المنتدى العسكري العربي
عزيزي الزائر / عزيزتي الزائرة

مرحبا بك في المنتدى العسكري العربي

يرجي التكرم بتسجيل الدخول اذا كنت عضو معنا او التسجيل ان لم تكن عضو وترغب في الانضمام الي اسرة المنتدى

سنتشرف بتسجيلك

شكرا

ادارة المنتدى



 
الرئيسيةس .و .جالقوانينبحـثالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 معركة جبل ماوت .....مايو 1987

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة

mi-17

مشرف
مشرف

avatar








مُساهمةموضوع: معركة جبل ماوت .....مايو 1987    الأحد يونيو 28 2015, 23:12

هذه شهاده الفريق اول الركن نزار الخزرجي " رئيس اركان الجيش العراقي السابق " بخصوص احدى المعارك الهامه في الحرب العراقيه-الايرانيه 
هذه المعركة جرت في القاطع الشمالي من جبهات القتال وكان الفريق اول الركن نزار الخزرجي قائد الفيلق الاول العراقي في هذه المعركه 







معركة جبل ماوت .. والعودة إلى قيادة الفيلق الأول

قمتُ مع رئيس أركان الجيش الجديد الفريق الأول الركن سعد الدين عزيز بزيارة إلى قاطع الفيلق الثالث، وأوجزت له الموقف قبل التحاقي مرة أخرى بقيادة الفيلق الأول في كركوك. كانت تشكيلات عدة من الفيلق قد نُقلت للمناورة في قاطع الفيلق الثالث، وأُعيد بعضها متضرِّرًا، فأرسلنا بدلًا منها تشكيلات منتعشة إلى جبهة القتال في معارك الحصاد الأكبر. وكان جهدنا مُنصبًا على إكمال نواقص التشكيلات المتضرِّرة من الأشخاص والتجهيزات والمعدات، وإعادة تدريبها لتكون جاهزة للمناورة في الجنوب عند الطلب، إذ حصدت معارك «الحصاد الأكبر» من جنودنا وضباطنا عشرات الآلاف من الشهداء والجرحى، كما حصدت من الجانب الآخر أكثر من ذلك بكثير. وعندما أشرفت معارك الجنوب على الانتهاء كانت معظم تشكيلات الفيلق قد تكبَّدت خسائر كبيرة في الآمرين والضباط من ذوي الخبرة والتجربة، واضطررنا إلى إشغال مناصب آمري الألوية والوحدات بمن لا تتوافر فيهم الخبرة والكفاية والِقدَم (الرتبة العسكرية) سدًا للشواغر، كما أبقى الفيلق الثالث لديه عددًا آخر من تشكيلاتنا في قاطعه تحسبًا لأي طارئ.
في بداية الشهر الرابع كانت هنالك تحركات إيرانية محدودة في قاطع الفيلق تابعتها استخباراتنا. ولوحظ أن أفرادًا إيرانيين من حرس الخميني بدأوا يتسللون ليلًا، وفي أوقات متقطعة إلى العمق العراقي بمساعدة مسلحي الاتحاد الوطني (جلال الطالباني)، باتجاه جبال قره داغ جنوب غرب مدينة السليمانية. تأكد لنا بعد المتابعة أنهم من لواء رمضان((( وهو لواء قوات خاصة حرس خميني ))) ، حرس الخميني. وتسللت عناصر أخرى إلى مدن السليمانية وسورداش وجم ريزان وأغجلر شمال غرب مدينة السليمانية. وتأكد لنا أنهم ينتسبون إلى اللواءين 605 و606 المحمولين جوًا، وتسللوا إلى مدينة السليمانية حيث تجمعات كبيرة للمتعاونين معهم وللمخرِّبين في جوارها.

علمت استخبارات الفيلق أن اتفاقًا جمع أول مرة بين التجمّعين الرئيسين للمخرِّبين، أي جماعتي مسعود البرزاني وجلال الطالباني، إضافة إلى الحركة الإسلامية في كردستان التي يقودها الملا علي عبد العزيز، والحزب الاشتراكي الكردستاني الذي يقوده محمود عثمان، للتعاون والعمل المشترك في المنطقة الكردية من الشمال، وأن لجانًا مشتركة منهم قد أجرت عددًا من اللقاءات بالعدو الإيراني، وتم عقد اتفاق بينهم لم نتوصل إلى تفاصيله.

بدأتُ بتحليل دلالات هذه المعلومات، وإلى أي الاتجاهات تؤشّر، وكلما تعمقت في التحليل كانت تبرز استنتاجات تجمّعت في الخطوط التالية:

- اتفاق مجموعات التخريب، وبالذات مسلحي الطالباني والبرزاني، وبينهما عداء تاريخي وخلاف كبير، واتفاقهما مع العدو الإيراني يؤشر إلى عمل عسكري مشترك بين المسلحين الأكراد والإيرانيين.
- سيكون العمل بتعرض إيراني واسع بمساعدة ودلالة المسلحين الأكراد ومشاركتهم الفاعلة في أماكن وجودهم في الجبهة وفي عمق المنطقة.
- للعدو والمسلحين الأكراد معلومات جيدة عن ضعف القدرة القتالية لتشكيلات الفيلق بعد معارك الحصاد الأكبر وقلة عددها.
- فشل العدو الإيراني في تحقيق الأهداف الاستراتيجية لعملياته في الجنوب قد يجعله يحاول تحقيقها في الشمال (البطن الرخوة للعراق نتيجة التمرد الكردي، والشك بولاء قطاعات من الشعب الكردي للحكومة المركزية، ومحدودية القطعات العسكرية في قاطعي الفيلق الأول والخامس).
- إن العمل المقبل للعدو والمسلحين الأكراد لن يتحدد بالجبهة أو العمق القريب، بل سيكون بأعماق واسعة يحقق فيها الطرفان أهدافهما. سيقوم المسلحون الأكراد بالسيطرة على المنطقة الكردية في الشمال، وسيقوم مع العدو الإيراني بتحقيق نصر كبير يُضعف قدرة العراق على الصمود من الشمال، بعد أن فشل في تحقيقه في الجنوب في عملياته الأخيرة.
- أخيرًا إذا ما تحقق ذلك، فإن الحلف غير المقدس بين المسلحين الأكراد والعدو الإيراني يطمح إلى تحقيق النصر النهائي للعدو من الشمال، وليس من الجنوب.

تساءلت، إذا كان ما توصلت إليه من الاستنتاجات صحيحًا فما هو السيناريو والأهداف التي سيعمل عليها المسلحون الأكراد والعدو؟ لا شكّ في أن ذلك سيكون بمهاجمة الفيلق الأول وتدميره، والاندفاع إلى العمق، لكن كيف يمكن أن يهاجم العدو الجبهة في أكثر من اتجاه للتواصل مع مقرات مخربي جلال الطالباني وقواهم الرئيسة في مناطق سركلو وبركلو ومالومة وهالدن شرق جبل سورداش، بعد أن يقوم المسلحون الأكراد ووحداتهم الخاصة التي تسربت إلى جبال قره داغ وسورداش وجم ريزان وأغجلر جنوب غرب وشمال غرب السليمانية، بالسيطرة على مضيق بازيان (45 كلم من السليمانية)، ومضيق طاسلوجة (22 كلم من السليمانية) غرب السليمانية، وكلها تقع على الطريق الرئيسة التي تربط السليمانية بمدينة كركوك، لقطع طريق مواصلات قطعات الفيلق في الجبهة مع مقرّ قيادة الفيلق الأول، وخدماته الإدارية في كركوك، والسيطرة على مضيق جبل أزمر شرق السليمانية الذي تخترقه الطريق المؤدية إلى قطعات الفيلق المدافعة عن الجبهة لقطعها عن مناطق إدامتها المتقدمة، ومقرّ الفيلق المتقدم في السليمانية، والإشراف على المدينة والعمل على احتلالها، ويصاحب ذلك قيام حركات تمرد في مدن وقصبات السليمانية وحلبجة وسيد صادق وخورمال ومناطق أخرى، تقودها تنظيمات التخريب الداخلية وخلاياها النائمة.

وبانقطاع طرق إدامة مواصلات تشكيلات الفيلق المدافعة بالجبهة، وتمرد المدن الواقعة على طرق مواصلاتها وأجنحتها ستضعف قطعاتنا وتتداعى وتنهار أمام هجوم عزوم للعدو، وتُفتح الطريق أمامه لاحتلال السليمانية، والتقدم إلى كركوك الخالية من القطعات المقاتلة، ويصبح بإمكانهم (العدو والمسلحين الأكراد) الاندفاع شمالًا إلى أربيل واحتلالها، وقطع الطرق على قطعات الفيلق الخامس المدافعة في الجبهة. وبانهيار الفيلقين سيكون العراق قد فقد جزءًا كبيرًا من قوته العسكرية وقدرته على الصمود، فضلًا عن الوضع المعنوي والنفسي الذي سيكون عليه الشعب وقواته المسلحة، ورجحت أن هجوم العدو سيستهدف قاطعي جوارتة وماوت اللذين يؤديان كلاهما إلى تواصله مع المقرات الرئيسة للتخريب، وإلى السليمانية وكركوك في آنٍ واحد.

أرسلت في طلب آمر مدفعية الفيلق وضابطي استخبارات الفيلق الثاني والثالث، وعرضت عليهم التصور الذي بنيته في ضوء المعلومات التي تجمّعت والاستنتاجات، وسيناريو العمل المعادي الذي أتوقعه في الفترة المقبلة في قاطع الفيلق. وطلبت منهم أخذَ وقتٍ كافٍ للمذاكرة في ما بينهم، وإعطائي رأيهم فيه. عادوا وقالوا إنهم يؤيِّدون ما توصلت إليه، فجمعت هيئة ركن الفيلق وطرحتها أمامهم، وتذاكروا وأيدوا أيضًا أن الصورة التي ذكرتها يمكن أن تحدث. وفي اليوم التالي استدعيت قادة الفرق ومديري الصنوف، وأوجزت لهم المؤشرات والاستنتاجات، وعمل العدو المتوقع في المرحلة المقبلة، وأهدافه الأولية والرئيسة، ثم أخذنا استراحة للغداء، على أن نجتمع بعدها لعرض الإجراءات التي يجب القيام بها لمواجهة ذلك. وفي طريقنا إلى الاجتماع سار بمحاذاتي العميد الركن ناطق شاكر محمود رامز وقال: «سيدي القائد إذا كان الاحتمال الذي ذكرته سيحدث فنحن لن نستطع عمل شيء إزاءه». فرددت عليه: «عميد ناطق، عرفنا الآن ما سيعمل العدو، وفي وقت مبكر، وسنقوم باتخاذ الإجراءات لإفشاله ونكسب المعركة». قال: «لكن يا سيدي لا تتيسّر لنا القطعات الكافية للمواجهة». فقلت: «علينا أن نقوم بأفضل ما يمكن بالمتيسر. وفي الجلسة الثانية من الاجتماع تبلّغون بالتوجيهات التي يجب أن يقوم بها الفيلق، منها:

- تطوير القدرة القتالية لوحداتنا بالتدريب، وفق السياقات الصحيحة، ووفق أساليب عمل العدو المتوقعة.
- تهيئتها نفسيًّا ومعنويًّا، لأن العدو والمسلحين الأكراد سيحاولون التأثير في طرائق إدامة الوحدات المقاتلة.
- إعادة توزيع قطعاتنا في اتجاهات التهديد المتوقع وتهيئة احتياطات محلية من المتيسّر.
- تحسين مواضعنا الحالية وتحصينها، خصوصًا تلك التي في الاتجاهات المتوقعة، وإنشاء مواضع إضافية للتعزيزات التي يمكن أن تُرسل إلينا لاحقًا.
- تحسين مواضع القطعات التي تدافع في المضايق وتحصينها، وتعزيزها بالأسلاك الشائكة والألغام.
- التفكير بالقيام بضربات وقائية قبيل تعرّض العدو لإرباكه وإفشال خططه.
- على القادة التهيؤ لاحتمال قيام أعمال شغب أو تمرد في بعض البلدات والمدن، والتحضير لإفشالها.
- على القادة ألّا يتوقعوا تدخل القيادة العامة بالحجم الذي يحتاجون إليه من التعزيزات في المعركة المقبلة.
- علينا تشكيل آمريات بمستوى مقرات ألوية، وتخصيص وحدة من المغاوير على الأقل في الوقت الحاضر في مضايق أزمر وطاسلوجة وبازيان، وإجراء الممارسات للدفاع عنها، وقيادة التعزيزات التي ستخصص لاحقًا.
- طلبت من هندسة الفيلق تبليط مهبط السمتيّات بالقرب من النادي العسكري (المقرّ المتقدم للفيلق في أثناء المعارك في قاطع السليمانية)، وتوسيعه ليستوعب نزول ما لا يقل عن 20 طائرة سمتيّة في آنٍ واحد، تحسبًا لانقطاع طريق المواصلات خلال المعركة.
- طلبت من استخبارات الفيلق التنسيق المستمر مع أجهزة الأمن واستخبارات المنطقة الشمالية، والاستخبارات وأجهزة الحزب في المحافظة، لمتابعة تحركات المسلحين الأكراد، وكشف تنظيماتهم الداخلية وخلاياهم النائمة والمتعاونين معهم».

أسقطنا استهداف تدمير مقرات مخربي الاتحاد الوطني وتجمعاته الرئيسة قبل العملية المتوقعة، لعدم تيسر القطعات. وتساءلوا عن موعد العمل المعادي، فأخبرتهم ليس قبل شهر أو شهر ونصف شهر من الآن. وبعد الانتهاء من تبليغ القادة ومديري الصنوف والخدمات في الفيلق، كتبت بذلك إلى رئاسة الأركان، ونسخة إلى القيادة العامة للقوات المسلحة، مديرية الاستخبارات العسكرية العامة.

بعد بضعة أيام، وصلنا رئيس أركان الجيش الفريق سعدي عزيز ومعاونه للعمليات الفريق ثابت سلطان واللواء صابر الدوري مدير الاستخبارات، وبصحبتهم الفريق عبد الجبار شنشل رئيس أركان الجيش الأسبق ووزير الدولة للشؤون العسكرية (أرسله القائد العام) فأوجزت لهم ما نتوقعه من العدو ومن حركات التخريب في قاطع الفيلق، فوجّه رئيس أركان الجيش أسئلته إلى مدير الاستخبارات: «هل رصدتم حركة أو وصول قطعات للعدو إلى قاطع الفيلق؟»، فأجاب: «كلا، لا يوجد أي مؤشر». وطرح أسئلة أخرى يُستدل منها على عدم اقتناعهم بما جاء في تقريرنا الذي رفعناه إليهم أو التحليل الذي عرضته عليهم، وعلّق مدير الاستخبارات مبتسمًا: «عفوًا سيدي الفريق، لكن هذا أشبه بأفلام الكارتون». وعقّب رئيس الأركان أنه لا يتوقع حدوث حتى جزء من الذي أوجزه قائد الفيلق. وأخيرًا تدخل الفريق شنشل، وقال: «فريق نزار أريدك أن تهتم بعارضتي قاية وهرزلة (الواقعتان على مدخل مضيق بنجوين، والطريق المؤدية إلى السليمانية، وهما بعيدتان، ولا علاقة لهما بالتهديدات التي أوجزتها لهم). وانتهى الاجتماع، وعادوا بعده إلى بغداد.

بعد فترة زارنا الرفاق عزت الدوري، ورئيس لجنة شؤون الشمال وعلي حسن المجيد عضو القيادة القطرية، وأمين سرّ الحزب في الشمال، وكانوا في زيارة إلى المحافظة وفرع الحزب في السليمانية، والظاهر كان لديهم معلومة من الرئيس عن تقريري عن التهديدات المقبلة، وأوجزت لهم الخطوط العامة فأيدوا ذلك. فقال الرفيق عزت الدوريّ: «نعم هناك احتمال أن يقوم العدو بالتعاون وحركات التخريب في عمل من هذا النوع».
بعد شهر من زيارة الفريق سعد الدين رئيس الأركان واللواء صابر مدير الاستخبارات بدأت التقارير تتوارد من الاستخبارات العسكرية بحركة قطعات معادية كبيرة باتجاه الشمال، وتوافق ذلك مع رصد استخبارات الفيلق، كما ازدادت كثافة المتسربين من أفراد حرس الخميني إلى عمق الفيلق في جبال قره داغ وحوض جم ريزان وسورداش إلى مقرات المسلحين الأكراد شرق جبل بيرة مكرون. ناورت الأركان العامة بأفواج من الدفاع الوطني من قاطع الفيلق الخامس إلى قاطعنا. وانتقلت ومقرّ الفيلق المتقدم إلى السليمانية. قامت قوة حماية مقرّ الفيلق (سريّة مغاوير ورعيل مدرعات ورشاشات رباعية مقاومة طائرات) بحماية النادي العسكري (مقر الفيلق المتقدم).
.
كانت دوريات الاستطلاع وعناصر الرصد وأجهزة التنصت والرازيت تشير إلى عملٍ معادٍ وشيكٍ خلال الـ 72 ساعة المقبلة، فقررت مباغتة المسلحين الأكراد وضرب وجودهم القريب من قواتنا المخصصة لحماية مضيقي بازيان وطاسلوجة، ودفعهم ومن معهم من أفراد حرس الخميني إلى أبعد ما يمكن من المضايق المسيطرة على طريق السليمانية - كركوك. وتوسيع منطقة سيطرتنا عليها، وتأمين طريق إدامة ومواصلات الفيلق.

مع حلول الظلام قامت قوات حماية مضيق بازيان ومضيق طاسلوجة المعززة بأفواج الدفاع الوطني التي وصلت من الفيلق الخامس بالهجوم، بإسناد ناري من مدفعية الفيلق، وباغتت المسلحين الأكراد، وتمكّنت من دفعهم عن المضايق إلى مسافات تتراوح بين 40 و50 كلم. وفي اليوم التالي قام المسلحون الأكراد وأفراد حرس الخميني بهجوم مقابل، فتراجعت أفواج الدفاع الوطني المعززة بالمغاوير بضعة كيلومترات، وتدخلت السمتيّات المقاتلة ونيران المدفعية وتمكَّنت من إيقافهم. استقر الموقف بعد أن تمكَّن المغاوير وأفواج الدفاع الوطني من توسيع مناطق سيطرتنا إلى أكثر من مسافة 30 كلم على جانبي الطريق الرئيسة التي تربطنا بكركوك، وكان هذا أكثر من كافٍ لحماية طريق مواصلاتنا مع كركوك. كان تنفيذ عمليتنا في هذا التوقيت مفاجأة للعدو والمسلحين الأكراد الذين كانت الصفحة الأولى لخطتهم التعرضية احتلالَ المضايق وقطع خطوط مواصلاتنا، قبيل هجوم العدو الرئيس على قطعاتنا في الجبهة. بعد انتهاء هذه المعركة انتقلت بمقري الجوال إلى معسكر سيتك الواقع على مسافة كيلومتر واحد شرق جبل أزمر متوقعًا أن يشنّ العدو هجومه هذه الليلة.

تعرض العدو والمسلحون الأكراد ليلًا في اتجاهات عدّة، حيث هاجموا مواضعنا الأمامية في قاطعي جوارتة وماوت، وهاجم المسلحون الأكراد جبل ومضيق أزمر على طريق جوارتة - السليمانيّة، وعارضة كاريزة المسيطرة على طريق جوارتة - ماوت (تقع قرية ومخفر كاريزة على منتصف الطريق بمسافة 15 كلم من مدينة جوارتة، ونحو 20 كلم من ماوت، ومن كاريزة أيضًا تتفرع طريق تمتد غربًا إلى مقرات المسلحين الأكراد الرئيسة في سركلو وبركلو وهالدن ومالومة الواقعة على مسافة 15 - 25 كلم منها). وفي الليلة نفسها اندلعت أعمال شغب ومحاولات تمرد في بلدتي سيد صادق وحلبجة. مع الفجر كانت الفرقة 34 في جوارتة قد تمكَّنت من صد هجوم العدو وأجبرته على الانسحاب، وفي ماوت كان الموقف أكثر تعقيدًا إذ تمكَّن العدو بدلالة المسلحين الأكراد من التسلل من وادٍ يقع في الجناح الأيمن من عارضة ماوت التي يدافع عنها لواء من الفرقة 44، وكان فوج من أفواج الدفاع الوطني يدافع عن الوادي (لعدم تيسر القطعات) قد انسحب من مواضعه حال تقدّم العدو، فانفتحت الطريق أمامه لتطويق مواضع وحدات اللواء التي تدافع في عارضة ماوت، والتي كانت تتعرض في الوقت ذاته لهجوم جبهوي شديد.

تمكَّن المسلحون الأكراد أيضًا مع متسللين من حرس الخميني من السيطرة على العارضة التي تقع غرب تقاطع طريق كريزة ((( تقاطع طريق كاريزة يقع في منتصف المسافة بين جوارتا وماوت ))) مباشرة، وأصبحت تصيب بنيرانها الطريق التي تربط ماوت بجوارتة والسليمانية.
وفي مرتفعات أزمر هاجم مسلحو الاتحاد الوطني مع مجموعات من لواءي 605 و606 الإيرانيين قوة المضيق (قوة مرتبة بحجم فوج مشاة مع رعيل دبابات)، وتمكنوا من إجبارها على التراجع إلى موقع أبراج مرسلات التلفزيون التي تقع إلى الغرب مباشرة من الطريق، وانقطع الاتصال بآمر القوة. وكنت من المقرّ الجوال للفيلق في سيتك أتابع معركة أزمر التي تجري خلفي مباشرة، وأشاهد تبادل النيران بين الطرفين. وكان مع المقرّ الجوال للفيلق وحدة مغاوير وفوج دفاع وطن ((( الفوج 80دفاع وطني ومستشاره الشيخ علي شعبان وكان من أفواج الدفاع الوطني المتميزة وكان مقاتلوه من أكراد العمادية ))).
 ومع الفجر كان القتال يدور في مرسلات التلفزيون بين من تبقى من جنودنا في أزمر والمسلحين الأكراد، فقمنا بشن هجوم مقابل بوحدة المغاوير وفوج الدفاع الوطني، وتمكنّا من إجبارهم على الانسحاب، فتركوا جثث قتلاهم على أرض المعركة. وعثرنا على جثة آمر القوة مقيدة ومتروكة في مقرّ قوتنا الذي تمكَّن المسلحون الأكراد من احتلاله ليلًا، ولا شك في أنهم أعدموه عند انسحابهم.
 ومن مرتفعات برزنجة الواقعة على مسافة 12 كلم شمال شرق عارضة أزمر تقدمت مجموعات من مسلحي الحزب الديمقراطي الكردستاني (جماعة مسعود البرزاني) لمهاجمة الجانب الشرقي من عارضة أزمر (يبدو أنهم قد تأخروا عن هجوم مسلحي الاتحاد الوطني الذي شُن على غرب العارضة)، وعند الصباح كانوا قد أصبحوا في الأرض المنبسطة المؤدية إلى جبل أزمر، فهاجمتهم سمتيّاتنا المسلحة التي كانت تُقِلّ عددًا من مغاويرنا وأوقعت فيهم الخسائر. وتمكَّن المغاوير في السمتيّات من التقاط من تخلف منهم وأسرهم. وفي مضيقي طاسلوجة وبازيان حاول المسلحون الأكراد مرة أخرى مهاجمة قطعاتنا من المغاوير وأفواج الدفاع الوطني ليلًا، فصدتهم ثم أرسلنا السمتيّات المسلحة نهارًا لمطاردتهم.

تمرد أكراد مدينة سيد صادق، وبشكل أكبر أكراد مدينة حلبجة، فاتصلت بقائد الفرقة 27 العميد الركن صباح نوري في مقرّه في معسكر سيد صادق، وأمرته بمعالجة التمرد في مدينة سيد صادق بعزم وقوة وعلى الفور والتهيؤ بعدها للتقدم إلى حلبجة وإنهاء التمرد فيها.
كانت القوة الصغيرة الموجودة في حلبجة قد تحصّنت في معسكرها وفي مخفر الشرطة، وأخبرتنا بأن مسلحي الحركة الإسلامية (حلبجة مركز نفوذها)، والاتحاد الوطني يجوبون أرجاءه. حذرته من أن استمرار التمرد في هاتين البلدتين يمكن أن يؤدي إلى تمرد مماثل في مدينة السليمانية التي تراقب عن كثب تطور الموقف، ولا أستبعد تمردها إذا استمرت الحالة كما هي هذه الليلة في سيد صادق وحلبجة.
 اتصلت به بعد ساعة، فوجدت أنه لم يتخذ بعد الخطوات اللازمة لإخماد التمرد في سيد صادق، فاتصلت بضابط الركن الثاني استخبارات الفرقة، وكنت أعرفه جيدًا، وطلبت منه إيجاز الموقف في سيد صادق حتى هذه اللحظة، فقال إن التمرّد ينحصر في محلة واحدة، ويمكن أن ينتشر إلى بقية البلدة، وإن المسلحين الأكراد قد احتلوا وادي زلم (منطقة تتوسط طريق سيد صادق - حلبجة، وتتخللها سواقٍ وأنهر صغيرة وتكتنفها الأشجار المتشابكة، كان المسلحون الأكراد يستهدفونها لقطع الطريق إلى حلبجة في الفترات السابقة). فقلت له: «يبدو أن قائدك لم يستوعب بعد خطورة الموقف؛ بلِّغه بأني كلفتك شخصيًّا بأن تقود قوة لمحاصرة التمرد وإنهائه فورًا، وأن يهيّئ وحدة مغاوير وسريّة دبابات للتحرك إلى حلبجة، وإني قادم على الفور».




طلبت من رئيس الأركان أن ينقل فوج دفاع وطني (حددته بالاسم) من قلعة دزة ((( قلعة دزة هي مركز قضاء قلعة دزة الحدودي ))) إلى سيد صادق على الفور (أفواج الدفاع الوطني من عشائر السليمانية لا تميل إلى مقاتلة المسلحين من أهالي وعشائر المحافظة لأن وشائح القربى والعشائرية تربطها بهم)، وأقلتني طائرة سمتيّة إلى مقرّ الفرقة 27 في سيد صادق، وعندما وصلت كان ضابط استخبارات الفرقة قد تمكَّن من إخماد التمرد والقبض على بعض المتمرِّدين، وشرع في تفتيش المحلة المعنية بحثًا عن الآخرين. التقيت قائد الفرقة فعنفته لبطء إجراءاته، وعدم استيعابه خطورة الموقف، وبعد تكامل نقل فوج الدفاع الوطني من قلعة دزة إلى سيد صادق تقدّم رجاله مع المغاوير والدبابات إلى حلبجة، واصطدموا بالمسلحين الأكراد في وادي زلم، وتمكنوا من اقتحام الوادي وتطهيره، واستأنفوا تقدمهم إلى حلبجة، ولمّا شاهد المتمرِّدون في حلبجة تقدّم قواتنا مع الدبابات هربوا إلى الحدود مع إيران، وقامت القوة بتفتيش البلدة وإلقاء القبض على المشبوهين.
في ماوت كان الاتصال قد انقطع بمقرّ اللواء الذي يدافع عن عارضة ماوت، واستطاع الإيرانيون احتلال مواضع بعض وحداته، وكما ذكرت آنفًا، كانت الطريق التي تؤدي إلى ماوت بمتناول نيران وهاونات المسلحين الأكراد في العارضة التي تقع غرب الطريق في تقاطع كاريزة، الأمر الذي جعل التواصل مع القطعات الأمامية عملية محفوفة بالمخاطر، فحرّكنا بعض أفواج الدفاع الوطني إلى كاريزة مع وحدة مغاوير، وحرّكنا عددًا من كتائب المدفعية وبطاريات الهاونات الثقيلة لإسناد القاطع، وهيأنا بعض الوحدات من قواطع الفرق الأخرى.

كان الإيرانيون قد تسللوا ليلًا إلى مقرّ اللواء في ماوت بدلالة ومشاركة المسلحين الأكراد، وتمكنوا من اقتحامه وأسر آمر اللواء، وعندما تعرّض الذين أسروه لنيران مدفعيتنا هرعوا إلى المواضع القريبة للاحتماء، فواتت آمر اللواء الفرصة ليهرب عائدًا إلى خطوطنا. أوعزت إلى قائد الفرقة بتعزيز المواضع التي بقيت تحت سيطرتنا في عارضة ماوت ومنع العدو من إكمال احتلالها، وشرعنا في معالجة الموقف في كريزة لفتح الطريق إلى القطعات الأمامية، وقامت وحدة مغاوير وفوج دفاع وطني بالهجوم على المسلحين الأكراد في عارضة كاريزة بإسناد المدفعية والهاونات، لكنهم لم يتمكنوا من إزاحتهم، ودافعوا عنها بقوة لإدراكهم أهميتها في معركة ماوت المقبلة. كانت أفواج الدفاع الوطني، في الأيام الأربعة التي تلت، تهاجمهم بإسنادٍ من المغاوير المرة تلو الأخرى ليلًا ونهارًا، حتى تمكَّن أخيرًا فوج من عشيرة الجاف يقوده نبر الجاف (نبر الجاف شاب وسيم جدًا في منتصف الثلاثينيات يتميز بالشجاعة والخلق الرفيع، والده وأعمامه شيوخ قبيلة الجاف، وهي من أكبر العشائر الكردية، وكانوا مستشاري شاه إيران الذي كان يكنّ لهم احترامًا لمنزلتهم بين الأكراد) مع المغاوير من اقتحام العارضة بعد اشتباكات بالرمانات اليدوية، وتمكّنوا من انتزاعها من أيدي المسلحين الأكراد، وفتح الطريق أمام قطعاتنا في ماوت.

فيما كنا نقاتل في ماوت وكاريزة كان الوضع يتفاقم في مدينة السليمانية والمناطق المحيطة بها بعد أن بدأت بعض أفواج الدفاع الوطني تتمرد على مستشاريها، وتترك العوارض المكلفة بحمايتها، إذ أُشيع أن العدو الإيراني والمسلحين الأكراد سيدخلونها وبقية مدن المحافظة خلال بضعة أيام. قام مستشارون كثر بشراء الذهب من أسواق المدينة، وساد جو من الذعر والخوف بينهم. وعاد عدد كبير من المقاتلين إلى قراهم، وكان فوج من العشائر السبعة يقوده الشيخ عبد الغفور السلفاني مكلفًا بحماية طريق سورداش المؤدية إلى دوكان، فسمع مقاتلوه بالشائعات عن سقوط السليمانية قريبًا بيد الإيرانيين فتركوا رباياهم التي تحمي الطريق، وعاد بعضهم إلى قراه في محافظة أربيل. أرسلت في طلب الشيخ عبد الغفور مستشار الفوج، وكان رجلًا وقورًا وكبير السن فسألته: «لماذا ترك الفوج، واجبه؟»، فأجابني أن الذعر قد تملّكهم فتمردوا عليه، وهو لا يملك أن يفعل شيئًا، «وأنا أضع نفسي أمامكم لتحاسبوني». قلت له: «أقدّر صدقك، لكني لن أعيدك. أريد منك إعادة تنظيم فوجك بمن تبقى وبمن تعرفهم من الأهل والأقارب من منتسبيه».

وصل تأثير الإشاعات حدًا دعا آمر الفوج الأول دفاع وطني الشيخ لطيف الزيباري (من ألد أعداء الملا مصطفى الذي قتل والده والعديد من إخوته وأقرب أقاربه، وقدّمت العشيرة تضحيات كبيرة في صراعها مع البرزانيين على مدى عشرات السنين) إلى طلب مقابلتي فاتصلت هاتفيًّا بأخيه أرشد الزيباري، وزير الدولة، وسألته أن يحضر على الفور. كنت أعرف الشيخ لطيف الزيباري جيدًا، وأعرف مدى صلابته وصدقه، لكنه جاءني محبطًا ومتعبًا، وقال: «سيادة الفريق أنا أعتقد أن الإيرانيين والمسلحين الأكراد سيدخلون السليمانية، وسيسندهم أهاليها، ونحن لن نستطيع أن نفعل إزاء ذلك شيئًا، وأخشى أن لا يطيعني أفراد عشيرتي إذا حدث ذلك» (الزيباريون من البهدينانيين الذين يسكنون محافظة دهوك، وبعضًا من أربيل، ويعتبرون أنفسهم غرباء عن أهالي السليمانية من السورانيين). قلت له: «شيخ لطيف، نحن نعمل معًا من سنين، وقاتلنا في أصعب الأوضاع، هل تعتقد أن العدو سيدخل السليمانية، وأنا موجود؟». فنظر إلي مليًّا، ثم قال: «كلا، لن يدخلوا ما دمت موجودًا». فسحبته من يده، وقلت له: «إذًا تعال معي لنتناول الغداء معًا».

في اليوم الذي استعدنا فيه عارضة كاريزة، وصل الرفيق علي حسن المجيد عضو القيادة القطرية، وطلب مني جمع مستشاري الأفواج لنقل تحيات الرئيس إليهم وثقته بهم، فتجمّعوا في قاعة في النادي العسكري، وبدأ الرفيق علي في إلقاء كلمة نقل فيها تحيات الرئيس وأثنى على إخلاصهم للعراق والوطن. وفي أثناء حديثه، دخل القاعة نبر الجاف العائد توًا من معركة كريزة التي قاد فيها فوجه بشجاعة بالغة، وتمكَّن من احتلالها، وكان وجهه الوسيم مغطى بدخان المعركة، ورفع يده مستئذنًا في الكلام، وقال وهو لا يزال في نشوة نصره بالمعركة: «الرفيق علي حسن المجيد عضو القيادة، الإخلاص يترجم في ساحة القتال، وليس بالأقوال». فإذ بالرفيق علي يصرخ به بصوت هيستيري: «إكعد (اقعد) لا تتكلم مثل هذا الكلام السخيف، إكعد». فاجأني الرفيق علي بصراخه، فقلت: «لا يا رفيق علي. ما هذا الكلام؟ نبر عاد لتوّه من معركة قاد فيها رجاله، وانتزع هدفه من أنياب المسلحين الأكراد».

كان نبر واقفًا في أثناء صراخ الرفيق علي شاحب الوجه والعرق يتصبب منه ثم جلس صامتًا وعيناه شاخصتان إلى الأرض، ولم يرفعهما حتى نهاية الاجتماع، فاستدعيته وحاولت التخفيف عنه وتطييب خاطره، فامتدحته ومقاتليه وأشدتُ بشجاعته وإقدامه، وقلت: «أعتقد أن السكر قد ارتفع عنده (كان الرفيق علي مريض بالسكر)، ولم يفهم ما كنت تقصده بكلامك»، فقال والألم يعتصر وجهه: «سيدي القائد لقد أهانني أمام كل شيوخ العشائر، وبعضهم كان يعمل «قهوجي» عندنا، أما أنا كشخص فقد انتهيت»، فأعطيته اثني عشر وسامًا، وقلت له: «هذه لك ولفوجك. ولك أن توزعها كما تشاء»، فأخذها وناولها لمرافقه من دون أن ينظر إليها، واستأذن بالذهاب.




في الأيام التالية بدأ أفراد فوجه بالتسرب إلى إيران عبر نهر السيروان الحدودي بالقرب من حلبجة، فاستدعيته وكنت واقفًا في باب النادي العسكري عندما أقبل لمقابلتي، وكان إلى جانبي آمر المدفعية وضابط استخبارات الفيلق، كنت أحبه حقًا لشجاعته وعلو أخلاقه، فرحّبت به وقلت له: «نبر وردتني معلومات بأنك تنوي الهرب إلى إيران، وأقول لك، وأنا أعني ما أقوله، إذا كنت تنوي مغادرتنا فإني مستعد أن أرسل معك من يصاحبك، ويساعدك في عبور الحدود».
كان ينظر إلى الأرض وأنا أكلمه ولم ينظر إليّ ولم يردّ، فقلت: «نبر إذا عبرت إلى الجانب الآخر أرجو ألّا تقاتلنا». ورفع رأسه عن الأرض أول مرة، ونظر في وجهي وهو يقول مستنكرًا والألم في نبرات صوته: «أنا أُقاتلك؟ حاشا لله». وتركنا وذهب، وبعد يومين أو ثلاثة عبَرَ نبر الجاف الحدود إلى الجانب الآخر.

بعد بضعة أيام حضر إلى مقرّ الفيلق ولدا عمّ نبر الجاف (خسرو وكسرى) ((( خسرو وابن عمه كسرى كانا من مستشاري شاه إيران قبل سقوطه ، وهما من التي ترئس قبائل الجاف القوية والتي تعيش على جانبي الحدود بين العراق وإيران ، خسرو مهندس معماري وفنان تشكيلي معروف ))) للاعتذار عن هروب نبر وأفراد فوجه، وكانا محرجين ومتخوفين من ردات فعل قيادة الفيلق لما حصل، فأكدا إخلاصهما وولاءهما للعراق والرئيس، وكان ردي أن نبر كان من أكثر المستشارين شجاعة، وأفضلهم خُلقًا، وما حصل كان تصرفًا متوقعًا من شيخ ومقاتل وإنسان يحترم نفسه ويعتز بكرامته ولا يرضى بالإهانة من أيٍ كان، ولو كنت مكانه لفعلت ما فعله. وقلت لهما: «لقد عرضت عليه بعد أن علمت بنيّته الهروب أن نوصله نحن إلى الحدود، وكنت أعني ذلك وقد وعدني بأنه لن يقاتلنا، وأرجو أن يحافظ على وعده».
فوجئ ولدا العمّ بما سمعاه، إذ كان ذلك آخر ما كانا يتوقعانه، فدمعت أعينهما تأثّرًا ونهضا لمصافحتي، وكلّ منهما يشد بكلتا يديه مودعًا، وخرجا وهما يتمتمان بكلمات الشكر والامتنان.

بعد استعادة عارضة كاريزة تفرغت لإدارة معركة ماوت حيث كان يدور على الجبال قتالٌ دامٍ. كنت أعتمد كثيرًا على مصادر المعلومات التي استحدثناها في الفيلق لمتابعة تحركات العدو ومعرفة نيّاته، والتعامل معها لإيقاع الخسائر بهم قبل المعارك وفي أثنائها وبعدها.
 كانت مصادر المعلومات هذه عبارة عن مجموعة عمل مشترك بين أجهزة الرازيت وطوائفها ذوي الخبرة والكفاية من خريجي الكليات المجندين، وأجهزة التصنت على مكالمات العدو في الجبهة، وعناصر رصد استخبارات الفيلق، وجماعات الاستطلاع العميق، ورصد ضباط المدفعية، وأجهزة رادار السامبلن لتحديد أماكن هاونات العدو، وكان لدينا عدد منها. كانت كل مجموعة من هذه المجموعات تغطي قطاعًا من الجبهة، وترسل معلوماتها إلى المجموعة الرئيسة في استخبارات الفيلق التي تقوم برسم الصورة الكاملة مما نقلته المجموعات في الجبهة، ثم تقوم بجمعها وتحليلها والخروج باستنتاجات على شكل معلومات على درجة عالية من الصدقية والثقة. لذلك كنا غالبًا ما نعرف نيّات العدو وتحركات تشكيلاته بدقة بالغة (من أين، وإلى أين، وما هي الطريق، والنيسم الذي يسلكه، وبطء تقرُّبه أو سرعته) كذلك مناطق مدفعيته وهاوناته، ونتعامل مع هذه المعطيات في إدارة معاركنا، وكانوا مع آمري المدفعية والمخابرة، وضابط الركن الثاني استخبارات إلى جانبي في إدارة المعارك.
على الرغم من أننا في معارك ماوت - جوارتة الحالية كنا نقاتل في الجبهة والأجنحة والخلف، وفي المدن والقصبات في آنٍ واحد (قتال على 360 درجةٍ، وقد يصح القول أحيانًا على 720 درجة على الرغم من خيالية هذا الوصف!!) إلا أننا لم نفقد توازننا، وفعلنا في الاتجاه الصحيح والأسبقيات في العمل، ويعود فضلٌ كثيرٌ في ذلك إلى دقة عمل هذه المجموعات.

تمكَّن العدو من احتلال الجزء الأكبر من جبل ماوت، وكان قائد الفرقة يقوم بهجمات مقابلة بمجموعات صغيرة، وبإسناد مدفعي كبير، وتمكَّن من الاحتفاظ بجزء منه. وكانت المعلومات المسترقة تؤكد تكبد العدو خسائر لم يتوقعها في محاولاته إكمال احتلال العارضة وتطوير هجومه. وعندما وصلنا إلى مقرّ الفرقة المتقدم في ماوت كان العدو يتهيأ لهجوم كبير لإكمال احتلال العارضة، واستقدم لواءين لهذا الغرض ليلًا. كنا نتابع حركة اللواءين وتقدُّمهما، وحددنا النياسم التي يتنقلان عبرها والأماكن التي يمران بها (من خلال عمل ورصد مجموعات المعلومات) فهيأنا مدفعية الفيلق، وشرعنا بمعاقبتهم بنيرانها المختلفة (مهداد وانفلاق جوي) (((المهداد نوع من العتاد (الذخيرة) يطلق على عتاد شديد الانفجار (HE) )))بحسب طبيعة الطريق أو النيسم. كانت الأرض التي يتنقلون عليها منبسطة، أو متكسرة، وسواء أكانوا في مرتفع أم في وادٍ كنا نتابعهم خطوة بعد أخرى، ونؤشّرها على الخرائط ونعالجها بالنيران المناسبة، ونتابع رسائلهم المتبادلة لمعرفة ردات فعلهم، فإذا ذكروا أن نيراننا تؤثِّر فيهم نكثفها، وإن ذكروا أنها تقع في مناطق أخرى نصحح نيراننا، واستمرت معالجتهم من دون توقف حتى ساعة متأخرة من الليل، عندما أرسل آمرا اللواءين برقياتهما ليبلغا مرجعهما بأن قواتهما تكبَّدت خسائر كبيرة، وستعود إلى الخلف لإعادة التنظيم. ولم يحدث الهجوم الكبير الذي خططوا له.

في ليلة أخرى كانت قطعاتنا تشتبك مع العدو في جبل ماوت، وكانوا قد أرسلوا لواءً للقيام بعمل على جناح الجبل الأيمن، فأرسلنا برقيات ورسائل مفتوحة بأن مواضعنا في جبل ماوت تتعرض لقتال شديد، وعلى وشك السقوط فالتقط القائد الإيراني هذه الرسائل، وأمر اللواء المكلف بالعمل على الجناح بتغيير اتجاهه لمساعدة قطعاتهم التي توشك على إزاحة قواتنا من جبل ماوت، وتقرّب اللواء من هذا الاتجاه، وشرعت مدفعيتنا بمتابعته وقبل وصوله إلى جبل ماوت كان قد أُثخن بالخسائر، وانكفأ عائدًا من حيث أتى.
 هكذا كان العمل اليومي لنا مع قيامنا بهجمات محدودة بنيران كثيفة تقابلها هجمات معادية، واستمر القتال لمدة أسبوعين على العارضة، وعلى الرغم من أن هجماتنا كانت بعددٍ قليلٍ من القطعات، إلّا أننا استنفدنا ما لدينا، وأصبحنا في وضع حرجٍ على الرغم من كل ما اتخذناه من إجراءات، وقلت لهيئة ركن الفيلق: «أخشى أننا لن نستطيع الاستمرار لفترة أطول إذا استمر العدو بهذا الزخم».






فجأة توقف القتال وسكنت الجبهة، ولم أستطع حينها أن أعرف لماذا حدث ذلك، وأسباب توقف العدو عن القتال، وفرض العدو الصمت اللاسلكيّ، وأصبح أكثر حذرًا في تحركاته، وكان قد زجّ 45 فوجًا في معركته التي استمرت أسبوعين (ما يعادل 15 لواءً أو خمس فرق) وكانت حساباتنا لوحدات العدو التي شاركت دقيقة وبالأسماء، ولم يكن هناك مجال للخطأ.

عرفت في وقتٍ متأخرٍ من مديرية الاستخبارات العسكرية العامة من خلال أنصار منظمة مجاهدي خلق، ومؤيديهم من الذين يعملون في المجال الطبي في مستشفيات سردشت، والمستشفيات الميدانية على الحدود بأن مجموع جثث قتلاهم التي وصلت مستشفياتهم كانت أكثر من 5500 جثة عدا المتروكة في ساحة المعركة، ومجموع جرحاهم يزيد على 21000 جريحٍ، وتأكدت للاستخبارات العسكرية العامة هذه الأرقام من مصادرها الأخرى، وكانت خسائرنا من الشهداء والمفقودين 860 عدا الجرحى، ولم تتيسر لنا أرقام عن خسائر المسلحين الأكراد والألوية الإيرانية العاملة معهم في العمق العراقي.

.زار مقرّ الفيلق المتقدم رئيس أركان الجيش الفريق سعدي عزيز ومعاونه للعمليات الفريق ثابت سلطان ومدير الاستخبارات العسكرية العامة اللواء صابر الدوري ومدير طيران الجيش اللواء الحكم حسن التكريتي الذي يصاحبهم دائمًا في أثناء معارك الفيلق لعلاقته الوثيقة باللواء صابر، فكنت أوجز لهم مجرى العمليات وأعداد العدو واتجاهات عمله، وإجراءاتنا مع تكرار حاجتنا إلى القطعات لتفوّقه الشاسع، وتحسبًا لما لا تُحمد عقباه.
كان جواب سعدي عزيز دائمًا بعدم تيسرها، وأن اعتماده على الفيلق وقيادته كبير، وأنه سيكون في كركوك إذا استجد أي موقف. وعندما كان يحدث موقف ما كنت أتصل به فيسأل عن إجراءاتنا فأخبره فيثني عليها، ويؤكد أننا اتخذنا الإجراء الملائم، وينتهي الأمر عند هذا الحد. وتكرر ذلك أكثر من مرة، فتوقفت عن الاتصال به. أما معاون رئيس الأركان للعمليات فعلمت من مدير الاستخبارات أنه كان يغادرنا إلى مدينة الموصل ليقضي بعض حاجاته، وأعتقد أن مدير الاستخبارات ومدير طيران الجيش قد أوصلا هذه المعلومات عن رئيس الأركان ومعاونه إلى القائد العام، الأمر الذي أدى إلى إقالتهما بعد انتهاء معارك ماوت.

استشهد قائد الفرقة 44 اللواء الركن جاسم محمد صالح في أثناء تعرّضه لقصف معادٍ في طريق عودته ليلًا من الخطوط الأمامية في ماوت، حينما كان في عجلته مع أحد ضباط ركن الفرقة الذي لم يفطن لموته إلا بعد وصولهم إلى مقرّ الفرقة، فقد أصيب بشظية صغيرة في رأسه وتوفي في الحال، وكان ضابط الركن الذي يجلس إلى جانبه يظن أن قائده كان نائمًا. جرح قائد الفرقة 24 في قلعة دزة العميد الركن زهير يونس الذي استخدمته لقيادة الفرقة 44 بعد استشهاد قائدها، فكلفت اللواء الركن غائب أحمد غائب رئيس أركان الفيلق بقيادتها فجرح هو أيضًا.

بعد هدوء استمر فترة أسبوعين تقريبًا شرع العدو بتعرّضه الثاني فهاجم بقوة وبقطعات متفوقة ما تبقى من عارضة جبل ماوت، واستطاع احتلالها والسيطرة عليها، واندفعت قطعات معادية أخرى إلى العارضة التي تليها (جبل قاشان)، وتمكَّنت من انتزاعها من القوة الصغيرة التي كانت تدافع فيها، وامتد العدو من جبل ماوت إلى جبل قاشان، مسافةً تزيد على 5 كلم غربًا، وأصبح موقف الفيلق حرجًا جدًا، والمعلومات تتوارد عن تدفق قطعات معادية كبيرة أخرى عبر الحدود لساحة عمليات ماوت.





لم تكن احتياطات الفيلق المكونة من بضعة أفواج قادرة على عمل أي شيء، على الرغم من أننا كنا نشن الهجمة تلو الأخرى على الأسنان الغربية المواجهة لنا في جبل قاشان (كل فوج يشنّ أربع هجمات لأربعة أيام متتالية، وبمعدل سريّة لكل هجمة مسندة بنيران مدفعية وهاونات كثيفة، ويتمكَّن من احتلال الأسنان الأمامية من الجبل فيقوم العدو بقصفه ويعقبه بهجوم مقابل، الأمر الذي يُجبر القوة على الانسحاب بعد أن تكون قد تكبَّدت خسائر في القصف المدفعي المعادي لضيق منطقة الأسنان الأمامية للجبل، وعدم وجود أماكن كافية لانتشارها).
 استمر القتال على هذه الشاكلة إلى أن أوعز الرئيس القائد العام بإرسال لواءين من فرقة مشاة بغداد حرس جمهوري، التي كان يقودها اللواء الركن قوات خاصّة كامل ساجت، ووصلت القاطع ومعها قائد الحرس الجمهوري الفريق الركن حسين رشيد ، فأوجزتُ لهما الموقف، وصحبتهما إلى مراصدنا الأمامية لشرحه على الأرض، واقترحت على قائد الحرس أن تقوم قوات الحرس بعد أن أعززها ببضعة أفواج من احتياط الفيلق، بعملية واسعة لطرد العدو من قاشان وجبل ماوت، وذلك بإحاطة العارضتين من الوادي الذي يقع يسار العارضتين (جنوبهما)، وقطعهما عن باقي قوات العدو شرق ماوت والحدود الإيرانية، لكنه لم يوافق وقال: «أنا وقواتي نتقيد بتوجيه القائد العام الذي يقضي باستعادة مواضع العدو في جبل قاشان» ((( أصبح فيما بعد معاوناً لرئيس أركان الجيش ، وبعد إقالتي أصبح رئيساً لأركان الجيش في حرب الخليج الثانية ، وهو معتقل الآن في سجون النظام الحالي ، وقد حُكم عليه بالإعدام )))

فقلت له: «ليس هناك طريق أو نيسم لإدامة الأسنان الأمامية التي نهاجمها يوميًا بحجم سريّة تحتلها إلا بالكاد، فمجموعات الإدامة التي تحمل إليهم الماء والذخائر على ظهورها تشرب أكثر من نصف الماء الذي تحمله كي تصل إليهم، فكيف بإدامة لواءين تعتزم تكليفهما بمهاجمة الجبل واحتلاله، والشيء الآخر أن لا مجال لانفتاح قوة بحجم أكبر من سريّة، فتكديس القطعات على العارضة سيؤدي إلى ذوبان القوة بنيران هاونات العدو ومدفعيته، إضافة إلى استحالة إدامتها»، لكنه أصر على أن واجبه احتلال قاشان وفق توجيه القائد العام.

حدث ما حذّرته منه فقد تمكَّن من احتلال الأسنان الأمامية للعارضة ولم يستطع تطويره لصعوبة الإدامة، وعدم استيعاب ظهر الجبل لانفتاح قوة كبيرة. وبعد خسائر ليست قليلة أعيدت قوات الحرس بعد أن ذكروا للقيادة العامة أنهم تمكنوا من احتلال مواضع للعدو في جبل قاشان (المواضع التي كنا نتبادل السيطرة عليها نحن والعدو يوميًا).
 زجّ العدو في تعرّضه الأخير بـ 83 فوجًا، أو ما يعادل أكثر من 9 فرقٍ، وبلغ مجموع قواته التي شاركت في المعارك في المرحلة الأولى والثانية من معركة ماوت 128 فوجًا، أي ما يعادل أكثر من 14 فرقة، وما يعادل من 7000 إلى 8000 من مسلحي الحركة الكردية ووحدات حرس الخميني التي عملت معهم. واستمرت معارك الاستنزاف هذه أسابيع ثم هدأت تدريجًا، واستقر الموقف بعد أسابيع بعد أن أنهى العدو تعرّضه وخططه الطموحة التي استهدفت احتلال المنطقة الشمالية من العراق بمساعدة مسلحي الحركة الكردية.




الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

mi-17

مشرف
مشرف

avatar








مُساهمةموضوع: رد: معركة جبل ماوت .....مايو 1987    السبت أغسطس 15 2015, 20:59

يقول الفريق الركن وفيق السامرائي " مدير الاستخبارات العسكريه العراقيه الاسبق " بأن معلومات عن نية ايران الهجوم على قاطع جبل ماوت وردت للاستخبارات العسكريه العراقيه من طرف جهاز المخابرات العراقيه 
وان جهاز المخابرات العراقيه حصل على المعلومه من منظمة مجاهدي خلق الايرانيه المعارضه 
ويبدو ان الاستخبارات العسكريه العراقيه لم تلتفت للمعلومه ويعود السبب الى ان " والكلام للسامرائي " جهاز المخابرات العراقي قام بتوجيه انذارات عن نوايا تعرضيه ايرانيه منذ عام 1980-1987 بواقع 256 نية تعرض ايرانيه  لم تكن واحده من هذه الانذارات  صحيحه !!


ولكن المعلومه التي اوردها جهاز المخابرات العراقي عن نيه ايران بالتعرض على قاطع جبل ماوت كان صحيحه " وان بشكل مجدود على حد وصف السامرائي "


سارع جهاز المخابرات العراقي الى ابلاغ رئاسة الجمهوريه انذاك بان المعلومه " اي نيه ايران التعرض على قاطع جبل ماوت " تم ايصالها بشكل مبكر الى الاستخبارات العسكريه العراقيه 


وكرد على هذه الشكوى قامت الاستخبارات العسكريه العراقيه بكتابة تقرير يبين فيه ان الغالبيه القصوى من انذارات المخابرات العراقيه كانت صحيحه 
وان الاستخبارات لو كانت قد عبرت معلومات غير صحيحه لقوات الجيش العراقي لتسببت بارباكه 


تمت احالة التقرير الى المخابرات العراقيه ولم ترد عليه " حسب وصف السامرائي "



الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 

معركة جبل ماوت .....مايو 1987

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 

مواضيع مماثلة

مواضيع مماثلة

صفحة 1 من اصل 1

 مواضيع مماثلة

-
» كأس مصر
» الانتفاضة المباركة و ثورة الحجارة
» اكبر مكتبة عظات صوت لقداسة البابا شنودة الثالث
» وفيات سنة 1987

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
المنتدى العسكري العربي :: الأقســـام العسكريـــة :: التاريخ العسكري - Military History :: الشرق الأوسط :: حرب الخليج الأولى-