ على اقتراب معركة طاحنة وغير متكافئة


السبت 25حزيران 1988م - جزيرة "مجنون" - جادة "الخندق"

مضى أكثر من نصف الليل، كنتُ منهكًا أكثر من العادة، وقد هدّني السّهر، وأحنّ إلى نومةٍ طويلة مريحة. خلف المنظار، كنت أجاهد جفوني ورموشي. كنت أرسل تفاصيل الوضع لحظةً بلحظة عبر جهاز اللاسلكي. فجأة، وفي الساعة الثالثة والربع فجراً، أضاءت نارٌ وانفجارات سماء الجزيرة، وغدا الليل نهارًا، بدأ الهجوم المدفعيّ، أنواع المدافع، وراجمات الكاتيوشا، والـ 107، والمدفعيّة البعيدة المدى كانت تسقط كالمطر الرّبيعيّ على الجزيرتين الشمالية والجنوبية وعلى مواقع "الخندق".

كان "خسرو" يعطي، وبشكل متواصل، إحداثيّات العدوّ لشبابه في المدفعيّة، فيرمون مصادر النيران، يصحّح لهم إحداثيات الأهداف، فيعيدون الرّمي بدقّة أكبر. توزّع الرَّدّ المدفعيّ على الخطّ الأول والثاني للعدو، وكان دقيقًا حيث عطل لساعات حركة العدوّ، وأصاب حاملات قوارب، وكذلك خزّانات محروقات في "الصخرة"، و"سيل بند"، وعلى الرغم من قلة عدد الصواريخ وقذائف المدفعية، - حيث كان لها نظام توزيع يومي محدود-، فإنّ شباب المدفعية قاموا بعملٍ مهمّ وكبير.

لم يكن هناك مجالاً للمقارنة بين إمكاناتنا وإمكانات العدو من حيث السلاح والذخيرة والتجهيزات، فنحن معرّضون للعقوبات والحصار، وأظنّ أنّ العدوّ كان يرمي في الدقيقة الواحدة حوالى1000 قذيفة فوق رؤوس شبابنا في نقاط الجزر المختلفة.

عند الساعة الرابعة والنصف فجراً، تقدّمت القوارب العراقيّة نحو جادة "الخندق". كانت أعنف حملات القصف تصّب حممها على موقع "الخندق" وحصنه, أي: مكان وجود سريَّة "القاسم بن الحسن"، وهي إحدى سرايا كتيبة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم الثلاث. أكثر عناصرها كانوا من متفرّغي الحرس الثّوري.

حوالي الساعة الخامسة، كان علينا مغادرة البرج والتوجّه نحو مثلث المحور، حاول العراقيّون رمي برج المراقبة.
كان حجم النيران والقصف الذي تعرّض له البرج كبيرًا جدًّا، لدرجة أن الأسلاك التي كانت تُثبّت البرج قد انقطعت بسبب الانفجارات المتتالية، كما تهاوت إحدى دعائمه، فبقي مرتكزًا على ثلاث دعائم فحسب.

في الدقائق التي خمدت فيها النيران، استطعنا النزول أسفل البرج، وكنت ما أزال أفكر بالمنظار العسكري (20×120)، فإذا تهاوى البرج فسوف يسقط في المياه، وكنت على استعداد لأن أسقط أنا من أعلى البرج إلى مياه الجزيرة، ولا يصيب المنظار أيّ مكروه. ما إن وصلتُ أسفل السُّلّم الحديديّ حتى قلتُ: "ماذا عن المنظار يا سيد مرتب"!؟ "إذا سقط هنا فسوف يقع بأيدي العراقيين!"
- سنرسل اثنين أو ثلاثة من الأخوة لإنزالها.
- ماذا لو لم يأت الأخوة؟
- لا حاجة للتفكير في ذلك وسط هذه المعمعة، لدينا أعمال أهم بكثير من التفكير به. هيا اذهب إلى "ولي بور" فلربما احتاجك في أمر، فقد انتهت مهمتك معي.

أصبحت سيَّارة "خسرو مرتب" الـ "تويوتا لاند كروز"، كالمصفاة بسبب الانفجارات المتتالية، ولم يبق منها أيّ جزءٍ سالم، فقد تحطّم
زجاجها، وثُقب إطارها. قمنا بتبديل الإطار وسرنا، وفي الطريق حملنا معنا عدداً آخر من الإخوة.

شاهدنا شهداء وجرحى على جانب الطريق، قال "خسرو": الآن لا شأن لكم بالشهداء، أحضروا الجرحى بسرعة.
كانت الدماء تسيل غزيرة على أرضية السيارة، والقذائف تنهمر كالمطر، لم أشهد قصفاً عنيفاً كهذا طول المدة التي خدمتها في الجبهة، لمحت "نعمت الله بايدار" في الطريق ينقل عددًا من الشهداء والجرحى إلى الخلف.

إنها السادسة صباحًا، بدأ العدو هجومه من عدّة محاور، من الشمال والوسط والجنوب، ركز العدوّ قصفه على تحصينات "موقع الخندق".
تحرّكت قوات الحرس الجمهوري العراقي من المحور الجنوبي نحو "نشوه" وقناة "صويب" لقطع جادة "سيّد الشهداء"، والقوات الأخرى في الشمال لاحتلال جادة "حنظلة" ومستديرة "الإمام الرضا عليه السلام"، ليصلوا إلى منطقة عمليات "ترابه" و"أبو ذكر" و"أبو ليله" في مكان تموضع لواء "الحجّة 51".

كذلك فإنّ "الفيلق 25" العراقي حاول التقدّم من جهة "شط عليّ"، والفيلق السادس للمدرّعات، والخامس للهندسة، ولواء الحرس الجمهوري نحو "الطلائية" و"ثكنة زيد".

فارقتُ "خسرو مرتب" هنا. كان مثلث المحور مزدحماً.
كان "جواد عظيمي فر" و"عوض شهابي فر" يقومان بتوجيه وتنظيم القادة والقوات. كان عمل "عظيمي فر" أصعب من باقي القادة، كان قائدًا فعّالاً وذكيًّا. فقد القدرة على الكلام في عمليات بيت المقدس، فكان يتابع قيادته عبر القلم والورقة! يكتب ما يريد، وينقل عامل الإشارة أوامره لقادة الكتائب والوحدات. سلاحه الأصلي القلم والورقة، وكان بحوزته دائماًعددٌ وافرٌ منها.

كان "عزت الله ولي بور" في مثلث المحور، ولم يكن معه أحدٌ من شباب الاستطلاع.
كانت إحدى فصائل كتيبة الشهداء (الخاصة) تتجهّز للدخول إلى مواقع "الخندق"، وكان "ولي بور" متردّدًا في إرسالي معهم كدليل، كنت أعرف سبب تردّده، فأخي قد استشهد قبل ثمانية أشهر، ويخاف عليّ بأن استشهد الآن.

كنت أقرأ ملامح وجهه, حيث راح يفتّش عن شخص آخر غيري يمكنه إرساله.

سعى "الله خواست بركاني"، الذي كانت تجمعه صداقة حميمة بأخي، إلى إقناع "ولي بور" بعدم إرسالي إلى هكذا مهمة. كنت أرغب بالتقدّم مع الشباب إلى خطّ النار. كيف يمكن أن أبقى هنا في ظل هذه الأوضاع الصعبة؟ انتظرت أن يطلب "ولي بور" مني الالتحاق بتلك الكتيبة، ولمّا رأيت أنّه لم يكلّفني بشيء نفدَ صبري، فقلت له:
- حاج! أرسلني معهم إلى الأمام؟
- أنت، لا!
- لِمَ لا؟ أنا أعلم لماذا لا تريد إرسالي!
- ابقَ هنا، لديّ عمل آخر لك.
- أنت قائدي، كلّ ما تقوله سمعاً وطاعةً، ولكن الآن ليس الوقت المناسب, كي لا تستفيد من طاقتي بسبب شهادة أخي "هدايت"، فهو لا يرضى بعملك هذا!

استطعتُ بإصراري الشّديد إقناعه بأن يرسلني كـ "دليل" لشباب "الكتيبة الخاصّة".
 قبل أيام، حين كنّا معًا في برج المراقبة، قال لي "ولي بور": لقد استشهد "سيد هدايت الله" في هذه الوحدة، إذا استشهدت أنت أيضًا بعد عدّة شهور، ألن يقول والدك: ما هذا القائد "ولي بور", لقد أرسل اثنين من أولادي في غرفة الاستطلاع إلى الموت خلال بضعة أشهر؟! يا له من عديم الإحساس؟!

قبل أن تشرق الشمس، أدّى الشّباب صلاتهم في مثلث المحور، كانت الصلاة الأخيرة للكثير منهم.
بعد الساعة السادسة، سِرتُ مع شباب كتيبة الشهداء الخاصّة نحو مستديرة "تشراغتشي". من بين شباب الكتيبة كنت أعرف: "علي محمد كردلو"، و"أصغر علي كردلو"، و"محمد حسين حق جو"، و"سالار شفيعي نجاد"، و"السيد غلام زاده"، و"السيد محمد علي
غلامي"، و"السيد رحمت الله اشكوه"، و"عبد الرضا دير باز".

دفعتنا غزارة النيران إلى أن نتقوقع على بعضنا، ونضع أيدينا خلف رؤوسنا، وننحني للأسفل, كي لا نعرف ما يحدث حولنا بخاصّةٍ إذا ما سقطت قذيفة وسط الشاحنة التي كانت تقلّنا!
ترجّلنا عند مستديرة "تشراغتشي"، إذ لم يعد بالإمكان عبور الآليّات بعد تلك النقطة، علقنا وسط نيران العدوّ، فلكي نصل إلى موقع "الخندق", ينبغي العبور من موقع "تشراغتشي"، ثم موقع "أردني"، فموقع "سيد الشهداء"، وأخيراً موقع "بيت اللهي"، وكان "ولي بور" قد قال لنا ما ينبغي أن نفعل.

يجب إرسال عددٍ من الشّباب إلى موقع "الخندق"، لدعم وإسناد شباب سريَّة الإمام الحسن المجتبى عليه السلام، وكذلك علينا أن ننشر مجموعات على طول الجادّة لتغطيتها.
كان شبابُ موقع الخندق محاصرين من قبل العدو، ووضعهم صعب جدّاً. توزّع الشباب إلى مجموعات صغيرة تبعد الواحدة عن الأخرى حوالي300 إلى 400 م كي يتمكّنوا من تغطية الجادة بأكملها.


يتبع .........


عدل سابقا من قبل mi-17 في الإثنين يونيو 29 2015, 15:48 عدل 3 مرات
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

mi-17

مشرف
مشرف

avatar








مُساهمةموضوع: رد: معركة توكلنا على الله الثانيه ...... تحرير جزر مجنون يونيو 1988    الإثنين يونيو 29 2015, 15:25

استقرّ (تموضعَ) شباب سريَّة الإمام السجاد عليه السلام، من كتيبة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، في مستديرة "تشراغتشي"، وكان علينا نحن التقدّم للأمام. خلال هذه الدقائق المعدودة التي كان يجري فيها توجيه العناصر، قام عدد من الشباب بتمزيق الصّناديق الكرتونيّة لعلب التّمر القديمة، وكتبوا عليها عدة أسطر، كانت هذه وصاياهم التي أعطوها لشباب نقطة "تشراغتشي". أمامنا مسافة تصل لألفي متر ينبغي اجتيازها، للوصول إلى موقع "الخندق" الواقع في الطريق الآخر من الجادة والمواجه للمواقع العراقية تماماً. قنص العدو ورشاشاته المتوسّطة مركّزان على الجادّة، ونكاد نختنق من شدّة الدّخان، والغبار، ورائحة البارود. لم يكن العراقيّون يجرؤون على دخول الجادة، فلهذا لم يتركوا شبرًا إلا وأمطروه بوابل رصاصهم وقذائفهم. كان شباب كتيبة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم منزعجين، فقد وصلتهم أخبارٌ عن جرح قائدهم السيد "شكر الله واهبي زاده" في موقع "بيت اللهي"، والبعض قال باكياً "قد استشهد". "واهبي زاده" قائد شجاع، ومحبوب، ومع أني لم أعمل معه إلا أنّه كان من الذين أعرفهم وأحبّهم كثيرًا.

كي نتقدّم للأمام، كان علينا العبور من مجرى قناة الجادّة، وهو قليل العمق. استشهد عددٌ من شبابنا خلال المسير. كلّ من تقدّم 100م من "تشراغتشي" استشهد، وبقي جثمانه هناك. أثناء خطواتنا الأولى للتحرّك، سقطت قذيفة داخل القناة، فاستشهد ثلاثة أو أربعة شباب، منهم "خدا داد شرافتي" و"نادر رجبي"، فقد اخترقت شظيّة أحشاء "نادر"، وخرجت أحشاؤه من بطنه، صوت أنينه الحزين قطّع نياط قلوبنا، ودماؤه لوّنت التراب من حوله، انحنى "هدايت الله ركني"، وقبّل جبهة الشهيد، سحبه إلى ناحية أكثر عمقاً في القناة، ومدّده إلى جانبها، كان "نادر" يلفظ أنفاسه الأخيرة، ويقول بصوت خافت: "لا تفرّقوا بيني وبين بندقيّتي". كان "هدايت الله" يقوم بتنظيم صفوف الشباب طوال المسير. لم تترك نيران العدو لنا مجالاً للحركة. الشيء الوحيد الذي رأيناه يتحرّك على الجادة درّاجة ناريّة عبرت بالقرب منّا بسرعة. التفتُّ فعرفت سائقها: إنه "واهبي زاده" قائد "كتيبة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم".

كانت بدلته دامية، فرحتُ كثيرًا لأنّه كان لا زال حيّاً، وتصوّرتُ كم ستكون فرحة شبابه التعبويين الذين كانوا يبكون عليه منذ قليل. وصلنا إلى موقع "أردني"، وهو الموقع الأول بعد مستديرة "تشراغتشي".

كانت الساعة قد قاربت الثامنة والنصف صباحًا. لقد توقّفَ تقدُّم العراقيين من الجهة اليمنى للجادّة، والسبب في ذلك مضادّات الرّباعي الرّشاشة، التي غطّت الجهة اليمنى بنيرانها من موقع "بيت اللهي". كان "محمد أفشين" قد طلب من "علي لشكري زاده"، رامي المضاد الرباعي، أن ينزل زاوية الرَّمي لتصبح مباشرة نحو "شط علي"، وثكنة "خاكسار"، فيغطّي جهتنا اليمنى، ويمنع تقدّم زوارق العدو.

كان "أفشين" يعرف أنّ أخاه "جمال" في ثكنة "خاكسار"، ولكنّه لا يعرف إذا كان حيًّا أو أسيرًا بيد العراقيين في الثكنة التي احتلوها، أطلقت النيران من الثكنة نحو موقع "بيت اللهي"، لم يكن همّ "أفشين" ما حلَّ بأخيه بقدر ما كان القائد الشجاع صامدًا، محاربًا، محاولاً إبادة العدو ومنع تقدّمه.

في اللحظات الأخيرة، التحق بنا بعض الشباب، قالوا إنَّنا محاصرون من الخلف، وإنَّ هناك شاحنة "لاندكروز" قد أُحرَقت بسائقها وذخائرها. احتل العراقيّون "تشراغتشي"، وعليه، فلا قوّات دعم يمكنها الوصول إلينا، ولا ذخائر. وحدة التسليح كانت قد وضعت بعض القطع الخفيفة والمتوسطة (كلاشنكوف، غرينوف، آر بي جي) في أماكن متفرّقة, في بعض الخنادق كتدبير احترازي لهكذا أوضاع.
حاول العراقيون أن يتسلّلوا باتجاهنا من جهتين داخل حقول القصب، كانت الاشتباكات عنيفة جدًّا. في بعض النّقاط جرت وجهًا لوجه ومقاتل لمقاتل. لم نكن نعلم من أين تأتي النيران والرصاص من داخل القصب. أكثر الشّباب أصيبوا من الخلف.

دخل العراقيون من النقاط التي يقلّ وجودنا فيها، من محور "شط علي" إلى القناة من الجهة اليسرى للجادة، كانوا يطلقون النار على شبابنا، ثم يعودون إلى داخل زوارقهم. قررّ عدد من الشباب العودة نحو "تشراغتشي" لفك الحصار عنا، لكن "هدايت الله ركني" منعهم، وقال لـ "نعمت الله دشتبان" الذي كان أمامه: "علينا أن نواجه العدو من الأمام كي لا يصل للجادّة، أما (تشراغتشي) فيحرّرها شباب كتيبة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم".

تمّ التوافق أن لا شأن لنا بما يجري خلفنا، كنتُ واثقاً بأنَّ شباب "كتيبة الإمام علي"، بقيادة "علي مردان روستاد"، لن يسمحوا بأنّ نبقى محاصرين. جادة الخندق نفسها صارت خط التماس الأول، والخندق الأول. وكلّ الجهات صارت منطلقًا لرصاص العدو يميناً ويساراً، أمامنا وخلفنا.

كان العدو قد خبأ قواربه داخل الطُرق المائية وحقول القصب منذ الليلة الماضية. وعمل جنوده على رصد الطريق, حيث لا وجود لقواتنا، فكانوا يقتحمون ويسيطرون.
اقتحم اثنان من رماة "الآربي جي"، وهما "رضا خشنود" و"نعمت الله دشتبان" حقول القصب لاصطياد قوارب العدو، أطلقا قذائفهما، وأصابا اثنين من قواربه، وردّاً على ذلك قام العدو بصبّ حمم نيرانه عليهما،
فالتحقا بركب الشهداء، كان جثمان "رضا" قد تشوّه بشكلٍ رهيبٍ.

وصل "صفر علي الكامة" بقاربه إلى الجادة. أحضر لنا كمّيّة ذخائر، وقام "عبد الرحمن برهمن"، و"جعفر خشتيان"، و"هومان عباسيان"، بنقلها تحت وابل الرصاص والقذائف الصاروخية، طلب من الشباب أن يضعوا بعض جثامين الشّهداء في القارب كي ينقلها إلى الخطوط الخلفيّة، كان ماهرًا في رمي الآربي جي، استشهد وهو يرمي أحد قوارب العدو بقذيفة من موقع "بشتي".

استطاع شباب كتيبة الإمام علي عليه السلام أن يحرِّروا منطقة "تشراغتشي" بعد معركة قاسية وصعبة، قام فيها قائد الكتيبة بالاستعانة بسرايا: "سلمان"، و"أبي ذر"، و"مالك الأشتر"، وقد تمكّنت هذه السَّرايا من مواجهة كتيبتين من قوات مغاوير عراقيّة وطردتها من "تشراغتشي".

تكبَّد العدو خسائر كبيرة جدّاً في معركة استعادة "تشراغتشي"، حيث شهد هذا الفصل من ملحمة "الخندق" شهادة السيد "بهمن خشاوة"  قائد فصيلة "سلمان"، و"سليمان دانشي" الذي أُصيبَ جَسدُه بأكثر من 15 طلقة، وسقط داخل القناة. وكذلك اثنان أو ثلاثة من القادة، منهم "جان طلا".

كان اللافت في هذه المعركة أنَّ أغلب قتلى العراقيين قد سقطوا بقذائف مدفعيتهم الثقيلة، وكأن المدفعية العراقية لم تستطع تركيز رميِها، ولم تميّز بين عدوها وجنودها. ولم ينتبه العراقيون إلى هذا الأمر، إلا بعد فوات الأوان، وارتفاع عدد قتلاهم.

حين تحرّرت "تشراغتشي"، اطمأنّ بالنا على مواقعنا الخلفية، فلو بقيت المنطقة بيد العدو لما استطاع شبابنا أن يقاوموا على طول الجادّة أكثر من ساعات معدودة.

استمرّ تواصلنا مع قادة "محور المثلث" عبر عامل الإشارة. تقدّم العراقيون في جزر مجنون وجادة سيد الشهداء، وقد أطلت من السماء ما يقارب أربعين مروحية معادية إلى يمين الجادة في جزيرة مجنون الشمالية، أفاد عامل الإشارة: نفّذ العدو إنزالاً على مقر "الحاج علي هاشمي" حيث رُمِزَ إليها بالطيور فوق موقع بلال.
كان "بلال" اسم موقع برج الرصد.
كان "توفيقي" يحمل بيده مكبّر صوت وينشد الأشعار الحماسيّة والأناشيد، لبثّ روح الثّبات عند الشّباب، ومع أنه لم يكن هناك حاجة في الكثير من المواقع للتَّقَدُّم إلى الأمام، إلّا أنّ أكثر كلمات "توفيقي" كانت "هيّا إلى الأمام يا جنود الإسلام"، أظن أنّ "حميد نظري" هو الذي صرخ قائلاً له: "توفيقي" شجّع المقاتلين ولكن لا تتدخّل بشؤون القيادة! وكم كان مؤلمًا لنا، حين صرخ "عباس هواشمي"، معاون المقر السادس للحرس، عبر اللاسلكي، دون شيفرة ورموز: هنا كربلاء! هذا عمر بن سعد يدّق طبل انتصاره! كانت المعارك طاحنة، وكان الاحتفاظ بجادّة "الخندق" أهمّ من الوصول إلى شباب موقع "الخندق"، هناك طرأ تعديلٌ على المهمَّة، قررنا أنه لا شأن لنا حاليًّا بشباب الموقع، وأنّ علينا بذل كل طاقتنا للمحافظة على الجادة.

كانت الجهة اليمنى من الجادّة خالية، وتقرّر أن تصل كتيبتان من شباب "لواء النجف 8" لدعمنا، ولكنهما لم تتمكنا من اللّحاق بن, بسبب غزارة نيران العدو. كانت قاعدة الشهيد "خاكسار" في محور "شط علي" قد سقطت، رمى الشباب، بناءً على أمر قائد المقر، تجهيزات ووسائل القاعدة في الماء. كان يكفي أن تتوقّف المقاومة في الجادة لتسقط فورًا بيد العدو, حيث بإمكانه احتلال الدّشم والخنادق، ولا أحد يردعه ويمنعه.

عمل شباب الموقع على إبطاء حركة العدو من خلال مقاومتهم. وكأنّ مفتاح الحرب كان في جادة "الخندق". بينما جزر مجنون - والتي كانت تمثل ضلعنا الأيسر - سقطت بيد العدو. تفصلنا مسافة كبيرة عن شباب كتيبة الإمام جعفر الصادق عليه السلام المتموضعين في "شط علي". بالأمس قام لواءان من قوات العدو البحرية، المدرّبة على العمليّات المائيّة، بإنزال في "البيضة والصخرة". أمّا على الجانب الأيمن حيث لا قوات محاربة، والغطاء النباتي قليل جدّاً، فقد أحرق العدو الأرض بكثافة نيرانه ليتمكّن من إدخال قواته إليها. كان علينا أن نقاتل، على طرفي الجادة - حيث الماء وحقول القصب - عدوّاً متخفّياً تصعب رؤيته، عدوّاً قد تعرّف بدقّة على جميع الطرق المائية. قبل عدة أيام، أَسَرَ شباب لواء "الإمام الرضا عليه السلام - خراسان"، فريقَ استطلاعٍ للعدو بالقرب من معبر "زيد" المائي، اعترف الضابط المسؤول عن هذا الفريق، في التحقيق الأوّلي، وقال: استطلعنا جميع الطرق المائية، والمعابر المخفية لجزر "مجنون"، وقمنا بإخفاء عدد من القوارب في معابر قليلة الحركة، وهذا ما حصل حيث استهدفت هذه القوارب المخفية عددًا من شبابنا بإطلاق الرصاص والمضادات.

كان قلبي هناك مع شباب الموقع, الذين حوصروا في جزيرة مساحتها حوالي 2000م2، كانت قذائف وصواريخ العدو تنهمر دفعة واحدة على شباب "الموقع" و"الحصن" وحتى على رؤوس الجنود العراقيين أنفسهم. وكانوا جميعهم يقاتلون دون قيادة.

حين عبرنا موقع "أردني"، كان "بهرام درود" في طريقه إلى "تشراغتشي" لإحضار القذائف المدفعيّة. فرحت كثيرًا برؤيته. كان يرافقه "أحمد أقليمي كيشن" و"سيد أصلان عادلي نسب"، التجأ "بهرام" إلى جانبي في القناة لعدة لحظات، وتبادلنا أطراف الحديث، أتعبته قلة الذخيرة وأعيته! كان يريد إحضار قذائف60 ملم و81 ملم من "تشراغتشي"، كذلك فقد كانت راجمة "الـ ميني كاتيوشا" في "حصن سليمان" من دون صواريخ، كان شباب الدعم قد أفرغوا ذخائرهم في جادة "الخندق"، أي على مسافة عشرة أمتار مقابل أرضٍ يسيطر عليها العدو، عرضها حوالي 50كلم! كانت قوة نيراننا، مقارنة مع قوة نيران العدو المدفعية، كقارب يواجه حاملة طائرات.
في الأيام العادية السابقة كنا نعاني من قلة الإمكانات، فكيف والحال هكذا! كان"بهرام" شديد العطش، وقد حدثني عن مواجهات موقع "بيت اللهي"، كان وجهه مغبرًا وأكتافه دامية. لا أعرف إن كان أصيب بشظية أدمته، أو أنّه حمل شهيداً على كتفيه. قلت له:
- ألا يوجد ذخيرة في المنطقة الأمامية؟
- لقد أصابوا جيب "اللاند كروزر" فاحترق.
- مع ذخيرته؟!
- نعم لسوء الحظّ!
- بهرام! إذا جُرحتُ هنا فأقسم عليك بالعباس أن تنقلني إلى الخلف، ولا تدعني أقع أسيرًا!
- ومن أنا لأنقلك إلى الخلف؟

توجّه مهرولاً نحو موقع "أردني"، سألته:
- بهرام! هل رأيت "بيران مستوفي"؟
- استشهد!

كان "بيران" من الذين ينبغي أن يرحلوا. قال لي المقاتل الذي رجع إلى الخلف بعد "بهرام": ما أعرفه فقط بأنّ شباب كتيبة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم قد دفنوه في الموقع عند الصّباح الباكر. قلت لنفسي: لماذا يدفن هناك؟
هل ستتحوّل جزر مجنون إلى مقبرة للشّهداء؟ فهمت بعدها أن الذين دفنوا "بيران مستوفي" كانوا قد تيقّنوا بأنّه لا مجال أبداً لإرجاع جثمانه إلى الخطوط الخلفية.
حين استرجعتُ ذكرياتنا المشتركة خنقتي العبرة، وذاب قلبي على "خديجته" في عامها الأول، و"ياسر" ذي الثلاث سنوات، و"أعظم" ذات السّت سنوات، كان "بيران مستوفي" يتولى رعاية أولاد أخيه الشهيد أيضًا. من الآن فصاعدًا، فإنّ أولاده وأولاد أخيه صاروا أيتامًا كالعديد من أبناء أبطال الحرب.

أما "بهرام" الذي كان قد ذهب إلى موقع "بشتى" لإحضار الذخائر، فقد عاد تحت وابل نيران العدو، عاد وحده، فقد استشهد مرافقاه "أحمد" و"السيد أصلان" بعد أن سقطت قذيفة بالقرب منهما،
فاستشهدا معًا.
عاد بهرام مجدّداً لنقل الذخيرة بمساعدة اثنين من قوات التعبئة، كان مسؤولاً عن إسناد موقع "بيت اللهي"، وكانت مدافع الموقع تحنّ إلى القذائف. حين سأل السيد "علي محمد بزركواري" شباب المدفعية عند الفجر: لماذا لا ترمون العدو بالـ "ميني كاتيوشيا" وبالمدافع؟

أجابوه بسخرية: ياسيّد! ليس عندنا قذائف! هل نضع مكانها القصب ونرمي به العدو؟!

ركضنا مع الشّباب نحو الخندق الكبير على بعد 100م أمامنا. كان "ركني" يحذّرنا وبشكل متكرِّر: انتبهوا، ولا تغفلوا عن الجهة الخلفية، فالحقول وراءنا مصدر خطر كبير. كنت أعتقد أنّ عددًا من الوحدات في طريقها لمساعدتنا. لا أصدق بأنّنا سنبقى لوحدنا. لا يمكن أن يكون هذا هو مصير جزر "مجنون". لم يستطع أحد اليوم الوصول إلينا لدعمنا، حتى كتيبتا فيلق "نجف 8"، التي كان ينبغي أن تلحق بنا، أضحت وحدات مدفعيّة دون قذائف، كنّا وحدنا. لا قوات مساعدة ولا دعم ميداني، لا نيران تغطية، ولا ماء، ولا طعام ...

على الرغم من أن السيد محسن (رضائي) قد أصدر أمره لقائد اللواء بالتراجع، إلا أن الشّباب فضّلوا الصّمود والمواجهة بكل بسالة ورجولة، لم يكن أحد من المقاتلين مستعدّاً للتراجع والانسحاب، حتى "محمد حسين حق جو" ، الذي كان معلّمًا من منطقة "سرفارياب" في محافظة "كهكيلويه"، لديه خمس بنات، والسادسة "زهراء" ولدت بعد خمسة أشهر من شهادته!. كنت أعرفه من أيام "كردستان". في "تشراغتشي" كان ابن منطقته "عبد الرضا ديرباز" يرجوه كي يبقى في "تشراغتشي" ولا يتقدّم للأمام. إصرار "ديرباز" كان بسبب بناته الصغيرات. إلى ما قبل شهادته، كان "ديرباز" يسعى بشكل حثيث كي لا يتقدّم "حق جو" للأمام، لكن "حق جو" قال له: يا "عبد الرضا"! لعلك نسيت أنّ ابن عمك "كرامت الله" قد استشهد هنا في عمليات "بدر".

حين التجأنا إلى القناة، قال لنا، ذلك المعلّم الشجاع، "حقّ جو": "أعرف لماذا لا تريدونني أن أتقدّم معكم، لا تقلقوا على بناتي .

بعض الشهداء كان لديهم وضعٌ عائليٌّ خاصٌّ: الشهيد "جعفر الوند نجاد" كان ابنًا وحيدًا، الشهيد "محمد حسين حق جو" لديه خمس بنات، أحد الشباب كان يتيم الأب والأم، والشهيد "أكبر آخش" كان قد تزوّج منذ عشرين يومًا فقط، الشهيد "حنيفة خليلي شاد" فقد أباه في الثانية من عمره، وفقد أمه في الرابعة، رُزق بولده الأول قبل سبعة عشر يومًا. كتبت له زوجته: "الآن وقد أصبحتَ أباً، فخذ مأذونية، وتعال لرؤية ابنك"، قال لها في رسالته: لن أعود، إن عدتُ إلى البيت وشاهدتُ ابني فسأتعلّق به، سأبقى هنا لأزور الإمام الحسين عليه السلام، وأنال الشهادة. "الشهيد عبد الرضا ديرباز"، كان مقرّرًا أن يتزوّج عند عودته هذه المرّة، كنت قد وعدته بأن أحضر زفافه.
الشهيدان، "السيد بهمن خشاوة" و"هدايت الله ركني"، رزقا ولديهما الأولين بعد أشهر من شهادتهما،
الشهيد "صَفَر علي الكامة"، قال لعائلته: "سأنهي معاملات الخدمة العسكرية في الرابع من شهر حزيران"، وأعود للمنزل في الخامس منه. وما حدث بأنّ "الكامة" أنهى معاملاته مع هذه الدنيا في الرابع من شهر حزيران، وصار من أهل السماء! وعاد في الخامس من "شهر حزيران" إلى عائلته وزوجته وأولاده البنات الثلاث، والصبيان الثلاثة أيضًا، الذين كانوا ينتظرونه كما وعدهم. عاد شهيدًا ليشيّع فوق أكتاف محبيه.
ومن بين أسرى "موقع الخندق"، "محمد أفشين" الذي حين أُعلن خبر فقدانه، وسمعتْ عمته بالخبر أصيبت بسكتة قلبيّة وفارقت الحياة.

كان "حق جو" يتحدّث مع الشباب حول أهمية المحافظة على جزر "مجنون".. فهي أمانة وَصَلتنا بدماء الشهيدين "همّت" و"باكري".. والويل لمن يقصّر من شباب "التعبئة".
حين اخترقت الشظايا جسد "حق جو" وبدأ يلفظ أنفاسه الأخيرة، قال لي ولمن كان حوله، بصوت متهدّج بالكاد يُسمع:
"إن كنتَ رجلَ هذا الدرب فينبغي التقدم وسط الدماء
إن أُنهكتِ الأقدام، فعلى الرأس التقدّم وسط الدماء".

حمل الشباب جثمان "حقّ جو" إلى داخل الخندق، كان لهذا الشهيد مظلومية خاصة. حاول بعض الشباب أن ينقلوا الجثامين في القارب الذي كان في المعبر المائي القريب، كان المعبر المائي الخلفي على بعد مئات الأمتار قد أصبح بيد العدو. في الجهة اليمنى كان معبر "شعبان" وقاعدة الشهيد "خاكسار" قد وقعا في يد العدو أيضًا، وكذلك سقطت نقطة "الطبرسي" المقابلة لموقع "بيت اللهي"...

شدة نيران العدو لا تحتمل، حين أراد "عبد العلي عليزاده" و"عبد الرحمن برهمن" أن يسحبا جثة الشهيد "فتاح عبَّاسي" إلى داخل القناة، سقطت قذيفة بينهما فتطايرت أشلاؤهما، فكان منظر الشهداء الثلاثة معًا يدمي القلب.

كنا نهرول داخل القناة نحو يسار الجادة حين انفجرت قذيفة بالقرب منّا، فسقطنا أرضاً، لم أعرف ماذا حصل؟ استشهد اثنان أو ثلاثة من شبابنا في هذا الانفجار، ومنهم الشهيد "هومان عباسيان"، لم أعرف في البداية أنّي جُرحتُ، شعرتُ بأن القسم الأمامي من فخذي الأيسر ساخن ورطب، كانت شظية قد اخترقته، وصهرت بعض لحمي، كان نزيف الدَّمِ شديدًا جدًّا. ربط "صفر علي كردلو" رجلي بكوفيته. على الرغم من اللحم المصهور والجراح، إلا أنني لم أتوقّف عن المشي.
كانت الشظية قد حفرت مقدار كف يدٍ في رجلي. والتي لم أكن أشعر بها بسبب قطع الأعصاب. كنت لا أزال قادراً على الحركة.
اشتبك الشباب مع العدو في نقاط متعدّدة من خنادق الجادة، أصابت شظية يد"عبد الرضا ديرباز"، فلم يعد قادرًا على حمل رشاشه "الغرينوف"، فتبادلنا الأسلحة وأعطيته "الكلاشنكوف".

كان "هدايت الله" يركض يُمنَةً ويُسرةً، مركّزًا نظره على الجادّة، تقدّم العراقيون كثيراً، ولم يكن يفصلنا عنهم سوى شريط القصب. كلما استشهد أحد الشباب كان "هدايت الله" يبث الرّوح في بقية رفاقه،
وهو نفسه أصيب بشظية في كتفه، وكانت بِذْلته ملطخة بالدماء. كلما قلّ عددُنا كانت الأمور تشتدّ وتصعب أكثر فأكثر. لم يكن أحدٌ في الخلف قادراً على مساعدتنا.

احتل العراقيون "تشراغتشي" للمرة الثانية، وبقدرات أكبر هذه المرة، كان عددنا قليلاً جدّاً في مواجهة العدو، كنّا بمثابة كتيبة تقاتل فيلقًا كاملاً.

قال "هدايت الله" للشباب الذين يواجهون العدو "بأسنانهم وأظافرهم" لمنعه من التقدم: "لا تنتظروا الأوامر من أحد، كل واحد منكم قائدُ نفسه، قاتلوا بأحسن ما تقدرون، المهم أن لا تسقط هذه الجادة!".

كان السيد "محمد علي غلامي"، وهو طالب علوم دينية، يرمي "الآربي جي"، وكذلك يقوم بواجبه الديني كطالب علم، كان من قرية "بيدك" من قضاء "باشت"، جاء إلى الجبهة برفقة حوالي 15 طالبًا من الحوزة العلمية المنصوريّة في شيراز.

وسط احتدام المعارك والمواجهات كان يرتجز بحماس وعنفوان: "أيّها الشباب.. سرّ القتال في الإيمان والإرادة، وليس في هذه القطعة الحديدية التي بأيدينا!" كان صوته جذّاباً ومؤثّرًا جدًّا، 

كان اسم "هدايت الله" يذكّرني بأخي الشهيد "السيد هدايت الله". قال لنا: "لن يرجع أحد منّا حيّاً. الجزيرة الجنوبية وجادة سيد الشهداء في يد الأعداء، نحن محاصرون، فإمّا أن نستشهد، وإما أن نقع أسرى.
فإن كان هذا هو مصيرنا المحتوم، فلا ترحموا العدو، وانتقموا منه لدماء شبابنا الشهداء، لا تطلقوا أيّة رصاصة هدراً، صحيح أنّنا اليوم لوحدنا، ولكنّ الله معنا".

كانت الساعة حوالي العاشرة والنصف. كان هدايت الله يرمي "الآربي جي" على القوارب العراقية حين أصابته شظيّة معادية، كان "صفر علي كردلو" لا يزال حيًّا. حين جُرحت منذ ساعة قام هو بتضميد جراحي، لم يكن ممكنًا نقل أي شهيد أو جريح إلى الخلف. لا توجد أيّة قوّات دعم على الجادة, وحتّى إن وجد مسعف، فلا شك بأنه سيفضِّل رمي وسائل الإسعاف جانبًا وأخذ السلاح من الشهداء لمواجهة العدوّ.

كان قلبي يحترق من أجل "صفر علي كردلو"، صديقي، وابن بلدتي، فقد كانت جراحاته كثيرة، ولم أدرِ ماذا يمكنني أن أفعل له، لا يزال يتنفّس، سحبناه إلى داخل القناة، كان مجرّد التفكير بأن العراقيين إمّا سيأخذونه أسيرًا على هذه الحال، أو أنهم سيطلقونه عليه رصاصة الخلاص، يعذّبني. قلت لنفسي: إن أَسَرَه الأعداء سيقتلونه فوراً، كانت الدماء تسيل من صدره ومعدته، حين حاولت تضميد جراحه، قال بصوت خافت: "فليطلق عليّ أحدٌ رصاصة الخلاص، لا أريد أن يأسرني العدو، لا تتأخروا بسببي!" لم يطلب نقله إلى الخط الخلفي، فهو يعلم أنه لا مجال لذلك.
مرّت في بالي، ذكرياتنا المشتركة في شتاء السنة الماضية، حين ترافقنا معًا في مسير مشترك: "قاعدة الشهيد غلامي"، محطة سفر "تشهاشير"، وجبة طعام خفيفة، ومتابعة الرحلة إلى "كجساران". والآن لا أملك سوى النظر إلى جسده الدامي المرمي إلى جانب الجادة، أنظر وأتجرّع الغصّص والألم..

حاول "صفر نيكدارشد"، وهو أحد شباب "كتيبة الشهداء الخاصة"، أن ينقله إلى الخلف، لكنه لم يتمكّن. أطلق نار رشاشه "الغرينوف" ليغطّي الجادّة، فيما كان عدد من الشباب يحاولون التحرّك، بقينا في أمان من جهة معبري "خين" و"شعبان" المائيين إلى أن استشهد هؤلاء الشباب وجُرح "صفر نيكدارشد". لقد كان من القلائل الذين بقوا وعادوا أحياء بعد معركة "جادة الخندق".

أغلب رفاقي كانوا قد استشهدوا. من بقي منهم قاتلَ وُفْقَ ما شخَّصه وحدّده. كانت نفسي تحدّثني "أنّ التراجع خيانة". كنت أعلم أنَّه، وبهذا العدد القليل، لا يمكن أن نمنع العراقيين من احتلال الجادة.

كان كلّ واحدٍ من الشباب يجهد للقيام بتكليفه، كانوا يفضّلون اليوم الصمود بشهامة، والقتال ببسالة حتى الرمق الأخير، ولا يشهدوا سقوط الجزيرة بيد الأعداء. هذه الجزيرة التي كانت، من خلال استحضار روح الشهداء، وبطولة الشباب في "عمليات بدر وخيبر"، تدعو الإنسان للصمود فيها، إن تراجعتُ إلى الخلف فأين أختبئ من الشعور بالذنب؟ أسرعتُ إلى خندق يبعد عنّا حوالي المئة متر لإحضار بعض الذخائر والأسلحة، جلست بالقرب من "صفر علي"، الذي كان قد استشهد، كم كان هادئاً وساكناً، وكأنّه قد غطّ في سباتٍ عميق، لن يستفيق منه إلّا بعد ساعات وساعات، سحبتُ مشط رصاص "رشاشه" لكي أستخدمه, ورميت الرشاش في مياه الجزيرة (حتى لا يستفيد العدو منه لاحقاً).


كان الأخوة يشتبكون مع العراقيين في نقاط متفرّقة من الجادة، كنّا نرصد حركة العدو من بين حقول القصب، كانت قواربهم تعبر من الجهة الجنوبية، وتحاول الوصول الى المعابر الخلفيَّة كي تحاصرنا وتضعنا بين "فكّي كمّاشة", لتنهي مقاومتنا. أصاب شباب "الآربي جي" ثلاثة قوارب معادية، فيما تمكّنت قوارب أخرى من إنزال قوات مشاة خلفنا، لم يكن شبابنا مستعدّين للسباحة والتراجع للخلف.

أحد الشباب الذي عرفتُ فيما بعد أنّ اسمه "محمد إسلام بناه"، أصبح وجهه وصدره كالغربال من شظايا القذيفة التي أصابته، كانت عظام يده وكتفه مهشّمة، ولم يكن يقوَى على الكلام من شدّة الضعف والعطش، كان يجود بنفسه، حين ضمّدنا جراحه، قال: "أرواحنا، فداء شَعرة من شَعر الإمام"، وظلّ يتمتم، ويردِّد آيات من القرآن حتى فارق الحياة.

إنّها حوالى الساعة الحادية عشرة، والمسافة التي تفصلنا عن موقع "بيت اللهي" لا تتجاوز 200م، اشتدّت الاشتباكات, كان عدد من الشباب من خلفنا يلتحمون مع العراقيين بالسلاح الأبيض، لم يتراجع العدو عن قراره باحتلال الجادة، إلّا أنَّ مساعيه لمحاصرة موقع "بيت اللهي" باءت بالفشل. إذا تمكّنوا منّا، فسيُقضى على سريَّة الإمام الحسن المجتبى عليه السلام مباشرة، كنّا نعلم أن مقاومتنا محدودة جدّاً، وسط هذه الحرب غير المتكافئة، وبدأ الأمل بإنقاذ شباب موقع "الخندق" يخبو ويضمحل.

فضّلنا أن نترك قسمًا من الجادة ونقترب من بعضنا أكثر فأكثر, لأنّ عددنا قليل، فكان علينا أن نقاوم معًا على شكل مجموعتين إحداهما قريبة من الأخرى. كنّا المجموعة الأمامية، كان العراقيون يمشّطون الجادة بالرشاشات بدقة، كانت القناة المائيّة المحاذية للجادة هي ملاذنا الوحيد، لم نعد نشكّ بأنّه قُضي الأمر، وانتهت قصّتنا.

كان علينا الاختيار بين الشهادة والأسر، كان لديّ شعور سيّئ تجاه الأسر، لطالما كنت أتمنّى أن لا أقع في الأسر.
لم يبقَ من الثمانين مقاتلاً إلّا عشرة أو اثني عشر على قيد الحياة..."سالار شفيعي نجاد"، "محمد علي غلامي"، "غلام قاسم زاده"، "جمشيد كرم زاده" وعدد قليل من التعبويين الذين لم أكن أعرفهم. وقف ثلاثة أو أربعة من الشباب أمامنا في دشمة للرماية على مسافة 100م لمنع العدو من التقدّم،ذلك الخندق الذي بقي صامدًا كالقلعة، كان يحلو لهم الثبات والصمود في ذلك الخندق.

كان ذلك الخندق مصمّمًا كي يشرف على معبر "خين" المائي على جهة اليسار، والذي كان يشهد أكبر حركة لقوارب العدو حينها.
ولكي يتمكّن الشباب من الإشراف على الجهة الأخرى للمعبر المائي، قاموا بحني القصب وإمالته وتثبيته بالأرض، واتخذوا منه ساترًا، فصار بالإمكان الرمي على الجهتين. قام العدو بقنص ثلاثة من شباب الخندق، وكان بينهم "خدا خواست جبّاري" صديق "سالار شفيع نجاد".

لم أكن لأصدّق سقوط "جادة الخندق"، كنت أشعر بأنّ أرواح شهداء عمليّات "بدر" و"خيبر" شاهدة على مقاومة اليوم. لم أستطع أن أقنع نفسي بتقبّل سقوط جادة الخندق، وكان التفكير بمصير جزيرة "مجنون" مؤلمًا جدًّا بالنسبة إليّ. أكثر ما كان يشغل بال الشباب هو القيام بالتكليف، جلسنا للحظة لنرى ما العمل في اللحظات الأخيرة؟ اجتمع رأي الشباب على الصمود، تعاهدنا أن نقاوم حتى الرصاصة الأخيرة، حتّى لو لم يكن لمقاومتنا تأثير في المحافظة على "جادّة الخندق".

لماذا لم تصل أية قوات لدعمنا؟ لماذا بقيت جثامين الشهداء في يد العدو؟ وغيرها الكثير من الأسئلة، كانت تزدحم في رأسي، وتشغل ذهني دون جواب.
كانت الساعة حوالي الحادية عشرة والنصف، ذخائرنا تكاد تنفد، العدو يسيطر على الخط من "تشراغتشي" حتى "مثلث المحور"، كانت زخّات الرصاص تنهمر من الخلف ومن الأمام، وكذلك من داخل حقول القصب المحاذية للجادّة، لم يكن هناك تواصل مع أحد، فقط كان "عامل الإشارة" يتصل بالمركز لحظة بلحظة، كان القادة يشجعوننا ويكرّرون عبر اللاسلكي "أحداث عاشوراء وما جرى في كربلاء"، كانوا محرجين ومتألّمين كونهم لا يقدرون على مساعدتنا، كان عامل الإشارة ينقل لنا نداءهم: "قاوِموا ساعة أو ساعتين كي نتمكّن من تطهير الجادة والوصول إليكم".

في الخلف، كان مقرّراً أن تقوم وحدة الهندسة بمسح جادة "حنظلة" وقطعها تلك الجادّة الممتدة من ميدان الإمام الرضا عليه السلام حتى "شط علي"، ومنطقة "الهور العظيم"، كي لا يتمكّن العدو ـ إن استطاع احتلال "جادة الخندق" ـ من الوصول إلى الطريق المؤدية إلى منطقة "الهور العظيم". هذا العمل مشابه لما قام به شباب "التخريب" قبل عدة ليالٍ، خلف موقع الخندق, حيث استخدموا مقدار طنّ من المواد المتفجّرة لإيجاد مساحة فاصلة بين "موقع الخندق" و"موقع بيت اللهي" بطول 200م، ثم انسياب المياه داخل هذه القناة وتدفقه من "شط علي" باتجاه "جزيرة مجنون". هذا القطع أدّى عمليًّا إلى محاصرة "موقع الخندق" وفصله عمّا حوله فأصبح من غير الممكن الدخول إليه، ولا الخروج منه. 

لم تبقَ أيّة قذيفة لدى وحدة المدفعية كي توفّر غطاءً ناريًّا للشباب. أفرغ شباب المدفعيّة حمم نيرانهم، وبعض الذخائر التي كانت لدى - بعض فرق الفيلق السادس في الحرس - المستقرّ في الموقع الأول في الضلع الغربي للجزيرة الشمالية -، على مواقع العدو. علمت فيما بعد، بأنّ الشباب قاموا وبعد نفاد الذخائر، بإتلاف الأسلحة والمدافع كي لا تقع في يد العدو.

كانت أوامر القادة في الحرب تقضي بإتلاف الأجهزة والأسلحة والذخائر في حال عدم التمكّن من سحبها الى الخلف. في ذلك اليوم تمّ تفجير العديد من التجهيزات والأسلحة كي لا تصبح غنائم للعدو.





يتبع ........


عدل سابقا من قبل mi-17 في الإثنين يونيو 29 2015, 15:36 عدل 2 مرات
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

mi-17

مشرف
مشرف

avatar








مُساهمةموضوع: رد: معركة توكلنا على الله الثانيه ...... تحرير جزر مجنون يونيو 1988    الإثنين يونيو 29 2015, 15:31

استشهد عامل الإشارة في اللحظات الأخيرة، لم يعد هناك أيّة فرصة للتواصل مع المركز (المقر الخلفي)، وعلى كلّ حال، فإنّ هذا التواصل لم يكن مجديًا.
بقي كلّ منا، يقاتل لوحده وبقدراته الذّاتيّة، سقطت أجساد الشهداء الطاهرة أرضًا بين ذرّات التراب المتناثر، والدخان الذي أصبح يخفُّ شيئاً فشيئاً. وصل العدو، وبذلك فصل بيننا وبين سرية الإمام الحسن المجتبى عليه السلام.

جُرح السيّد "محمد علي غلامي"، وتلقّى "غلام قاسم زاده" رصاصة من الجهة اليمنى للجادة واستشهد، اشتدّ نزف "السيّد محمد علي"، وحين سقط على الأرض حاول أن يسحب نفسه نحو القناة المحاذية للجادة.

كان صوت تمشيط الرشاشات يُسمع من كل الجهات، كانت الدّماء تغطّي وجه السيّد "محمد علي" ورأسه، زحف بصعوبة بالغة، كانت شظيّة قد أصابت خدّه الأيسر فأدمت وجهه وعينيه، كان يقرأ القرآن. في سنوات الحرب، قلّما رأيت شهيدًا في لحظاته الأخيرة يفارق الحياة دون ذكر الأئمة عليهم السلام، لم أعرف ما الذي يمكنني أن أفعله للسيّد "محمد علي"، كانت أنفاسه مقطوعة من العطش، لم يتمدّد ، قلت له:
- "يا سيّد ، تمدّد، نزيف دمك غزير!.
- لا بأس هكذا أرتاح أكثر.
- نزيف دمك يشتدّ أكثر فأكثر.
- الجلوس أفضل.
- تمدّد، لعلّني أجد شيئاً أضمّد جراحك به.
- لا أريد شيئاَ. ضع حقيبة الرأس تلك خلف ظهري.

لم يكن يريد التمدّد، على الرغم من نزيف صدره ورأسه.
كانت أصوات العراقيين مسموعة، لم أستطع أن أفارقه.

لم يسمح لي بأن أمزّق قميصه، كي أضمّد جراحه، كنت أحدّق في وجهه  , جرت الدموع والدماء من عينيه، وضع كلتا يديه وراء رأسه متّكئا عليهما , كان واضحًا من لون وجهه وملامحه بأنّه لن يبقى حيًّا.  
في اللحظات الأخيرة، أحضرت له ماءً بخوذة معدنية، فلم يشرب، لم يكن مستعدًّا حتّى لبلّ شفاهه بالماء، لا أعلم، أظنّ أنّه كان يريد أن يستشهد عطشانًا، وهذا ما حصل، استشهد السيّد عطشانًا.

كانت أصوات العراقيين تصل الى مسامعنا، كانوا يهلّلون فرحين, فقد تقدّموا من جهة اليسار في جُزر "مجنون" الشّماليّة والجنوبية، ومن الخلف، وعلى امتداد "جادة الخندق".
كانت شمس الصيف المحرقة تَسْطع على أجساد الشهداء، وكانت الحرارة تفتك بنا.

كان جسد أحد الشهداء معلّقا في القصب، فيما نصفه الأسفل داخل الماء, فقد حاول حتى لحظاته الأخيرة أن يمسك بالقصب، كي لا يغرق، سحبناه خارج الماء ووضعناه قرب "الشّهيد غلامي".

حاول العدو الاقتراب أكثر، لم تعد تُسمع أصوات رصاص شباب موقع "بيت اللهي"، ولكن أصواتاً أخرى من جهة موقع "الخندق" كانت لا تزال تقاوم وتؤخّر حركة العدو. كان العراقيون في كل لحظة يقتربون منّا أكثر فأكثر، لم يعد يفصلنا عن العدو إلّا 30 متراً أو أقل. كان اثنان منهم يحملان العلم العراقي، ويتحرّكان أمام البقيّة, كانت بعض الأعلام العراقيّة قد نُصبت في أنحاء مختلفة، مرتفعة نسبيًّا عن الجادة.

كنّا ستَّة، أنا، و "سالار شفيعي نجاد"، و"جمشيد كرم زادة"، وثلاثة تعبويين آخرين. نظرت إلى ساعتي فكانت تقترب من الثانية عشر إلّا ربعًا، لم يكن هناك من أثر لأيَّة قوات الى يمين الجادة، كانت الأسلحة والرشاشات ملقاة على جانبي الطريق، وكان عددها بعدد أجساد الشهداء خالية من الرصاص والأمشاط. قمنا بجمع رشاشات الكلاشينكوف، والغرينوف، وقواذف الآر بي جي، والكثير منها دون أمشاط، ولا رصاص، ولا قذائف... ورميناها في مياه الجزيرة. كان طول "شرشور" غرينوف أحد الشهداء على يمين الجادة حوالي المتر.

لم يجرؤ العراقيون على الاقتراب من الخندق، لم يبق أمامنا سوى الاختيار: إمّا أن نقف مكتوفي الأيدي بانتظار أن يتقدّم العراقيون ويأسروننا، وإمّا أن نقف على جانبي الجادة ونقاوم بهذا المقدار القليل المتبقي من رصاص وذخائر، وإمّا أن نرمي بأنفسنا داخل الماء ونجرّب حظّنا بالبقاء أحياء. بعد احتلال جزيرة مجنون لا يبقى قيمة لحياتنا. كيف نقوى على الرجوع؟ كل هؤلاء الشهداء كان بإمكانهم الرجوع والعيش بهناء. 

كان العدو يتحيّن الفرصة من جهة القناة المقابلة لاحتلال خندقنا. في الجانب الأيمن للجادّة، كان يمكن إطلاق النار على العراقيين المتقدمين من القناة المواجهة بشكل أسهل، أفرغ "سالار" آخر طلقاته، بينما اشتبك التعبويّون الثلاثة مع العدو على بعد 200م إلى الخلف، كان "خدا رحم رضوي" أحدهم، لم يكن باستطاعتنا استخدام خندق الرماية، فقناصو العدو صبّوا سيل رصاصهم على الخندق، كانت قدرة المناورة لجهة اليمين أكبر. قلت لـ "سالار":
- سأقفز الى يمين الجادة، انتبه كي لا يصيبونني من داخل القناة.
- يمكنهم النيل منك وسط الجادة.
- لا تتحرّك من الخندق، أطلق رصاصك بين "الخندق" و"القصب"، وانتبه من القناصة!

زحفت عدة أمتار كي أصل إلى يمين الجادة، كنت أريد أن أصل إلى رشاش "غرينوف" وأتمترس هناك.  كان العدو يطلق ناره من جانب القصب والقناة على كل كائن متحرّك.

حين وصلت الى وسط الجادة نهضت متّجهًا صوب الـ "غرينوف" على بعد حوالي عشرة أمتار. كنت أهرول مسرعًا حين أُطلقت النار عليّ، فيما كان "سالار" يرمي العراقيين داخل القناة، أحسست فجأة أنّني صرت أقصر قامة في الجهة اليمنى من جسدي، وقعتُ على الأرض، نظرت, لأرى ما الذي حلّ بي، فكانت الصدمة: عظام ساقي اليمنى قد تهشّمت، أصابت رصاصة أعلى رسغ قدمي اليمنى، كان مفصل القدم سالماً وكذلك مشطها. لكن لحم الساق قد تقطّع إربًا إربًا. حوالي الثمانية سنتيمترات من العظام في أعلى المفصل قد تلاشت بالكامل. كان كَعبُ قدمي معلّقًا بالقليل من الجلد والأعصاب. بسبب تهشّم العظم، كانت قدمي تميل مرخيّة، ونزيف دمها لا يتوقّف. أظنّ أنّ العراقيين قد تصوّروا أنَّي قتلت حين سقطت أرضً, لذلك لم يتابعوا الرمي بغزارة نحوي، زحفتُ ببطء ساحبًا جسدي نحو القناة على يسار الجادّة.

حين شاهد سالار إصابتي، قام بمساعدتي، لم أصدّق بأن أفقد قدمي في هكذا ظروف، فالآن أحتاج لقدمي أكثر من أي وقت مضى. عندما أصيبت قدمي فَارَ الدّم منها كالشلّال، فامتلأ حذائي العسكري دماً، لم أكن أعلم ما ينبغي فعله، تداخلت أفكاري وتشابكت، وراحت في كلّ اتّجاه، صرتُ أفكّر بأبي، وإخوتي، وأخواتي ورفاقي، وجعبتي، وكاميرتي، ودرّاجتي الهوائية.

لم أكن أرغب مطلقاً أن أقع بيد الأعداء وأنا مقطوع القدم على هذه الحال، لم يكن هناك سبيل للنجاة من هذا الوضع، صرت أفكّر: "لحظات قليلة ويأتي العراقيون ويخلّصونني من كل هذا، بطلقة واحدة، لم تَرُقْ لي الشهادة بهذه الطريقة، فإن كان لي نصيبب الشَّهادة، فلتكن بالقرب من الرفاق أثناء المقاومة".
كان قلبي يغلي ويفور، كان "سالار" قلقًا عليّ، فلا رصاص لديه ليطلقه، ولا قدرة لي على الحركة. قال لي:
- "ماذا أفعل لك؟ لا يمكنني سحبك إلى الخلف".
- "أعرف أنّه لا يمكنك أن تفعل لي شيئاً، فقد سيطر العراقيّون على كل المنطقة".
- "لا يمكنني أن أتركك هكذا وأمضي".
- "سيصل العراقيون، وإن لم تذهب فستقع في الأسر".
- "أنت على هذه الحال، لا رصاص لديك، لا سلاح، ماذا سيحل بك؟
- "لا رصاص لديّ لكنّ جدّي موجود".
- "ضميري لا يسمح لي بتركك".

كنت أسمع أصوات العراقيين وراء الخندق، وهم يُنشدون معًا ويهتفون لصدّام: "بالروح بالدم نفديك يا صدّام".
أدركتُ موقف "سالار" وقَلَقه، كان مستعدًّا للمخاطرة بروحه لأجلي، في تلك اللحظة بين الموت والحياة، أخذ رأسي وضعه على صدره وبكى.

استمرّ النزيف في قدمي، وسالت دماءٌ كثيرة، واعتقدت أنني مفارق الحياة، وأصوات العراقيين المسرورين تزداد وتقترب، لم يكن لديهم الجرأة على الاقتراب أكثر، مع أنّ الشباب قد استشهدوا جميعًا، لعلّ العدو كان يظنّ أننا نصبنا له كمينًا خلف "خندق الرّمي".

نهض "سالار" واقترب مراتٍ من الخندق وأطلّ من بين القصب وقال لي: "اقتربوا كثيراً، لقد أحاطوا بالخندق".
لم أكن أرغب في أن يتأذّى "سالار" بسببي، أردتُ أن يرحل بسرعة، حين جلس بجانبي قلت له:
- "لا تبقَ هنا. أقسم عليك بحق جدّي أن ترحل بسرعة".

أغرق العراقيون الخندق بوابل رماياتهم، كانت القنابل اليدوية تنفجر خلف الخندق. 

في الدقائق الأولى لإصابتي كان ألمي خفيفًا، حين أصابتني الشظيّة في البداية لم أشعر بشيء، بدأ الألم يشتدّ تدريجيًّا، إلى أن وصل إلى عظامي بعد حوالي الربع ساعة، عدتُ أصرُّ على "سالار" أن يذهب.  كان هو نفسه يعلم بأن لا سبيل له سوى الرحيل، وأنا كنت أعلم أن الأسر ينتظرني. كان "سالار" يعرف ما الذي أريد أن أفعله، كان يصلنا صوت القائد الذي كان يتكلّم عبر اللاسلكي من بعيد، ولا أحد يُجيبه، كان صوت "ربّاني" قائد "كتيبة الشهداء الخاصة"، تلك الكتيبة التي عملتُ فيها "دليلاً" في يوم من الأيام، كان جهاز اللاسلكي الخاص بالكتيبة مرميًّا على بعد خمسة أمتار مني، كانت كلمات "ربّاني" تتردّد في ذهني:
- "تكلّم يا قاسم، ماذا حصل في الجادة؟ قاسم، قاسم طالب! تكلّم يا عزيزي قاسم، قل لي ماذا حدث؟ أنتم الآن في أيّة نقطة على الجادة؟  قاسم، قاسم قاسم، طالب قاسم هل تسمعني؟ ثم قال بصوت حزين: "هل يعني هذا، أنهم قد استشهدوا جميعًا؟ ... هل من أحد يسمعني؟ يا ويلنا بقينا أحياء! هل نعود لنقول: الجميع استشهدوا، ونحن بقينا أحياء... قاسم".

سمعت صوت بكائه في اللحظات الأخيرة قبل أن ينقطع الاتصال، , جمعت كل الوثائق والبطاقات والصّور التي كانت معي، وفي اللّحظات الأخيرة، حفرت التراب إلى جانبي ودفنت فيه: بطاقة هويتي، بطاقة دورة التدريب، بطاقة إنهاء دورة تخصّصية في المتفجّرات والصادرة عن مقرّ النّجف الأشرف في كرمانشاه، صور أبي وإخوتي الثلاثة معي: "السيّد هدايت الله، والسيّد نصرت الله، والسيّد قدرت الله، وكذلك صور السيد هدايت الله، والسيد نصرت الله باللباس العسكريّ للحرس الثوري، وسبعمائة وخمسون تومانًا، ثمّ رميت "البلاك"  في مكان قريب، حتى إذا قتلني العراقيّون الآن، فسيُعرف مكان شهادتي في يوم من الأيام".

دفعتني شدّة العطش إلى محاولة الشّرب من المعبر المائي القريب، لم أعد أستطيع تحمّل العطش، فلو وُضع الألم في كفّة ميزان، والعَطش في الكفّة الأخرى لتساويا. لم يكن ماء المعبر صالحًا للشّرب. مستوى الماء كان منخفضًا عن الجادّة حوالي المترين، تحمّلت الألم وزحفت نحو القَصَب والماء، ساحبًا قدمي المعلّقة بساقي، أخذتُ خُوذةً معدنيّة لأحد الشهداء من داخل حقل القصب، لكن يدي لم تصل إلى ماء الجزيرة، حاولت أن أُنزِل الخُوذة, لآخذ غرفة ماء، لم أستطع، فلو تقدّمت أكثر لوقعت في الماء وغَرقتُ. تَسَبَّبَ الضعف الشديد بأن تقع الخوذة من يدي، وتعوم بعيداً في مياه الجزيرة.

تمكنت بصعوبة بالغة من الاستدارة والعودة، انفجرت عدّة قنابل يدويّة بالقرب منّي، كان العراقيّون على بعد أمتارٍ من الخندق، كانت الساعة الثانية عشرة والنصف، عيناي ترصدان الطريق أمامي، لا أعلم متى يصلُ العراقيّون إليّ. جلستُ خلف مستديرة "تشراغتشي" , مقابل موقع "بيت اللهي"، وضعت يديّ خلفي على الأرض كي أستند عليهما.

كانت عيناي مركّزتان على حافّة الخندق، حين ظهر فجأة ثلاثة أو أربعة جنود عراقيين، صعدوا إلى أعلى الخندق، أدركت من نظراتهم أنهم خائفون من مفاجأة تظهر عليهم من خندقنا، رموا عدة قنابل يدويّة على بعد حوالي عشرة أمتار منّي. أصابت شظية إحدى القنابل يدي اليمنى، رآني أحدهم فصوّب رشّاشه عليَّ صارخًا:
- "لا تتحرّك"
تابع وأنا أنظر إليه:
- "ارفع يديك"
رفعت يديَّ، فقال بصوتٍ مرتفعٍ:
- "ارمِ سلاحك"
لم يكن معي سلاح حتى أرميه، تابع الجندي الذي كان يحمل رشّاش "غرينوف":
- "يلّلا، تقدّم، بسرعة....".

كرّر هذه الكلمات كثيرًا إلى درجة أنّها ما زالت في ذهني حتى الآن. أظنّ أنّه كان لصمود الشباب تأثيره الواضح عليهم, ليردّدوا عشرين مرة: "ليش ما تسلّموا أنفسكم؟!".

كنت قد ألقيت سلاحي في مياه المعبر، تقدّم جنديٌّ آخر ونصب العلم العراقيّ فوق حافّة الخندق، لا تزال صورة الجنديّ الأوّل الذي أسرني محفورة في ذهني، شابٌّ نحيل الجسم، غائر العينين، ذو بشرة سمراء، يرتدي بذلة مرقّطة


-----------------


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

منجاوي

مشرف
مشرف











مُساهمةموضوع: رد: معركة توكلنا على الله الثانيه ...... تحرير جزر مجنون يونيو 1988    الإثنين يونيو 29 2015, 16:47

ابدعت دكتورنا. لم اكن اعرف عن توافر شهادات ايرانية عن الحرب. عموما، اهم نقطة كانت انتقاد اداء المدفعية العراقية. مع الاسف سمعت هذا الموضوع من محللين اجانب و اليوم من شهادة مقاتل ايراني. هنا مشكلة بسوء التوجيه و البطء بتغيير مواضع القصف.

النقطة الثانبة المدهشة هي ان العراق حشد 6 فرق للقتال في هذه المعركة فقط. و  افتتحت مصر حرب 1973 ب 8 فرق! و هنا يظهر تطور قدرات العراق على المناوره على مستوى الفيالق بعد رفع الجاهزية القتالية للجيش بعد خسارة الفاو
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

mi-17

مشرف
مشرف

avatar








مُساهمةموضوع: رد: معركة توكلنا على الله الثانيه ...... تحرير جزر مجنون يونيو 1988    الإثنين يونيو 29 2015, 22:05

منجاوي كتب:
ابدعت دكتورنا. لم اكن اعرف عن توافر شهادات ايرانية عن الحرب. عموما، اهم نقطة كانت انتقاد اداء المدفعية العراقية. مع الاسف سمعت هذا الموضوع من محللين اجانب و اليوم من شهادة مقاتل ايراني. هنا مشكلة بسوء التوجيه و البطء بتغيير مواضع القصف.

النقطة الثانبة المدهشة هي ان العراق حشد 6 فرق للقتال في هذه المعركة فقط. و  افتتحت مصر حرب 1973 ب 8 فرق! و هنا يظهر تطور قدرات العراق على المناوره على مستوى الفيالق بعد رفع الجاهزية القتالية للجيش بعد خسارة الفاو

التعبئه السوقيه للجيش العراقي ارتفعت تدريجيا اثناء الحرب العراقيه-الايرانيه 
ففي بدايه الحرب كانت المعارك تخاض على مستوى لواء او فرقه " وحتى المعارك الكبيره عام 1982 كان مستوى التعبئه في حدود فيلق لا اكثر "
لكن ابتداءا من العام 1987 وتزايد حجم الهجمات الايرانيه وتاثيرها وزخمها , ارتفت مستويات النقل والدعم اللوجستي العراقي وارتفعت ايضا مستويات عمل القاده العسكريين العراقيين بفعل الخبره والحريه النسبيه التي تمتعت بها العسكريه العراقيه خلال اخر سنه من الحرب 


للاسف هذا المستوى من التعبئه لم يلائم مستوى الحرب ضد امريكا سواءا عام 1991 و 2003 
فالحرب مع امريكا تقتضي ان تكون باسلوب الحرب غير النظاميه وبمستويات حظيره او فصيل او سريه 
وهذا الامر قدم كمقترح من الفريق الركن رعد الحمداني والذي كان قائد فيلق حرس جمهوري قبيل حرب 2003 ولم يحظى مقترحه بالترحيب من قبل باقي رئاسه اركان الجيش او حاى الحرس الجمهوري 
وبالتالي خاض العراق حروبه اللاحقه بمستوى التعبئه الكبير وخسرنا جراء هذا الامر الكثير من التضحيات 


---------------


بالنسبه للشهاده الايرانيه وبعيدا عن ماورد فيها من مقاطع عاطفيه تقتضيه كتب ادب الحروب فان لي الملاحظات التاليه :


1- العسكري الايراني صاحب الشهاده كان يقاتل وهو بعمر 16 عاما فقط وهذا يدل على مستوى الاستنزاف البشري الذي عانت منه ايران 
2- الشهاده الايرانيه تقول بان ايران كانت تعرف بنيه العراق الهجوم على جزر مجنون , لكن لم يذكر الشاهد الايراني اي دلاله على قدوم تعزيزات ايرانيه للقاطع قبل المعركه 
بل وحسب الشاهد لم تمتلك القوات المدافعه عن الجزر اي كفايه من الاعتده رغم ان المعركه استمرت لساعات فقط 
وهذا يدل اما ان الجيش الايراني كان قد استنزف تماما او ان القياده الايرانيه قصرت في تقويه القاطع 


3- لو لاحظنا الشهاده لوجدنا خلوا من ذكرها اي ضابط او عسكري في الجيش الايراني النظامي , جميع القوات الموجوده كانت من الباسدران " الحرس الثوري " والبسيج " المتطوعين " 
وعلى الرغم من محاوله تلميع صوره المقاتلين الايرانيين فان ادائهم لم يكن منضبطا على الاطلاق 
الشاهد يقول بان قائد الحرس الثوري امر قوات الحرس الثوري بالانسحاب لكنها فضلت البقاء والمقاومه !! وهذا يكسر تماما اي ضبط عسكري موجود 
لو تم هذا الامر في اي جيش نظامي في اي دوله في العالم وفي اثناء الحرب لتم ارسال الكثير الى المحاكم او ربما ساحات الاعدام 


4- رأينا وفقا للشهاده الايرانيه مدى الدفع العقائدي المعنوي للمقاتلين الايرانيين ومدى تدخل رجال الدين والمأثر التاريخيه الدينيه في الروح المعنويه لهم 


5- وجدنا وفقا للشهاده الايرانيه مدى تمسك الايرانيين بجزر مجنون بحيث قاوم الكثير حتى الموت وهذا يعطي صوره عن مدى فظاعه المعارك التي جرت بين مهاجم مصر على تحرير ارضه وبين غازي متمسك بما احتله 


6- استطيع ان اقول بان معركه مجنون تم حسمها بطريقتين : 
- القصف المدفعي الكثيف 
- قيام القوات العراقيه بالهجوم على الاجناب والاحاطه عن طريق الزوارق النهريه او الانزال بالمروحيات او حتى الهجوم المدرع كما حصل في قاطع الفيلق الثالث العراقي 
ويمثل هذا الهجوم بالذات تفوقا بالتكتيك العسكري العراقي " برايي " عن معركتي الفاو والشلامجه 


تحياتي 
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

mi-17

مشرف
مشرف

avatar








مُساهمةموضوع: رد: معركة توكلنا على الله الثانيه ...... تحرير جزر مجنون يونيو 1988    الثلاثاء يونيو 30 2015, 00:01

الخريطه التي رسمها الشاهد الايراني ناصر حسيني بور لساحة المعركه 



الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

mi-17

مشرف
مشرف

avatar








مُساهمةموضوع: رد: معركة توكلنا على الله الثانيه ...... تحرير جزر مجنون يونيو 1988    الإثنين يوليو 13 2015, 01:30

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 

معركة توكلنا على الله الثانيه ...... تحرير جزر مجنون يونيو 1988

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 

مواضيع مماثلة

مواضيع مماثلة

صفحة 1 من اصل 1

 مواضيع مماثلة

-
» البوم قديم لمدحت صالح تحت اسم كوكب تاني
» تعويض الاضرار الجسمانية المترتبة عن حوادث المرورفى الجزائر
» وفيات سنة 1988
» لابتوب ملكة بريطانيا

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
المنتدى العسكري العربي :: الأقســـام العسكريـــة :: التاريخ العسكري - Military History :: الشرق الأوسط :: حرب الخليج الأولى-